اليونان: أي طريق تسلك نحو الهاوية

السبت 2015/07/04

يقول عالم الاقتصاد والحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيغليتز تعليقا على الأثر المدمر للسياسات الاقتصادية التي فرضتها الترويكا الأوروبية على اليونان، إنه وفي جميع التجارب العالمية لم يوجد أي كساد اقتصادي كان متعمدا وكارثيا كما حدث مع اليونان. هل تم بالفعل دفع اليونان نحو منحدر الكساد الاقتصادي بما يعنيه من هبوط في الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 25 في المئة وزيادة التضخم وتراجع الدخول بصورة متعمدة؟

يجمع الاقتصاديون غير المتحيزين للمؤسسات المالية الدولية، ومنهم ستيغليز وبول كروغمان الحائز أيضا على جائزة نوبل، بأن المسار الاقتصادي الذي جرى فرضه على اليونان كان من المحتم أن يؤدي إلى هذه العواقب الوخيمة، وإلى العجز عن سداد فوائد الديون التي أبرمت بشكل رئيسي لسداد الديون المتراكمة. الأكثر غرابةً في هذا السياق هو أن يصر الاتحاد الأوروبي على أن يعيد اليونان إلى حافة الهاوية، بعد أن أخذت خطوة بعيدا عنها بفضل انتخاب حكومة مناهضة لسياسات التقشف الاقتصادي.

ويبدو وزراء مالية الاتحاد الأوروبي عازمين على التشبث بالخطة التي يطبقها اليونان منذ خمس سنوات وتثبت فشلها عاما بعد آخر، وهو تشبث ينطلق من دوافع سياسية واقتصادية في آن.

يتمثل الهدف السياسي في كبح جماح الحكومات “الشعبوية” كما تطلق كبرى وسائل الإعلام عليهم، والمقصود بها الحكومات الوطنية التي تتحدى السائد وتنحاز للفئات الضعيفة من السكان، وخصوصا تلك التي لم تعتد الوصول للسلطة من قبل. المطلوب هنا هو مواجهة هذه القوى الجديدة التي انتشرت في أميركا اللاتينية وتزداد قوة في أوروبا عن طريق رفض تقديم تنازلات لممثلها، أي اليونان، وبذلك يمكن منع انتشار العدوى. ولا يهم إن كانت تلك الحكومات منتخبة وتعبر عن إرادة شعبية تعاني ويلات التقشف، ففي هذا النوع من النزاعات تظهر الحكومات الأوروبية معادية بصورة أو بأخرى للديمقراطية، وليس من دون دلالة أن تعبر هذه الأخيرة عن استيائها من دعوة الحكومة اليونانية مواطنيها للاستفتاء حول خطة التقشف.

في حالات كثيرة، يبدو أن الديمقراطية السياسية تهدد السلطة المطلقة لأصحاب الرساميل، وتهدد البنى السلطوية للنظام الاقتصادي القائم، وخصوصا عندما تستخدم الديمقراطية لخدمة حاجات الشرائح الأضعف من البشر فتعطيهم قدرا أكبر من الاستقلال والكرامة. وتبدو قوة المصالح المالية هائلة بحيث لا تترك إلا هامشا ضيقا للحكومات للتحرك في جميع المسائل، فكيف في المسائل الهادفة إلى مواجهتها وتقييد نفوذها.

إن فرض سياسات اقتصادية معينة من قبل المؤسسات المالية الدولية تتعارض مع مصالح الأغلبية الساحقة للسكان هي تجربة واسعة الانتشار، حيث تقدم “الروشيتة” الاقتصادية من قبل صندوق النقد الدولي، وتجبر دول العالم الثالث على تطبيق سياسيات ثبت دوما أنها تقود إلى زيادة التفاوت الاقتصادي وارتفاع الحرمان وتقلب الاقتصاد وتكديس الثورة بيد القلة. وتبشر “الروشيتة” بأن الأزمات الاقتصادية سوف تشهد انفراجا، ولكن بشرط وحيد هو السماح بتمرير سياسات تفاقم من تلك الأزمات في الوقت الحاضر.

لا تبرير عقلاني وعلمي للمسألة، فقط مطالبة للمعترضين بـ“الإيمان” بجدوى هذا العقار حتى لو ظهر أنه قد يقود إلى الشلل.

هذا ما يحدث مع اليونان اليوم مجددا، ولا يتصل الأمر بالاقتصاد ومعادلاته ونماذجه، بقدر ما يتصل بالدفاع عن السلطة والمصالح. نحن بصدد قوى مالية شديدة العدوانية في الدفاع عن مصالحها، وهي صلفة ومتعجرفة خصوصا أنها اعتادت على مدار العقود الماضية أن لا تشهد تحديا جديا لسلطتها، وإذا بها تشهد التحدي اليوم من قبل قوى منظمة وصلت إلى السلطة. مع ذلك، تبقى تنظر إليها بازدراء باعتبارها حكومات “شعبوية”. البحث عن الربح هو ما يحدد السياسة الاقتصادية المطلوب تنفيذها وليس النمو، ناهيك عن التنمية. المطلوب من منظور “الترويكا” الأوروبية هو زيادة الأرباح وتخفيض كل من المعاشات التقاعدية والحد الأدنى للأجور من أجل تخفيض عجز الميزانية وتحقيق فائض في نهاية المطاف يمكن بموجبه خدمة الديون التي تعود للمصارف الأوروبية. هنا تكون النتائج جيدة في عين واضع السياسات، حتى لو أدت إلى ارتفاع معدل البطالة بين الشباب اليوناني إلى 60 في المئة، وارتفاع نسبة الانتحار في غضون السنوات الأربع الماضية بنسبة 35 في المئة.

يجد اليونانيون أنفسهم أمام ممارسة حرة لإرادتهم من جديد في التصويت المرتقب على خطة التقشف الأوروبية. والحال أن جميع الخيارات المتاحة، والتي ستدفع نتيجة التصويت باتجاه إحداها، هي سيئة. وهي مفارقة حزينة، فالمستقبل الأسود بانتظار اليونانيين سواء صوتوا بـ”نعم” لخطة الإنقاذ التي تعني تواصل التقشف والكساد من دون أي أمل بنهايته، أو بـ”لا” والتي قد تقود إلى إفلاس البلاد والخروج من منطقة اليورو، مع أمل ضعيف بوجود ضوء في نهاية النفق. لكن التصويت يوم الأحد سيكون لتحديد أي طريق تسلكه اليونان نحو الهاوية، إذ أن مستقبلا أفضل ليس من ضمن الخيارات المقدمة.

كاتب فلسطيني سوري

8