امبراطورية الإنترنت في طريقها إلى "البلقنة"

السبت 2014/10/18
الدول المستبدة تمارس سياسة حجب المواقع والسيطرة على المعلومات

لندن - ثلاثة مليار شخص من الذين يستخدمون الإنترنت في العالم يجري الآن تشكيلهم على نحو جديد. فهناك تراجع في سقف الطموحات التي تتمنى وجود وسيط بلا حدود قادر على ربط البشرية. فهل بدأ العد التنازلي لإعلان انتهاء عصر الإنترنت المفتوح على يد الحكومات سواء كانت ديمقراطية أو مستبدة.

أصبحت عمليات حجب المواقع والسيطرة على المعلومات لمنعها من التدفق بحرية حول العالم وزيادة مراقبة الناس الموجودين على الإنترنت من الطرق العادية للسيطرة على الإنترنت، كما أن هذا لم يعد مقتصرا فقط على الدول المستبدة.

فقد تحولت دول ديمقراطية نحو تطبيق سيطرة أكبر لـ“حماية مواطنيها من السطو الذي يأتي من حكومات أجنبية”. وعملت المشاعر القومية والطموحات الإقليمية على زيادة هذه القوى الضاغطة فيما أصبحت قوى العولمة تقف في وجه الحقائق الجديدة السائدة في عالم أصبح أكثر مشاكسة من قبل.

ووفق صحيفة فايننشال تايمز البريطانية فقد أصبحت الإنترنت مجالا للاحتكاك، لكونها منصة اتصالات عامة لوصل سكان الكرة الأرضية بعضهم ببعض في الوقت الذي ازدادت فيه التوترات في العالم. والخطر الآن، حسب قول المحذرين، هو أن تبدأ هذه الشبكة في التمزق إلى درجة الانهيار، وخلاصة القول هو أنه بعد 20 عاما من تمكن هذه الشبكة من ربط العالم بقوة أكبر من أي وقت مضى، أصبحت على وشك التعرض لعملية “بلقنة”.

يقول إيريك شميدت، رئيس غوغل، وهو واحد من أولئك المحذرين من أن التآكل المستمر في حريات الإنترنت ستكون نهايته سيئة. وأضاف “يمكن أن ينتهي ذلك إلى تفكك الإنترنت”.

وربما كان الأمن في مقدمة الأسباب التي كانت وراء وضع القوانين الجديدة، لكنّ شميدت وآخرين من المدافعين عن “إنترنت مفتوحة” يقولون إن ذلك يجب ألا يبعد انتباهنا عن حقيقة القوى الحقيقية التي تعمل حاليا في هذا الاتجاه.


رسالة تركية


كان الصراع الدائر بين السياسيين والتكنوقراط للسيطرة على الإنترنت واضحا بصورة جلية هذا الشهر في تركيا. فقد تجمع المؤيدون لعالم مفتوح على الإنترنت في إسطنبول أثناء الاجتماع السنوي لمنتدى حوكمة الإنترنت الذي يُروج لحوار مفتوح حول هذه القضايا. لكن بعد أيام من قيام الوفود بحزم حقائبها، عرض الرئيس رجب طيب أردوغان وجهة نظر مختلفة حول كيفية تشغيل الإنترنت. وبحسب قانون جديد وضع في تركيا، أعطيت وكالة الاتصالات في البلاد -التي يديرها مسؤول سابق في المخابرات- الحق في إغلاق أي مواقع، مع إعطاء مهلة مدتها أربع ساعات فقط لتقديم اعتراض على ذلك إلى المحكمة لمراجعة القرار.

وتقول الحكومة في تبريرها لذلك إنها تريد حماية الخصوصية وضمان أن تكون الإنترنت منظمة حسب القانون.

أردوغان الرجل المكبل للحريات في تركيا

لكن زينب توفيقجي، الأستاذة المساعدة في كلية المعلومات في جامعة نورث كارولينا الأميركية تقول: “بدا هذا التوقيت وكأنه رسالة واضحة جاءت من السلطات التركية إلى عالم الإنترنت مفادها بأننا سنستمر على طريقتنا الخاصة، إنها مثل الدخول إلى عقول الناس بصفة دائمة”.

وتاريخ الإنترنت حافل بأمثلة على بلدان تحاول وضع أسيجة حول نفسها في فضاء الإنترنت، وهو أمر تكون له أحيانا تأثيرات هائلة. وسنّت دول كثيرة قوانين أكثر للتعامل مع البيانات والسلوك على الإنترنت، وغالبا ما يتم ذلك عن طريق استيراد أنظمة وتعليمات موجودة في مجالات موازية من أنشطة في العالم الحقيقي.


هل تتفكك الإنترنت؟


يقول فكتور ماير- شونبيرجر، أستاذ سياسة الإنترنت في جامعة أكسفورد، إن مثل هذه المجريات يمكن تصويرها على أنها صراع بين قوى الظلام الممثلة في الحكومات الرجعية والقوى المستنيرة التي تأخذ شكل المثاليين الذين يحاولون الإبقاء على هذا الوسط مفتوحا.

ومع ذلك فهو يقول إن هذا الإحساس وهمي، و”الموقف العام العالمي من الإنترنت هو أمر لم يكن موجودا قط، لكنه كان شيئا مفيدا وملهما لشركات الإنترنت”. ويضيف “كان يوجد دائما فراغ في السلطة حول الإنترنت، وهو فراغ استولت عليه مؤسسات مختلفة”.

ومع ذلك، كان أحد الأخطار المحدقة بالإنترنت هو استخدام قضية حماية مواطني البلدان ذريعة للإجراءات القمعية السياسية التي تستخدم ضدهم. مثلا، هذا العام حظرت تركيا استخدام يوتيوب وتويتر على الإنترنت بزعم قيامهما بأعمال فساد في البلاد، رغم أن المحكمة الدستورية في البلاد ألغت قرار الحظر فيما بعد.

وقال يامان أكدينيز، أستاذ الحقوق في جامعة بيلجي في إسطنبول”كانت العادة في القانون هي حماية الأطفال من محتويات الإنترنت المؤذية، والآن أصبح كل ذلك يتعلق بحماية الحكومة من المحتويات التي ترى أنها غير مرغوبة”.

ويقول بعض النقاد إنه حتى لو كان هدف الإجراءات التي اتخذت هو حماية مواطني البلاد، فربما يكون لذلك ردود أفعال.

مثلا، يحذر شميدت من أن يؤدي حكم المحكمة الأوروبية المعروف بـ”الحق بالنسيان” الذي يمنح المواطنين الأوروبيين حق المطالبة بإزالة بعض المعلومات الخاصة بهم من أدوات البحث على الإنترنت، إلى تشجيع الآخرين على تقديم مطالب مراقبة أكثر شرا مما طلبه الأوروبيون. وأن يشكل سابقة يمكن أن يتخذها آخرون ذريعة لمقاومة التطور السياسي في بلادهم.

إيريك شميدت: "حق النسيان" قد يشكل سابقة لمقاومة التطور السياسي

وأدى التعجيل بمثل هذه التحركات إلى توجيه تحذيرات من تفككك الإنترنت، لأن المزيد من الدول أصبحت تحاول أن تؤسس لنفسها زوايا في الإنترنت تستطيع السيطرة عليها.

ويحذر مسؤولون تنفيذيون في هذه الصناعة من أن ذلك سيؤدي في النهاية إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، إلى الفترة التي سبقت مولد العالم الافتراضي للإنترنت. ومع ذلك يقول خبراء إن البناء الأساسي للإنترنت يجعل من الصعب كسره. ويرد على هذا الزعم إيفجيني مورزوف، الكاتب المتخصص في قضايا الإنترنت والمنتقد الدائم لما يسميه “أجندة حرية الإنترنت” التي تتبعها الولايات المتحدة، فهو يقول “لا يوجد شيء عام متماسك اسمه الإنترنت، بحيث إذا تلاعبت بجزء واحد منه ستسقط كل أجزائه”.


إيران الإنترنت "باب فساد"


تعيش إيران صراعا بين شبابها المتعلم المنفتح على العالم والمتشددين المتنفذين في البلاد الذين يرون الإنترنت بابا لا يقود إلا إلى الفساد وخراب المجتمع.

وتتكون “الإنترنت” في جوهرها من بروتوكول مشترك يسمح للشبكات المختلفة بتبادل البيانات ونظام عنونة متفق عليه، بحيث يستطيع كل مزود خدمة للإنترنت اتباعه، وبذلك يتمكن كل المستخدمين من الوصول إلى المواقع المطلوبة.

وبحسب رون ديلبيرت، الخبير في شؤون مراقبة الإنترنت وأشكال السيطرة الأخرى عليها في جامعة تورونتو، فإن “أكثر الضوابط المرهقة لن تتمكن من هدم هذا البناء”. ويضيف: “لن يحدث هدم للإنترنت، ما دامت الآليات الأساسية لهذا البناء موجودة فيه”.

والقصد من التصميم الأساسي للإنترنت هو إمكانية استمرار تدفق المعلومات، حتى لو تضررت أو حجبت أجزاء من الشبكة. وقد عبر عن ذلك أحد الرواد الأوائل في الإنترنت، وهو جون جيلمور بقوله “الإنترنت تفسر المراقبة على أنها تعطيل، وبالتالي تدور حولها لتتجاوزها”.


هيمنة أميركية


ومع هذا ما زال من الممكن أن يتعرض الاتفاق العالمي، الذي سمح لهذا الترتيب الرخو بالانتعاش، لأخطار مهمة من نواحٍ عديدة.

لدى الولايات المتحدة في النهاية السيطرة المطلقة على منظمة تسمية الإنترنت، وهو الترتيب الذي يعطيها السلطة، ولو من الناحية النظرية، على “حجب” الإنترنت عن بلدان بأكملها. ومع ذلك سعت واشنطن إلى تهدئة صيحات الاحتجاج التي تصاعدت في أرجاء العالم والتي حدثت بعد تسريبات عمليات التجسس الأميركية على الإنترنت التي قام بها عميل المخابرات السابق، إدوارد سنودِن، وذلك بتسليم وظيفة تسمية الإنترنت إلى منظمة دولية جديدة تعمل خارج سيطرة الحكومات.

لكن من غير الواضح ما إذا كان العالم سيقبل بهذا الحل. ولا تزال الكثير من البلدان -بعضها من البلدان التي كان يغلب عليها أن تقف إلى جانب الولايات المتحدة في مثل هذه القضايا- تجادل بأن هناك حاجة إلى المزيد من المراقبة الحكومية.

وكتبت أكسيل لومير، الوزيرة المسؤولة عن الاقتصاد الرقمي في فرنسا، أخيرا رسالة موجهة إلى رئيس المفوضية الأوروبية الذي غادرها أخيرا، خوزيه مانويل باروسو، تحثه فيها على فرض المزيد من السيطرة على منظمة أيكان، وهي الهيئة التي يعهد إليها في النهاية بمراقبة عنونة بروتوكولات الإنترنت.

وقالت أكسيل إن هذه القضية أصبحت “مؤشرا على المشاكل التي تهم الحوكمة العالمية للإنترنت والمقاربات المختلفة التي يتبعها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في هذا الشأن”.

لا حريات مع السياسة القمعية للنظام الإيراني

ومن المتوقع عرض هذه الخلافات والصدوع في اجتماعات اتحاد الاتصالات الدولي التابع للأمم المتحدة، الذي بذل جهودا من قبل لتولي مزيد من السيطرة على الإنترنت. ويقول مايرشونبيرجر، منبها بأنه في حال نجاح الاتحاد في مساعيه، فسيؤدي ذلك إلى “مجموعة من القوانين المتجانسة” حول الطريقة التي تعمل بها شبكة – الشبكات في الإنترنت.

وعلى الرغم من احتمال أن هذه الجدالات حول من يستطيع السيطرة على الإنترنت يمكن أن تبدو عصية على فهم غير المختصين، إلا أن الخبرة الحقيقية تدلنا على أن ثلاثة مليار شخص من الذين يستخدمون الإنترنت يجري الآن تشكيلهم على نحو جديد.


ماذا يحدث الآن؟


غالبا ما تجادل الشركات التي تستفيد من العالم الافتراضي غير المحدود بأن أي شيء يحد من عمل الإنترنت سيعتبر تراجعا عن المثل والأسس التي قامت عليها الإنترنت. ويقول موروزوف إن الشركات لديها عادة مماهاة مصالحها الخاصة بالإنترنت الواسعة.

ومع ذلك، حتى من يسلِّم بأن معرفة الناس في كل أنحاء العالم بالإنترنت ستصبح حتما أكثر تميزا، إلا أنهم يعترفون بوجود خطر من توقف الابتكارات في مجال الإنترنت. ويقول بات جيلسينجر، الرئيس التنفيذي لشركة التكنولوجيا الأميركية “في إم وير”، إن توفر منصة (كمبيوتر) مشتركة وقابلة للدخول إليها في أي مكان جعل من السهل على الشركات الناشئة العثور على سوق عالمية فورية.

ويضيف: “يمكنك أن تكوّن فريقا من المهندسين الذين يعملون في منطقة منعزلة من الهند وتكون لديك سوق عالمية. لكن ذلك الجمال الرائع بدأ يتفكك”.

ويقع على رأس قائمة الأنظمة التي يمكن أن تهدد الشركات الجديدة مباشرة تلك التي تؤدي إلى التحكم بالمكان الذي توجد فيه البيانات.

ربما كانت روسيا هي أول دولة تسن قانونا يلزم بإبقاء المعلومات الشخصية داخل البلاد، لكن هناك كثير من البلدان التي توجد فيها قوانين يمنع بموجبها تغطية أنواع محددة من المعلومات، مثل الرعاية الصحية أو التفاصيل المالية.

مهما استشرت سياسة الحجب فسيل المعلومات لا يمكن السيطرة عليه

ويدعي التنفيذيون في الإنترنت أن توسيع القوانين لتشمل مواقع البيانات لن تكون فعالة في النهاية. ويقول شيمدت “هذا من الناحية الفنية يعتبر خطأ لا غير".

ويشير إلى أن حجز البيانات محليا لن يتمكن من منع وكالة الأمن القومي من التجسس، والجواب الوحيد على هذه المعضلة هو تشفير البيانات، بحيث لا يمكن لعين غير مسموح لها بأن تقرأها، مهما كان مكان هذه البيانات.


فرص نجاح الرقابة


توجد أسئلة حول ما إذا كانت الرقابة على الإنترنت قادرة على أن تكون فعالة حقا، ما لم يكن القائمون على الرقابة قادرين على تطوير مانعات تكنولوجية دائمة ويملكون سيطرة سياسية من النوع الذي تملكه دولة مثل الصين.

يقول ميلتون مويلر، الخبير في سياسات الإنترنت في جامعة سيراكيوز، إن القوى الاقتصادية التي تدفع الشركات للبقاء جزءا من عالم الإنترنت هائلة جدا، وقيمة الاتصال مع العالم هائلة جدا لدرجة أنه لا يمكن لأحد – باستثناء كوريا الشمالية – أن يقطع نفسه كليا عن الإنترنت.

وبالنسبة لكثير من البلدان أصبحت الضغوط الاجتماعية والديمقراطية قوية لدرجة لا يمكن مقاومتها.

من الناحية الرسمية، إيران تبذل جهودا لكي تقوم، بعد 18 شهرا من الآن، بإطلاق “إنترنت نظيفة” يمكنها تقديم وجهة نظر مفلترة عن هذا الوسط العالمي.

لكن يعتقد كثير من المحللين أن هذا الإطلاق لن يكون ممكنا بالنظر لوجود أعداد كبيرة من الشباب المتعلم – 70 في المئة من السكان تحت سن 35 وكثير منهم يحملون شهادات جامعية – من الذين أصبحوا يعتبرون أن “الإنترنت” نافذة مهمة على العالم وطريقة لمقاومة القوانين الصارمة التي تحكم التفاعل الاجتماعي في الحياة اليومية للناس.

وكان نطاق هذه التوقعات واضحا في الشهر الماضي حين أصدر ناصر مكارم شيرازي فتوى أدان فيها الوصول إلى الإنترنت السريع باعتبــاره مخالفا للإسلام. وحذر المرشد الديني في مدينــة قــم من أخطــار “الوصول السهل الذي يحصل عليه الشباب إلى الكتب ومقاطع الفيديو والصور الملوثة، التي تخالف الأخلاق وتعاليم الإسلام”.

لكن حين استجلبت رسالته موجة من الغضب على الشبكات الاجتماعية، لم يؤيد حجته حتى المتشددون في القضاء والبرلمان والحرس الثوري. وفي النهاية تراجع شيرازي وأصر على أن تعليقاته فسرت بشكل خاطئ.

أما حسن روحاني، الرئيس الإيراني الوسطي –وهو مستخدم لتويتر أخفق في تحقيق وعوده بتخفيف الرقابة على الشبكات الاجتماعية– فقد تدخل في النقاش وعرض آراءه بخصوص الإنترنت السريع.

وقال “لا يليق بكرامة أمتنا أن يضطر الشخص للانتظار بضع ساعات للحصول على المعلومات. أحيانا يستغرق الشخص في النوم أثناء استخدام الإنترنت”.

في عالم يزداد مشاكسة باستمرار، هناك تراجع في الأحلام التي تتمنى وجود وسط بلا حدود قادر على ربط البشرية بطريقة سلسلة لينة. لكن لا يزال من السابق لأوانه تماما أن نعلن عن انتهاء عصر الإنترنت المفتوح.

18