اليونان قد تغادر السرب الأوروبي

السبت 2015/01/31

فتح فوز حزب “سيريزا” اليساري أفقا لخروج اليونان من الأزمة الاقتصادية التي داهمتها منذ نحو سبع سنوات، وذلك بعد أن بدا واضحا أن سياسات الترويكا الدولية (الاتحاد الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، والبنك المركزي الأوروبي) لم تصل باليونان إلى التعافي الاقتصادي كما كان منتظرا، وإنما إلى مزيد من الركود والفقر والبطالة.

في مقابل القروض التي كانت تمررها الترويكا للحكومة اليونانية لكي تواصل عملها، فرضت على اليونان إجراءات تقشف اقتصادي قاسية، بل كانت متوحشة بالنظر إلى حجم الدمار الاجتماعي والاقتصادي الذي أحدثته.

مواطنون يونانيون بسطاء كانوا يجدون في الانتحار سبيلا وحيدا للخلاص من عبء الديون الذي يلاحقهم وعائلاتهم. مئات آلاف العمال فقدوا وظائفهم جراء التسريح المباشر نزولا عند مطالب الترويكا في تقليص حجم القطاع الحكومي، وبسبب الإفلاس المتزايد للقطاعات الاقتصادية المتوسطة والصغيرة.

هكذا، ارتفع معدل البطالة بشكل سريع أثناء تطبيق برنامج التقشف من نحو 9 بالمئة عام 2009 إلى 15 بالمئة عام 2012، وصولا إلى نحو 30 بالمئة مطلع هذا العام، أما البطالة في صفوف الشباب فقد بلغت 60 بالمئة.

وقياسا بتجارب بلدان أخرى مع البطالة ونموّها، يعتبر هذا الارتفاع المذهل في غضون أربع سنوات بمثابة زلزال اقتصادي واجتماعي، كان لا بد أن يفضي إلى زلزال مماثل على المستوى السياسي، تمثل بانتخاب حزب يساري الذي يوصف بالراديكالي.

وفور انتخاب حزب سيريزا بدأت التكهنات بشأن المسار الذي سيأخذه صراع هذا الحزب مع الدول الأوروبية، وتحديدا مع فرنسا وألمانيا اللتين تمتلكان نحو 80 بالمئة من الدين اليوناني البالغ 270 مليار دولار والمهدد، حاليا، بعدم السداد.

يطالب سيريزا بإعادة التفاوض لتخفيض القيمة الإجمالية لتلك الديون، ويستند في مطلبه هذا على حجتين قويتين. تقول الأولى إن الاقتصاد اليوناني لا يمكن أن يقدم أداء إيجابيا على الإطلاق في ظل استمرار استنزافه بخدمة الديون المتراكمة بصورة سنوية. وأن استمرار ذلك يفاقم من المأساة الإنسانية الحالية التي تعيشها الأغلبية الساحقة من اليونانيين.

إنها مسألة حقوق إنسان بكل بساطة، هل الأولوية هي لسداد ذلك الدين، الواجب السداد بحسب الاتفاقيات والقوانين المتبعة، أم لإنقاذ ملايين اليونانيين من الموت المحقق الذي يلاحقهم؟ كما يدعم سيريزا مطلبه ذاك بالإعلان عن أنه لا يبتغي أكثر من السير على خطى الألمان أنفسهم بعد هزيمتهم في الحرب العالمية، حيث جرى تخفيض ديونهم الهائلة لتحفيز النمو الاقتصادي وإعادة التنمية.

لا يرجّح أن تقبل فرنسا وألمانيا بمطالب سيريزا الخاصة بتخفيض الديون وتشذيب خطة التقشف بما يتيح لليونانيين التنفس من جديد.

إذ أن تنازلا بهذا الحجم سيفتح الباب أمام اليسار للوصول إلى السلطة في بقية دول جنوب أوروبا التي تعاني من خطط التقشف المفروضة عليها. وفي المقابل، لا يتوقع أن يرضخ سيريزا للضغوط الأوروبية، فقد يواصل تطبيق خطته حتى لو أدى ذلك إلى إخراج بلاده من منطقة اليورو، إذ لم يعد في وسع اليونان أن تواصل التحليق في هذا السرب الأوروبي.

وهو سرب غير متجانس على أي حال. فالأزمة التي تعصف بدول جنوب أوروبا تبدو نتيجة طبيعية لتفاوت التطور في القارة الأوروبية. ليس التطور متفاوتا على صعيد عالمي فحسب، بل هو موجود ومكرس منذ نشوء الاتحاد الأوروبي وإعلان “اليورو” عملة واحدة له.

تظهر الأزمة التي تعيشها اليونان والبرتغال وإيطاليا وأسبانيا أن ما يدعى بالاتحاد الأوروبي بقي بعيدا عن تشكيل اتحاد متجانس على المستوى الاقتصادي والاجتماعي إذ تهيمن بضعة دول على فضاء الاتحاد وتحتكر النشاط الاقتصادي والسياسي. إن معظم الشركات التي تحتكر الإنتاج والأسواق هي شركات قومية تتركز ملكيتها في يد كبار المحتكرين الإنكليز أو الفرنسيين أو الألمان، ويحل السويديون والهولنديون ثانيا في علاقة الهيمنة تلك. لندع تلك التعابير الاقتصادية النظرية الرنانة التي لا تمت للاقتصاد الواقعي بصلة، والتي تدعي أن لا جنسية لرأس المال. بل إنّ لما يدعى “الشركات متعددة الجنسية” جنسية محددة تعود للبلد الذي تنتمي إليه وتدفع له ضرائبها. إذ تتدفق الفوائض الاقتصادية للبلد الأم، كما تخضع تلك الشركات بصورة تامة للبلد الأم الذي ساعد في دعمها وتأسيسها وتوسيع أسواقها ولا يزال يقدم لها كل الدعم المطلوب في أوقات أزماتها كونها تشكل أحد أدوات الهيمنة على الدول النامية من جهة، والدول الطرفية في أوروبا من جهة أخرى.

ما حدث في اليونان يعتبر بمثابة الانعكاس السياسي الأول من نوعه في أوروبا على سياسات الهيمنة الاقتصادية لبضعة دول، وعلى فشل تجربة الاتحاد الأوروبي في تقليص التفاوت في مستويات الأجور والضمان الاجتماعي ودفع الضرائب ومستوى المعيشة بصورة عامة.


كاتب فلسطيني سوري

9