اليونسكو تكابد نقص الأموال وحسابات السياسة في معركة مصيرية

كغيرها من المنظمات الأممية تعاني اليونسكو من تداخل المصالح والحسابات السياسية مع برامجها وعملها وتأثيرات ذلك على مصادر تمويلها. ويعتبر تجميد التمويل أو وقفه من أكثر الوسائل التي تتخذها دول ترى تعارضا بين سياساتها وموقف تتخذه اليونسكو خصوصا في ملف تصنيف المواقع التراثية. ويعتبر الموقف الأميركي الذي بدأ بوقف التمويل ثم الانسحاب الأشهر والأحدث في هذا السياق، حيث أعلنت الولايات المتحدة انسحابها من منظمة اليونسكو عشية انتخابات المدير العام الجديد، والتي انتهت بعد جدل كان فيه للسياسة حضور كبير على وقع الأزمة بين قطر ودول عربية، أثّرت بدورها على التصويت لأحد المرشحيْن العربييْن، المصري والقطري، لينتهي الأمر بحسم النتيجة لصالح وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة أودري أزولاي.
الأحد 2017/10/15
أزولاي تفتتح عهدها بالأزمات

باريس - في حي ليفت بانك الباريسي الراقي يقع مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو). لكن المبنى الحديث يخبو وسط تساؤلات بعض الدبلوماسيين عن مستقبل المنظمة.

تأسست اليونسكو على أنقاض الحرب العالمية الثانية من أجل حماية التراث الإنساني الثقافي. واختارت المنظمة الجمعة وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة أودري أزولاي مديرة جديدة. لكن إعلان الولايات المتحدة المفاجئ الانسحاب من المنظمة بسبب ما وصفته بالتحيز ضد إسرائيل يعني أن المديرة الجديدة سترث منظمة مضطربة تواجه علامات استفهام ضخمة بشأن تمويلها ومهمتها في المستقبل.

وهذه ليست المرة الأولى التي تنسحب فيها الولايات المتحدة من المنظمة، فقد قامت بذلك في العام 1984 إبان حكم رونالد ريغان احتجاجا على سوء الإدارة المالية للمنظمة ولم تعد إليها إلا في العام 2002.

تركة ثقيلة

يقول دانيال روندو، سفير فرنسا السابق لدى اليونسكو، “أعتقد أنه قرار كارثي. إنه صدع يعرّض طبيعة اليونسكو نفسها لخطر بالغ: بُعدها العالمي ومفهوم التعددية ذاته”.

تتولى اليونسكو مسؤولية تحديد مواقع التراث العالمي وحمايتها بدءا من جزر جالاباجوس قبالة سواحل الإكوادور على المحيط الهادي وحتى أضرحة تمبكتو في مالي بغرب أفريقيا.

ومعظم أنشطة اليونسكو غير مثيرة للجدل لكن عندما يتصل الأمر على سبيل المثال بقرارات تتعلق بكيفية إدارة المواقع الدينية في القدس تحتاج كل كلمة للتدقيق خشية توجيه اتهامات بالتحيز.

وبالنسبة إلى بعض الدبلوماسيين في المنظمة يمثل قرار انسحاب واشنطن نقطة تحوّل ويضع مزيدا من الضغوط على القيادة الجديدة للمنظمة.

وقال دبلوماسي غربي “هذه أهم انتخابات. لا يمكن أن تكون هناك أربع سنوات أخرى على هذا المنوال”.

وعبّر عن استيائه من إدارة البلغارية إيرينا بوكوفا التي يقول منتقدوها إنها فشلت في إقناع الدول الأعضاء بسداد المستحقات الواجبة عليها ولم توقف تسييس عمل المنظمة.

وتقبع في قلب مشكلات اليونسكو أزمة تمويل منذ عام 2011 عندما أيدت المنظمة منح فلسطين عضوية كاملة وردت واشنطن بوقف دفع حصتها السنوية البالغة 80 مليون دولار.

وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن 14 عضوا اعترضوا على عضوية فلسطين من أصل 194 عضوا. وتقول واشنطن إنها لا تعارض قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات يوم لكن ذلك ينبغي أن يحدث نتيجة للمفاوضات، كما تقول إن قبول عضوية الفلسطينيين في المنظمات الدولية سلفا يضرّ بعملية السلام.

ومع غياب الأموال الأميركية اضطرت اليونسكو، التي يعمل بها نحو ألفي شخص في أنحاء العالم، إلى تقليص برامجها وتجميد التوظيف وسدّ الفجوات بالإسهامات التطوعية. وبلغت ميزانية المنظمة لعام 2017 نحو 326 مليون دولار أي نحو نصف ميزانيتها في 2012.

وقال مسؤول بالمنظمة طلب عدم نشر اسمه “نحتاج إلى عمل أقلّ بأموال أقل. قضينا وقتا طويلا في محاولة القيام بالكثير دون وسائل.. يتعين أن نسوّق لأنفسنا بصورة أفضل، لكن دون تمويل سيصعب تغيير صورتنا”.

وتشير أرقام منشورة على الموقع الإلكتروني للمنظمة إلى أن لديها مستحقات متأخرة قيمتها نحو 650 مليون دولار منها حوالي 542 مليونا على الولايات المتحدة. وفي هذه المرحلة لا يعرف مسؤولو اليونسكو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسدد المتأخرات قبل أن تترك المنظمة رسميا في الـ31 من ديسمبر 2018.

منع السياسة

إلى جانب توقف التمويل الأميركي لم تسدد دول مساهمة رئيسية في اليونسكو مثل اليابان وبريطانيا والبرازيل إلى الآن المستحقات الواجبة عليها لعام 2017 اعتراضا في بعض الأحيان على سياسات المنظمة.

وقال دبلوماسي في المنظمة “الحقيقة أن اليونسكو معنية في الأساس بالتضامن وإتاحة مناخ للسلام بين البلدان، لكنّ دولا تستخدم الآن مستحقاتها للتأثير على البرامج ويتعين تغيير ذلك”.

على سبيل المثال هددت اليابان بحجب المستحقات بسبب إضافة مذبحة نانجينغ في عام 1937 إلى برنامج “سجل ذاكرة العالم” باليونسكو. ودبّ خلاف بين روسيا وأوكرانيا على شبه جزيرة القرم واتهمت كييف موسكو بمحاولة إضفاء الشرعية على ضم المنطقة من خلال اليونسكو.

650 مليون دولار قيمة مستحقات اليونسكو المتأخرة منها حوالي 542 مليونا على الولايات المتحدة

وقال دبلوماسي ثان في اليونسكو “على من سيتولى القيادة معالجة هذا الأمر. عليهم أن يجدوا سبلا لجعل الدول تتناول هذه القضايا بالتفصيل، لكن إذا لم يتمكنوا من ذلك فسيكون لزاما على المديرة العامة أن تملك المقدرة على قول ‘لا’ وأن تمنع هذه الأحاديث”.

وعلى النقيض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حيث تملك الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض (الفيتو)، تتخذ اليونسكو القرارات استنادا إلى غالبية الأصوات سواء عبر أمانتها العامة التي تشمل جميع الدول الأعضاء وعددها 195 دولة أو مجلسها التنفيذي الذي يضم 58 عضوا. وتقول إسرائيل إن هذا يخلق أغلبية قائمة بالفعل من الدول المعادية لها.

وتقول الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة، التي تقدم أغلب التمويل إن أصواتها المنفردة لا تمنحها سلطة تذكر على كيفية إنفاق أموالها.

وقبل قرار الانسحاب الذي أعلنته الولايات المتحدة الخميس الماضي، قال دبلوماسيون إن المجلس التنفيذي لليونسكو حاول التملص من المواجهة بالتصويت على تأجيل البت في نصوص إسرائيلية/فلسطينية مثيرة للانقسام حتى أبريل القادم.

وتعاني اليونسكو من غياب الإجماع ومن الحاجة إلى الإصلاح. وسيكون أمام الوزيرة الفرنسية السابقة مهمة صعبة لإصلاح البيروقراطية المترهلة في المنظمة التي تم تأسيسها قبل نحو 70 عاما.

وتعهد كل المرشحين لمنصب مدير عام اليونسكو بإجراء إصلاحات جذرية وبذل جهود لنزع الطابع السياسي عن المنظمة.

وقالت الفرنسية أزولاي للصحافيين قبل إعلان نتيجة التصويت الجمعة (13 أكتوبر 2017) “في وقت أزمة كتلك نحتاج أكثر من أيّ وقت مضى لتقوية ودعم وإصلاح اليونسكو لا تركها”.

وأكدت أنها ستعمل على تطوير المنظمة. وأضافت “أول ما سأفعله هو إعادة مصداقيتها وإعادة إيمان أعضائها بها وفاعليتها حتى يتسنّى لها العمل”.

اقرأ أيضا:

◄ اليونسكو وأسطورة القوة الناعمة لمصر

6