امتحان العلمانية التركية يبدأ من "بيوت الجمع"

فوضى تعيشها مؤسسات الدولة في تركيا مثل رئاسة الشؤون الدينية ومدارس الأئمة والخطباء وكليات اللاهوت وبيوت الجمع نتيجة اختلاف المواقف حول فك ارتباط الدولة بدور العبادة.
الجمعة 2020/01/31
فك الارتباط بين الدولة ودور العبادة

النقاش الذي استعر مؤخرا في تركيا حول قضية “بيوت الجمع”، وما أفرزه من اختلاف في المواقف بين بلديتي أزمير وإسطنبول حول اعتبار “بيوت الجمع” دور عبادة رسمية من عدمها، هو في الحقيقة أعمق من مجرد اختلاف بين بلديتين، بل يعكس مشكلة بنيوية في النظر الرسمي التركي، للعلمانية ودور العبادة ودور الدولة.

أريد أن أبدأ مقالي بمناقشة مسألة منح صفة رسمية لدور العبادة، وخاصة في ما يتعلق ببيوت الجمع (غرف كبيرة يؤدّي فيها الأتراك العلويون والطريقة البكتاشية عبادتهم بدلاً من المساجد) بالمقولة التركية القديمة “عندما يُزرَّر الزرّ العلوي في الثوب بشكل خاطئ، فلا تتوقع أن تستقيم الأمور أدناه”.

لا شكّ أن الرئيس رجب طيب أردوغان وعشيرته سيرحلون في المرحلة المقبلة عن حكم تركيا. قد لا يكون هذا في القريب العاجل، ولكن كافة المعطيات تؤكد أنهم راحلون لا محالة؛ لأنهم عجزوا عن إدارة علاقاتهم بحلفائهم؛ الأمر الذي أرى أنه من الأهمية بمكان بالنسبة للمجتمع والنظام وللغرب أيضا، لذلك سيأتي الوقت الذي يدرك فيه الجميع أن تركيا وأرضها أهم من أن تُترك أسيرة لعقلية أردوغان وبطانته الجامدة.

ومع ذلك، فإن ما نراه اليوم لا يبشّر بوضع أكثر إشراقاً في مرحلة ما بعد أردوغان، لأنه ينقصنا وجود دراسة جادّة لقضايا أساسية للغاية في مجتمعنا، ومن ثمّ لا نتوقع أن يكون هناك تغيير أو برامج تحوُّل في ما يخص هذه القضايا، بعد أن عجزنا عن وضع حلول جذرية لأكثر المشكلات اضطرابا، بعيدة عن وجهة نظر أردوغان الرجعية إزاء هذه القضايا.

ولكن ما هي القضايا الرئيسة التي قصدتها بحديثي هنا؟

يمكنني القول إن الدستور هو أكثر هذه الموضوعات عمومية، ولكن نطاق مصطلح الدستور فضفاض للغاية، لذا أرى أننا بحاجة إلى جعل الموضوع أكثر تحديداً؛ فمن الخطأ أن نضع المشكلة برمّتها بين قوسي “النظام البرلماني- الرئاسي”.

وفي رأيي، إن قضية العلمانية هي أكثر القضايا التي تحتاج إلى نقاش جاد، وتبادل للرؤى بشأنها، فهي، في حقيقة الأمر، قضية مشوشة للغاية، كما أن هناك تشابهاً واضحاً للغاية بين آراء أشخاص يعتبرون أنفسهم أصحاب توجّهات مختلفة في المجتمع التركي. هذا التشابه، في حد ذاته، لا يتفق مع أهم مبادئ العلمانية.

لا يمكن اختزال العلمانية في تعريف، أو النظر إليها باعتبارها مجرد مبدأ أساسي ورد ذكره في الدستور فحسب، لأننا إذا لم نناقش العلمانية باعتبارها أحد المبادئ الأساسية، التي تنظم عمل مؤسسات الدولة كلها، فحينئذٍ لن يكون لعلمانية الدولة في تركيا أي معنى. وأعتقد أن الفوضى، التي نراها اليوم في عدد من مؤسسات الدولة مثل رئاسة الشؤون الدينية ومدارس الأئمة والخطباء وكليات اللاهوت (الإلهيات) وبيوت الجمع الخاصة بالعلويين، خير دليل على ذلك.

أعتقد أنه يتعيّن علينا إلى جانب قضية العلمانية، أن نناقش بشكل مفصّل، قضايا أخرى مهمة أيضاً مثل التعليم والقضاء ومفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والعلاقات المدنية العسكرية.. إلخ.

ومع هذا فأنا أريد أن أكتفي، في هذا المقال، بمناقشة موضوع الفوضى الخاصة ببيوت الجمع في تركيا؛ لأبيّن كيف أننا نُزرِّر الأزرار بشكل خاطئ، في ما يخص هذه المسألة.

لقد وافق قبل أيام، مجلس بلدية إزمير، الذي يتمتع بأغلبية من حزب الشعب الجمهوري، في اجتماع له لمناقشة خطط الإعمار الخاصة بالمدينة، على اعتبار “بيوت الجمع” دور عبادة رسمية.

وبالتزامن مع ذلك، طُرِح الموضوع نفسه على جدول اجتماع مجلس بلدية إسطنبول، لكن القرار جاء مختلفاً هذه المرة، لأن الأعضاء التابعين لحزب الشعب الجمهوري لا يشكلون أغلبية مجلس البلدية، وبالتالي جاءت النتيجة في صالح الأعضاء الموالين لتحالف “الشعب”، الذين رفضوا اعتبار “بيوت الجمع” ضمن دور العبادة الرسمية في المدينة.

وقد قصدتُ من قولي “فوضى بيوت الجمع” أن أشير إلى هذه الصورة الهزلية التي عرضتها للتو. أيّ قناعة تلك التي جعلت هؤلاء الأعضاء يتبنّون جميعاً وجهة نظر مغايرة بنسبة 180 درجة، خلال مناقشة هذا الموضوع؟

يجب على الدولة أن تتقبّل آراء المعارضين لعلمانية الدولة طالما لم يقوموا بتحريض على الكراهية أو العنف
يجب على الدولة أن تتقبّل آراء المعارضين لعلمانية الدولة طالما لم يقوموا بتحريض على الكراهية أو العنف

علَّمتني تجاربي السابقة في تركيا أنه عندما يحدث تعارض تام بين فريقين إزاء موضوع بعينه؛ ففي كثير من الأحيان يكون الفريقان مخطئين. وعلى الرغم من هذا، تميل شريحة عريضة من الشعب إلى تبنّي أحد هذين الرأيين المتعارضين، دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء البحث وراء رأي أو طريق ثالث، يبدو أكثر عقلانية وقرباً إلى الصواب من هذين الرأيين.

أما عن رأي كاتب هذه الأسطر إزاء هذا الموضوع، فهو أن مفهوم دور العبادة يجب ألاّ يُختزل في مجرد نقاش حول هل نعتبرها دور عبادة بشكل رسمي أم لا، ولكن يتعيّن علينا في المقابل، النظر إلى دور العبادة في إطار مؤسسي، لأنني عندما أقول “دار عبادة” فإنني لا أقصد “بيوت الجمع” الخاصة بالعلويين فحسب، ولكن ينبغي أن يتسع هذا المفهوم ليشمل جميع دور العبادة، بما فيها المساجد ودور العبادة الخاصة بالأديان الأخرى كذلك. لذلك أرى أنه من غير الصواب النظر إلى الموضوع برمّته من زاوية إضفاء الطابع الرسمي على دور العبادة من عدمه.

يركّز الكثيرون في تركيا في تناولهم لهذا الموضوع على ضرورة إضفاء الطابع الرسمي على “بيوت الجمع” أسوة بالمساجد. وهنا يكمُن الخطأ الرئيس في تناولهم لهذا الموضوع. وأعود لأكرّر إننا بهذا نُزرِّر الأزرار بشكل خاطئ.

يتعيّن علينا بدلاً من أن نطالب بإضفاء صفة الرسمية على “بيوت الجمع”، أن نعارض مسألة منح صفة الرسمية تلك لكافة دور العبادة، وعلى رأسها المساجد.

كان هذا هو هدفي تقريباً من حديثي عن المناقشة الصحيحة لمفهوم العلمانية؛ لأن العلمانية مفهوم يرتبط في الأساس بالدولة. والدولة لا تقف على مسافة متساوية من جميع المعتقدات والمناهج الفلسفية. وأنا لا أحبّ هذا التعبير، بل يجب أن تكون عمياء عنها كلها، ولا يمكن منح أي منها وضعا رسميا، ولا يمكن الإنفاق على أي منها من المال العام.

الدولة العلمانية والمجتمع العلماني وشروط المواطن العلماني كلها تعبيرات غير صحيحة؛ لأن العلمانية أمر يخصّ الدولة وحدها، ولا يمكن أن يُطلق على مؤسسة أخرى. وفي المقابل يمكن للأفراد فقط أن يكونوا مؤيّدين للدولة العلمانية أو ضدها. ويجب على الدولة أن تتقبّل آراء المعارضين لعلمانية الدولة، في إطار حرية التعبير، طالما لم يقوموا بتحريض على الكراهية أو العنف.

وعندما ندرك جيداً أن العلمانية مفهوم يتعلق بالدولة وحدها بشكل مطلق، وأن الدولة غير ملزمة وفق هذا المفهوم، باستخدام الأموال العامة للإنفاق على أي من المؤسسات الدينية، حينها سيختفي جزء مهمّ للغاية من المناقشات التالية الخاصة بهذا الموضوع، والتي لا معنى لها.

ينبغي أيضًا أن تكون المناقشات حول رئاسة الشؤون الدينية ومدارس الأئمة والخطباء الثانوية في الإطار ذاته؛ إذ يتعيّن علينا ألا نقصر نقاشنا على تخصيص أجور للعاملين في بيوت الجمع فحسب، وأن نناقش أيضا المبرر الذي يجعل الدولة تدفع رواتب لموظفي المساجد من المال العام، كما يجب أن تتناول هذه المناقشات مسألة احتواء الجماعات الموجودة في المساجد. وفي رأيي إن هذه الفرضية خاطئة منذ البداية، إذ لا معنى لأن تكون هناك سيطرة، من الأساس، لأي جماعة من الجماعات على دور العبادة. فالدولة القوية حقاً لا يمكن أن تلجأ إلى اتخاذ تدابير وقائية تتنافى مع القانون والحريات، ولكنها في المقابل لا تتردد عن التدخل بفاعلية وحزم شديدين لإنفاذ القانون والقضاء، حال وقوع جريمة أو مخالفة تستوجب العقاب. وهذا يعني أنه في حالة وقوع أحداث لا تتفق مع الدستور والقانون والمعاهدات الدولية في دور العبادة، التي يمكن أن تُترك مسؤولية الإشراف عليها للحي، فحينئذٍ يجب على الدولة أن تتدخل بشكل مباشر ورادع لإنفاذ القانون من خلال الشرطة والمدعي العام والقضاء.

الدولة لا تقف على مسافة متساوية من جميع المعتقدات. يجب أن تكون عمياء عنها كلها ولا يمكن منح أي منها وضعا رسميا

أودّ مناقشة مسألة مدارس الأئمة والخطباء الثانوية في مقال آخر؛ لأنه موضوع ينطوي على كثير من التفاصيل، ولكن دعوني أُذكِّر بأن أيّ دولة علمانية لا يمكنها استخدام المال العام لصالح أيّ مؤسسات تعليمية تقدم تعليماً دينياً خاصاً بأي دين من الأديان. ومع هذا دعونا نتحدث عن حلٍّ وسط، لا يتنافى مع مبادئ علمانية الدولة، ودون إنكار لوجود مطالب لا يستهان بها من جانب شريحة كبيرة في تركيا، لوجود مؤسسات دينية مثل مدارس الأئمة والخطباء في تركيا. فعلى سبيل المثال يمكن للدولة الإنفاق على هذه المدارس من المال العام، في ما يخص المناهج التعليمية العامة فقط، أما في ما يتعلق بالدروس والمناهج الدينية فيمكن للأوقاف الدينية أن تتولى هذا الأمر، تطوعاً منها، شريطة ألاّ تتخلّى الدولة عن دورها الرقابي الديمقراطي الفاعل في الإشراف على هذه المدارس.

إن أول ما يتعيّن علينا القيام به حيال هذه المسألة هو عزل أنفسنا عن الموقف التقليدي ذي الشقين المتبع في مثل هذه المناقشات، واكتشاف الطريق الثالث، الذي قد يكون السبيل الأكثر ديمقراطية وفعالية، كما هو الحال في مناقشة منح الوضع الرسمي لأماكن العبادة.

دعونا لا نتحدث عن إضفاء صفة الرسمية لبيوت الجمع، وأن ندعو في المقابل، إلى رفع صفة الرسمية عن جميع دور العبادة؛ كي نتيح مساحة أكبر من الحرية أمام المجالات الدينية. وأكرر على ألاّ يكون هذا على حساب استغلال المال العام.

أما في ما يتعلق بموضوع رئاسة الشؤون الدينية في تركيا، فأنا أرى، بعيداً عن السخافات التي يصرح بها رؤساء مؤسسة رئاسة الشؤون الدينية، أن هناك أوجه شبه مذهلة بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري، في ما يخص الهيكل المؤسسي لهذه المؤسسة.

ويظهر هذا التشابه جليّا في موضوع تبعية مدارس الأئمة والخطباء؛ لأن الهيكل المؤسسي، وليس موضوع التمويل، هو الذي يستحوذ على الجانب الأكبر من اهتمام حزب الشعب الجمهوري؛ لذلك نراه يركز اهتمامه على جانب واحد فقط هو مراقبة اتجاه الدولة لزيادة تعيين خرّيجي مدارس الأئمة والخطباء في المناصب العامة.

13