اليونسكو.. صراع عربي على تشتيت الأصوات

تبدأ الاثنين بباريس انتخابات منظمة اليونسكو لاختيار مديرها العام الجديد، خلفا للبلغارية إيرينا يوكوفا. وتشارك ثلاث دول عربية في المعركة الانتخابية وهي مصر ولبنان وقطر، وتتطلع القاهرة إلى الفوز بهذا المنصب من خلال مرشحتها مشيرة خطاب، مرشحة مصر والقارة الأفريقية، ويشير مراقبون إلى أن للمرشحة المصرية فرصا قوية للفوز بعد حصولها على دعم عدة دول عربية، على رأسها العراق الذي سحب منذ أيام مرشحه لهذا المنصب لصالح السفيرة المصرية، لكن مساعي قطر لتفتيت الأصوات العربية من خلال الإبقاء على مرشحها تضعف من الحظوظ العربية، فيما تزاحم فرنسا بقوة المرشحين العرب.
الاثنين 2017/10/09
منصب ثقافي بثقل سياسي

باريس- تنطلق الاثنين انتخابات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) لمنصب المدير العام للمنظمة وسط منافسة شديدة بين مرشحي ثلاث دول هي مصر وفرنسا والصين من أصل سبعة مرشحين فقط بعد انسحاب كل من غواتيمالا والعراق. وتقدمت أذربيجان والصين ومصر وفرنسا ولبنان وقطر وفيتنام بمرشحين دون وجود مرشح محدد له الحظ الأوفر في الفوز.

وتبدو حظوظ المرشح الفرنسي أقوى في مواجهة ستة مرشحين آخرين، بينهم ثلاثة عرب، ما يرجح استمرار عدم فوز أي عربي برئاسة المنظمة، التي تأسست عام 1945.

ويقلص من فوز المرشحين العرب وهم كل من مصر وقطر ولبنان برئاسة المنصب، المشهد السياسي المعقد الذي يعيشه العالم العربي، وانتشار الفوضى والحروب بالمنطقة بسبب ضغوط الدول الكبرى لفرض الهيمنة من جهة، ولتورط دول كقطر في دعم الإرهاب وتموليه وانتهاج خطوات موالية لإيران، الساعية لتحقيق طموحها في التوسع على حساب الأمن القومي لدول الخليج والعالم العربي من جهة أخرى.

لذلك فإن حظوظ المرشح القطري حمد الكواري ضعيفة في ظل أزمة المقاطعة التي اتخذتها دول عربية إزاء الدوحة، واتهامها لها بتصدير الإرهاب ورعايته وتمويله، ورغم إصرار قطر على دعم مرشحها إلا أنه لن يستطيع أن ينأى بنفسه عن المأزق القطري، كونه محسوبا على الحكومة القطرية وسياساتها المشبوهة. ولن ينجح في منافسة المرشحة المصرية الأوفر حظا مشيرة خطاب. وقال مصدر دبلوماسي عربي رفيع المستوى في لندن لـ”العرب” إن “إصرار قطر على الإبقاء على مرشحها لمنافسة المرشحة المصرية، يهدف بالأساس إلى تفتيت الأصوات العربية، من أجل تحقيق هدف قطري واضح، وهو عدم فوز مصر بالمنصب”.

إذا لم تصر قطر على الإبقاء على مرشحها، كان من السهل أن تشكل المرشحة المصرية منافسا شرسا للمرشحة الفرنسية

وأكد المصدر، الذي عمل في اليونيسكو قبل أن ينتقل للعمل في لندن، إن “الدور القطري في معركة اليونيسكو يخلط كل الأوراق بالنسبة لأي مرشح عربي، لأن المشاورات الدبلوماسية قبل انطلاق سباق الترشح أسفرت عن شبه توافق عالمي بأحقية أحد المرشحين العرب أو الشرق أوسطيين بتولي منصب رئيس اليونيسكو”.

وتعمل الديناميكية الدبلوماسية داخل أروقة اليونيسكو وفقا لمعايير أغلب مؤسسات الأمم المتحدة، حيث تمثل تكتلات جغرافية مكونة من دول تحمل رابطا ثقافيا أو خلفية حضارية مشتركة، كما تحمل ثقلا سياسيا ودبلوماسيا يسعى لترجيح كفة أي من المرشحين المنتمين إليه.

وتولت شخصيات تنتمي لغالبية التكتلات الدبلوماسية الأخرى منصب رئيس اليونيسكو، ولم يتبق فقط سوى المجموعة العربية التي لم تتول شخصية تنتمي لأي من دولها المنصب من قبل.

منافسة مصرية فرنسية

قال المصدر الدبلوماسي لـ”العرب” إن “مصر تمكنت من الحصول على دعم المجموعة الأفريقية، بصفتها عضو في الاتحاد الأفريقي، وإذا ما لم تصر قطر على الإبقاء على مرشحها، كان من السهل أن تشكل منافسا شرسا للمرشحة الفرنسية على المنصب، لكن على ما يبدو أن تفتيت الأصوات العربية سياسة قطر في هذه المناسبة أيضا”.

ويرى خبراء أن تعدد المرشحين العرب، والأزمة الخليجية، والدعم الفرانكوفوني، وتفضيل الدول الممولة لفرنسا، فضلا عن كون باريس هي مقر الـ”يونسكو”، يزيد من فرضية نجاح باريس في الفوز بالمنصب.

ويشير هؤلاء إلى أن “معركة انتخابات اليونسكو تبدوا عملية معقدة، حيث تعكس انقساما عربيا تزيد من حدته الأزمة الخليجية الراهنة”، مقابل “تكتل لدعم فرنسا”.

عملية معقدة

تعتبر القاهرة أن فرص مرشحتها متساوية مع منافستها الفرنسية، وتأمل في انسحاب بقية المرشحين العرب، وهي الحالة الوحيدة التي يرى خبراء أنها ستقود إلى منافسة مصرية-فرنسة شرسة.

اليونسكو.. حلم العالم الذي يقيده التسييس
باريس- أكدت إيرينا بوكوفا المديرة العامة المنتهية ولايتها لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) في مقابلة مع صحيفة فرنسية الأحد أن “التمتع بالقدرة على جمع الأموال وبشخصية قادرة على التوحيد هي المتطلبات الرئيسية في مدير عام المنظمة”.

ومن المقرر أن يبدأ المجلس التنفيذي للمنظمة بداية من الاثنين التصويت لاختيار خليفة لبوكوفا، التي وصفت المنظمة بأنها “حلم العالم، لكنها تواجه صعوبات مالية وسياسية بسببه”.

وتقدمت سبع دول بمرشحين، وهي فرنسا والصين وفيتنام وأذربيجان ومصر وقطر ولبنان.

وكتبت مرشحة لبنان فيرا الخوري لاكويه في بيان مرفق بطلب الترشح إن “هناك تحديا مهما ينتظر على من سيتم اختياره لقيادة المنظمة وهو الحد من التسييس المبالغ فيه لعمل المنظمة والذي تحول في بعض الأوقات إلى برميل بارود يعيق تحقيق أهدافها”.

وألقت صراعات الشرق الأوسط بظلالها مرارا وتكرارا على عمل المنظمة، التي تشتهر بقائمتها لمواقع التراث العالمي. وبعد موافقة المنظمة على قبول فلسطين كعضو، أوقفت الولايات المتحدة، أكبر ممول للمنظمة، دعمها المالي لها.

ومن المقرر أن تجرى الجولة الأولى من التصويت الاثنين، وفي حال لم يتمكن أي مرشح من الحصول على أغلبية الأصوات من بين الـ 58 عضوا في المجلس التنفيذي، فإن التصويت من الممكن أن يستمر على مدار الأسبوع لأربع جولات.

ويحتاج الفائز في النهاية إلى المصادقة على اختياره في تصويت يجريه المؤتمر العام لكافة الدول الأعضاء في العاشر من نوفمبر القادم.

وبدأت محاولات العرب لنيل لهذا المنصب عام 1999 عندما ترشح مدير مكتبة الإسكندرية آنذاك المصري إسماعيل سراج الدين، والأديب والدبلوماسي السعودي غازي القصيبي، فخسر الاثنان أمام الياباني كوشيرو ماتسورا.

وخلال الفترة الماضية حاول كل مرشح تقديم رؤيته المتعلقة بالتعليم والعلوم والثقافة، وقبل الرؤية كانت الاتصالات والجولات المكوكية، بعضها رئاسية، لدعم المرشحين. “الانتخابات عملية معقدة بشكل كبير” هكذا وصف جهاد عودة أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان المصرية، المنافسة المقبلة في اليونسكو.

وأضاف عودة في تصريحات صحافية أن “النتائج تظهر وفق توازنات، مثلما حدث في الجولة الماضية، التي نافس فيها وزير الثقاقة (المصري الأسبق) فاروق حسني”.

ووفق صالح غريب، رئيس قسم الثقافة والفن بصحيفة قطرية، الذي عمل لفترة مع المرشح القطري بوزارة الثقافة، فإن “وجود أكثر من مرشح عربي سيجعل فرص فوز أي منهم منعدمة”.

ومنذ 5 يونيو الماضي، قطعت كل من مصر والسعودية والإمارات والبحرين علاقاتها مع قطر، بسبب دعمها للإرهاب وتمويله، الأمر الذي تنفيه الدوحة. ولفت غريب إلى أن “الأزمة الخليجية تصدر إلى العالم صورة الخلاف العربي، وبات الواقع ينبئ بأن الخلافات ستعرقل فرص الفوز، ولن تسمح الدول المصوتة بأن يذهب المنصب إلى مرشح عربي خلفه أزمات”.

في ما أشار الكاتب والأديب المصري يوسف القعيد إلى أن “توافق الدول العربية على مرشح واحد فقط كان سيزيد من فرص فوز خطاب إذا وقع عليها الاختيار العربي”.

واعتبر القعيد أن “هذه قد تكون فرصتنا الأخيرة، خاصة وأنها المرة الثالثة التي تطرح فيها مصر مرشحا، وأتمنى فوز خطاب”.

ووفق وزير الخارجية المصري الأسبق محمد العرابي رئيس الحملة الانتخابية لـخطاب، فإن المرشحة المصرية “تحظى بتأييد عربي واسع ودعم أفريقي وآسيوي، فضلا عن دول أوروبية وأخرى في أميركا اللاتينية”. واستدرك العرابي بقوله “لكن في النهاية انتخابات اليونسكو، وكأي معركة انتخابية، تلعب فيها السياسة دورا كبيرا، ولا تعتمد فقط على الكفاءة”.

ورأى أن “المنافسة قوية بين المرشحة المصرية ونظيرتها الفرنسية، ولا توجد أي عقبات فنية أمام خطاب، حيث أثبتت كفاءتها وجدارتها في المناصب التي تقلدتها، إضافة إلى الرصيد الحضاري والثقافي المصري”.

ولفت سفير مصر في باريس ومندوبها لدى الـ”يونسكو” إيهاب بدوي إلى أن “العديد من الدول تتخذ قرارها في اللحظات الأخيرة لرصد ما قد يستجد من أمور ومواءمات وتفاهمات سياسية”.

وأعرب بدوي في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط عن أمله في انسحاب بقية المرشحين العرب لصالح المرشحة المصرية وذلك “منعا لتفتيت الأصوات العربية، خاصة وأنها (خطاب) تمثل كلا من العرب وأفريقيا ومنطقة المتوسط”.

واعتبر بدوي أن خطاب “من أقوى ثلاثة مرشحين، وتحظى بدعم رسمي من الاتحاد الأفريقي والمجموعة الأفريقية، وهي أكبر المجموعات الجغرافية الست في المجلس التنفيذي من حيث عدد المقاعد، وبالتالي عدد الأصوات”. وحسب حسن نافعة أستاذ العلوم السياسة بجامعة القاهرة فإن “الدعم وحده ليس كافيا”، ورأى أن “مشيرة خطاب ليست ذات ثقل، كما أن المرشح القطري في موقف صعب في ضوء تداعيات الأزمة الخليجية”.

مؤتمر المنظمة

في مقرها بباريس انطلقت اجتماعات المجلس التنفيذي لليونسكو وعلى رأس مهامها اختيار مدير جديد ليخلف البلغارية إيرينا بوكوفا عبر اقتراع سري. ويُعلن اسم الفائز في المؤتمر العام للمنظمة (جمعية عمومية تضم 193 دولة)، في 14 نوفمبر القادم، ويباشر مهام عمله في اليوم التالي.

ويُنتخب مدير عام المنظمة لولاية من أربع سنوات، ويمكن إعادة انتخابه لولاية ثانية مرة واحدة. ويُجرى الانتخاب على خمس جولات كحد أقصى بين 9 و13 أكتوبر الجاري، في حال لم يحصد أي مرشح أغلبية مطلقةً في الجولات الأربع الأولى، أي 30 صوتا على الأقل من أصوات الدول الأعضاء في المجلس التنفيذي، وهي 58 دولة.

اقرأ أيضا:

اليونسكو تسعى لقيادة جديدة وسط موارد محدودة وصراعات دولية

7