اليونان تطوي صفحة أزماتها الاقتصادية الخانقة

اليونان تدخل مرحلة جديدة في طريق خروجها من أزمتها المالية الخانقة، لكن الحكومة أبقت على سياسة التقشف لمواصلة ضبط التوازنات المالية في مرحلة النقاهة.
الخميس 2018/08/23
زمن التقشف انتهى

أثينا – أنهت اليونان بشكل رسمي برنامج الإنقاذ المالي الذي قدمه الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي في عام 2010 بهدف إخراجها من عثرتها المالية وعجزها عن تسديد التزاماتها المالية.

وخرجت أثينا، التي كانت على وشك الإفلاس، هذا الأسبوع من آخر خطط الإشراف على سياساتها، التي لم تكن تلقى معارضة شعبية واسعة، دون أن تنهي إجراءاتها التقشفية.

وأعلن رئيس الوزراء اليساري أليكسيس تسيبراس، الذي يتولى رئاسة الحكومة منذ 2015 في خطاب متلفز من جزيرة إيثاكا، أن بلاده استعادت زمام أمورها بعد تضحيات مؤلمة بعد برنامج مساعدات استمر 8 سنوات.

وقال إن “اليونان استعادت حق تقرير مصير ثروتها ومستقبلها بنفسها. اليوم يوم وفاء الدين لكنه بداية حقبة جديدة”.

وكانت اليونان قد تلقت طيلة 8 سنوات أكثر من 289 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي في شكل حزم إنقاذ على دفعات مقابل القيام بإصلاحات اقتصادية قاسية.

أليكسيس تسيبراس: بلادنا استعادت زمام أمورها بعد تضحيات مؤلمة استمرت 8 سنوات
أليكسيس تسيبراس: بلادنا استعادت زمام أمورها بعد تضحيات مؤلمة استمرت 8 سنوات

وقال الناطق باسم الحكومة اليونانية ديمتريس تزاناكوبولوس إن “الاقتصاد والمجتمع وكل البلاد دخلت في مرحلة جديدة”.

وواجهت اليونان منذ أبريل 2010، أزمة اقتصادية تعرف باسم “الدين الحكومي اليوناني” بعد طلب الحكومة من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي تفعيل خطة إنقاذ تتضمن قروضا، لمساعدة البلاد على تجنب خطر الإفلاس، مقابل تنفيذها إصلاحات اقتصادية وإجراءات تقشف لخفض عجز الموازنة.

وقال فالديس دومبروفسكيس، نائب رئيس المفوضية الأوروبية، “نحتفل اليوم بنهاية رحلة طويلة وصعبة، وأود أن أشيد بالشعب اليوناني على مثابرته وسخائه”.

وأوضح أن “ما يهمّ الآن هو البناء على هذا الإنجاز بالتمسك بسياسات مالية واقتصادية سليمة”، مؤكدا أن السياسات السليمة هي الطريق الأمثل لتعزيز الثقة في الاقتصاد اليوناني وجني ثمار الإصلاحات وتوفير فرص عمل جديدة واجتذاب المزيد من الاستثمارات.

وبعد البرتغال وأيرلندا وإسبانيا وقبرص، أصبحت اليونان آخر دولة في منطقة اليورو تخرج من خطط المساعدة الأوروبية التي جنّبت هذه الدول ومعها منطقة اليورو الانهيار.

وتلقت اليونان في ثلاث خطط متتالية في 2010 و2012 و2015 قروضا بمئات المليارات مقابل إصلاحات بنيوية يعترف بعض الدائنين اليوم بأنها لم تكن مثالية وأدت إلى خسارتها ربع ناتجها الداخلي الإجمالي خلال 8 سنوات وارتفاع معدل البطالة إلى 27.5 بالمئة في 2013.

ورأى ماريو سينتانو، رئيس مجلس حكام الآلية الأوروبية التي رعت البرنامج الأخير، أن نجاح اليونان في إنهاء التزاماتها المالية يأتي نتيجة جهد استثنائي بذله الشعب اليوناني والتعاون الجيد من قبل الحكومة الحالية وجهود الشركاء الأوروبيين، الذين وافقوا على منح قروض وإعادة هيكلة الديون.

وقال سينتانو وزير المال البرتغالي الذي يترأس مجموعة اليورو في بيان “للمرة الأولى منذ مطلع 2010، تقف اليونان على قدميها”.

وأضاف أن الأمر “استغرق وقتا أطول مما كان متوقعا، لكنني أعتقد أننا حققنا هدفنا”، مشيرا إلى أن “الاقتصاد اليوناني بدأ يسجل نموا وسجل فائضا في الميزانية ومعدل البطالة في تراجع مستمر”، مع أنها مازالت عند 20 بالمئة.

وارتفع الناتج المحلي الإجمالي لليونان بنسبة 1.4 بالمئة بمقارنة سنوية، وذلك وفق البيانات الحكومية الرسمية.

نيكوس فيتاس: اليونان تحتاج لنمو يتجاوز 2 بالمئة سنويا وإلا ستتواصل معاناة الأسر
نيكوس فيتاس: اليونان تحتاج لنمو يتجاوز 2 بالمئة سنويا وإلا ستتواصل معاناة الأسر

لكن المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية بيار موسكوفيسي الذي قال في نهاية الأسبوع الماضي إن “زمن التقشف انتهى لكن البرنامج لا يشكل آخر هذه الإصلاحات”، اعتبر خروج بلاده من تحت مظلة القروض الدولية “يوما عظيما بل تاريخيا”.

وأضاف أن بلاده “ستتمكن بعد الآن من تمويل نفسها من الأسواق الخارجية وستقوم أيضا بتحديد سياستها الاقتصادية مع مواصلة الإصلاحات بالتأكيد”.

ومع ذلك، رأى حاكم المصرف المركزي اليوناني يانيس ستورناراس، خلال مقابلة الأحد مع صحيفة “كاثيميريني” المحلية أن “اليونان مازال أمامها طريق طويل”. وعبّر عن مخاوفه إزاء احتمال أن “تتخلى” الأسواق عن اليونان إذا تراجعت عن إصلاحاتها.

وبفضل إعادة جدولة الديون وخصوصا إطالة أمد تسديدها، وهو ما حصلت عليه اليونان من شركائها الأوروبيين بالفعل في يونيو الماضي، تؤكد أثينا أنها ستكون قادرة على تغطية احتياجاتها المالية حتى نهاية 2022، ما سيسمح لها بعدم الاقتراض من الأسواق إلا في الأوقات المناسبة.

لكن ديونها ما تزال تمثل 180 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي على المدى البعيد في حين يشكك صندوق النقد الدولي في أن تكون أثينا قادرة على تسديد ديونها رغم أن الحكومة اليونانية تقول إن احتياجاتها المالية ستبقى تحت العشرين بالمئة التي حددها الاتحاد الأوروبي.

ومنذ توليه السلطة، حاول تسيبراس المنتمي لحزب سيريزا اليساري المتشدد جاهدا مع وزير المالية يانيس فاروفاكيس تليين شروط البرنامج الثاني عند وصوله إلى السلطة في يناير 2015.

لكن رغم “لا” حازمة من اليونانيين للدائنين في استفتاء شعبي، اضطر رئيس الوزراء الشاب في نهاية الأمر إلى التوقيع على خطة المساعدة الثالثة في يوليو من نفس العام لتفادي خروج اليونان من منطقة اليورو.

ويشدّد خبراء من بينهم أستاذ الاقتصاد نيكوس فيتاس على “ضرورة تسجيل نمو قوي جدا في السنوات المقبلة يتجاوز 2 بالمئة المتوقعة وإلا ستتواصل معاناة العائلات”.

10