اليونسكو تعلن جدة القديمة تراثا إنسانيا عالميا

الاثنين 2014/06/30
ثراء أثري أهل مدينة جدة لتصنيفها ضمن قائمة مواقع التراث العالمي

جدة- وافقت لجنة مواقع التراث الإنساني العالمي بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “يونسكو” يوم السبت 20 يونيو الجاري، على ضم جدة التاريخية إلى قائمة مواقع التراث العالمي. وبهذا التصنيف أكدت جدة جدارتها بالتحول إلى تراث إنساني عالمي بالنظر إلى ما تحتويه من معالم وآثار.

تعتبر جدة التاريخية التي تسمى محليا جدة البلد متحفا مفتوحا في المملكة العربية السعودية يروي صفحات من التاريخ الموغل في القدم للمنطقة ويخلد عصورا مضت من خلال المعالم التاريخية والأثرية المنتشرة في أرجائها، ويرى مؤرخون أن تاريخها يرجع إلى ما قبل الإسلام، وأنها شهدت نقلة نوعية عندما اتخذها الخليفة عثمان ابن عفان ميناء لمكة المكرمة عام 647 ميلادي.

وأهم معالم المدينة التاريخية التي تجذب نظر زائريها سور جدة وحاراتها التاريخية مثل حارة المظلوم، وحارة الشام، وحارة اليمن، وحارة البحر، كما يوجد بها عدد من المساجد التاريخية أبرزها التي تعود لفترات تاريخية مختلفة منها مسجد عثمان بن عفان، ومسجد الشافعي، ومسجد الباشا،ومسجد عكاش، ومسجد المعمار، وجامع الحنفي، إضافة إلى الأسواق التاريخية، ونظرا إلى ثراء وكثرة وجمالية هذه المعالم.

وتتميز المنطقة التاريخية بمدينة جدة بطرازها المعماري الفريد الذي يرجع إلى عدة قرون والذي كانت تشتهر به منطقة الحجاز بوابة مكة المكرمة على مدار التاريخ، وما تزال مبانيها ومعالمها الأثرية تقف شامخة على مر السنين بجمالية فريدة ونمط معماري مميز رغم أنه لم يكن من السهل الحفاظ على هذا التراث الفريد، خاصة بالنسبة للمنازل المبنية بالطوب اللين ذات الشرفات، فطقس جدة يتميز بدرجة رطوبة مرتفعة من شأنها أن تؤدي لتآكل الخشب والجدران وهو ما يجعلها تحتاج إلى عمليات ترميم وصيانة مستمرة كي لا تتلف ولا تتغير ملامحها الأصيلة.

سوف تتولى الهيئة العامة للسياحة والآثار في السعودية تنفيذ مشروع وطني للحفاظ على المنطقة التاريخية في جدة

وينص القانون السعودي على استعمال الطين والحجر المرجاني الذي يستخرج من البحر الأحمر في ترميم المباني الأثرية مع اعتماد أساليب البناء التقليدية القديمة ما يجعل صيانتها باهظة التكاليف، وهو ما جعل مباني جدة التاريخية البديعة تعاني طويلا من الإهمال لعدم اتخاذ إجراءات عملية حاسمة للحفاظ عليها.

وسوف تتولى الهيئة العامة للسياحة والآثار في السعودية تنفيذ مشروع وطني للحفاظ على المنطقة التاريخية في جدة التي تبلغ مساحتها كيلومترا مربعا، وكانت الحكومة السعودية قد بذلت جهودا ضخمة في سبيل ضم جدة التاريخية إلى قائمة يونسكو لكن هذه المساعي لم تكلل سابقا بالنجاح لعدم وجود خطة واقعية للترميم والصيانة.

وكانت أعمال الترميم تقتصر إلى حد بعيد على مشاريع ومبادرات خاصة لأن القانون السعودي يمنع السلطات من التدخل لترميم مباني الملكية الخاصة في المنطقة خاصة منها المنازل التي يتخذها عدد من مالكيها مسكنا لهم ولعائلاتهم، ونتج عن هذا القانون وعن استخدام هذه المباني في السكن دون صيانتها انهيار أو هدم نحو ربع مباني المنطقة التاريخية في السنوات العشر الماضية.

ولم تتوقف الانعكاسات السلبية لهذا القانون عند هذا الحد بل تجاوزته لتتحول بعض المباني الأثرية (التي كان يقطنها كبار التجار الأثرياء في جدة قديما) إلى مساكن رخيصة للعمال الوافدين على المدينة ومأوى للمتسولين، وتشير تقديرات إلى أن نسبة السعوديين بين سكان المنطقة التاريخية البالغ عددهم 40 ألف نسمة لا يزيد في الوقت الراهن على خمسة في المئة.

وتظهر أشكال الإهمال وغياب الصيانة وسوء الاستخدام بوضوح على الكثير من المباني الأثرية في جدة التاريخية،لكن الحكومة السعودية قدمت طلبا جديدا إلى منظمة اليونسكو في يناير/ كانون الثاني الماضي لضم جدة التاريخية إلى قائمة مواقع التراث الإنساني العالمي وضمنته اقتراحات تفصيلية لتشجيع مالكي المساكن على ترميمها تحت إشراف خبراء مختصين ومن خلال قروض وحوافز مالية مختلفة.

حارات وأزقة مدينة جدة تفوح بعبق التاريخ

ولقيت هذه المقترحات ترحيبا وقبولا من قبل سكان المدينة الأثرية وفي هذا السياق يقول أحد سكان المنطقة التاريخية بجدة من السعوديين يدعى محمد العامودي: “الوالدة تزوجت في هذا البيت وزوجتني أنا وإخوتي فيه أيضا، والحمد لله أن المنطقة بدأت تشهد اهتماما كبيرا من قبل السلطات المحلية مقارنة بما كانت عليه في السابق. لأنها كانت مهملة جدا”.

وبدا اهتمام المملكة بجدة التاريخية جليا سواء من خلال وضع الحوافز المشجعة لمالكي المنازل الأثرية ليتمكنوا من صيانتها أو من خلال شراء الحكومة لعدد من المباني في المنطقة التاريخية ثم القيام بترميمها ونذكر من بين هذه المعالم ذات القيمة التاريخية مسجد يعود تاريخ تشييده إلى القرن الثالث عشر، والمنزل الذي كان يسكنه الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة أثناء وجوده في جدة.

وأقيم احتفال بالمنطقة التاريخية في جدة بمناسبة ضمها إلى قائمة مواقع التراث الإنساني العالمي تحدث فيه الأمير مشعل بن عبد الله أمير منطقة مكة المكرمة، قائلا: “نحتفل اليوم معكم بمناسبة اعتماد منطقة جدة التاريخية في قائمة التراث العالمي بعد موافـقة لجنة التراث العالمي على تسجيلها خلال اجتماع اللجنة التابعة لليونسكو في دورته الثامنة والثلاثين التي عقــدت في قطر”.

كما أعلن الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار خلال الاحتفال أن المشروع الوطني لترميم التراث خصصت له الحكومة ميزانية تزيد على خمسة مليار ريال (نحو مليار و333 مليون دولار)،وقال: “هذا المشروع حقيقة يتزامن مع مشروع تاريخي أقره المقام الكريم باسم مشروع الملك عبد الله للعناية بالتراث الحضاري في المملكة العربية السعودية وصدر فيه قرار مجلس الوزراء قبل أسابيع قليلة. وجدة التاريخية تحظى بهذه العناية تحت مظلة هذا المشروع الوطني الكبير الذي تتعدى ميزانيته أكثر من خمسة مليارات ريال في الثلاث سنوات القادمة إن شاء الله”.

يذكر في هذا الصدد أن قائمة يونسكو لمواقع التراث الإنساني العالمي تضم موقعين آخرين في السعودية هما مدائن صالح التي تعرف أيضا باسم مدينة الحجر، ومدينة الدرعية العاصمة الأولى للمملكة.

12