امتحان عسير واختيار خطير

الخميس 2014/10/23

كلّ إناء بما فيه يرشح. تنطبق هذه المقولة عليّ، أنا كاتب هذه الأسطر، أتمّ الانطباق. لأني، كالكثيرين من أبناء جيلي الذين تربّوا وترعرعوا وتتلمذوا فتعلموا وطنيّا في مدارس الدكتور الحبيب ثامر وعلي الزليطني وحسونة الزوالي وأمثالهم، وأعجبوا، فتأثروا، فحاولوا محاكاة فرحات حشاد وإبراهيم عبدالله والمختار بن عطيّة، في إخلاصهم وتفانيهم وتعقّلهم وتسبيقهم المصلحة العامة على الخاصّة وبذل كلّ الجهود في جمع الشمل وضمّ الصّفوف وتوحيد الكلمة، فكان النّصر الأوّل، ففُتِح الباب أمام الجهاد الثاني، وهو بناء دولة الحق والمساواة والحرّيّة والقانون، كنّا، إذا حكمنا يأتي حكمنا، على أمر أو تصرّف أو موقف له علاقة بالوطن والوطنيّة، مكيّفا بالمنظار الذي ننظر من خلاله، وهو لا شيء يعلى على الدّين والوطن.

بتلك الرّوح التي أسمّيها “ثامريّة”، واجهت مستبشرا، انتفاضة الشعب الأخيرة، فرحا مؤمّلا، كما أمّل الكثيرون والكثيرات، مستقبلا زاهرا للوطن ومواطنيه تسوده القيم السامية ورفاهية الجميع بقدر ما تسمح به ثروة البلاد، وثمرة عمل العباد. كان أملي ويقيني أساسهما ثقتي الكبيرة في إخواني أبناء تونس، ثقة كانت مبنيّة على ما عرفته في ماضي مسيرتنا الوطنية، بخيرها وشرّها، بنجاحها وفشلها، غير ناس أنّ كلّ عمل بشري معرّض للصّواب والخطأ. بلغت بي الثقة وأعماني الأمل، حتى أنّي كتبت وحاضرت مفتخرا معجبا متباهيا، فبلغ بي الهوى إلى التبجّح بوضع تقديرات تحدّد أزمنة المراحل، منبّها ومحذّرا من الوقوع في أخطاء السّابقين من الخارجين من الحكم التعسّفي إلى الديمقراطية، كتفصيل عباءة القانون الإنتخابي على مقاس حزبين يبرزان فيسيطران فتكون “دكتاتوريّة الأحزاب” كما أسمّيها.

لكنّي أخطأت فأذنبت، ومن اعترف بذنبه لا إثم عليه. أخطأت لأني نظرت إلى الأمور، وإلى الشعب ومكوّناته، وإلى الثقافة العامة المهيمنة، بمنظار قديم، كان مستعملا وصالحا قبل ما يزيد عن نصف قرن، فنسيت أو أهملت عوامل شاعت فكادت تعمّ منها الانتهازيّة والأنانية والانفراديّة والطمع، وما هو أمرّ وأكثر ضررا وخطورة، التبعيّة، وفسح المجال للغير، للدّخيل الخارجي، الذي لا يعمل إلا لفائدته القريبة وبعيدة المدى. كلّ! هذا يعلمه الخاصّ والعام، ولا جواب عليه الآن إلاّ بقول: ليس بالإمكان، إلاّ ما كان. لكن بقي طرح هذا السّؤال: والآن؟ هل بالإمكان أحسن ممّا كان؟ الجواب يأتي بعد أقلّ من أسبوع.

ستقف تونس، بعد أيّام لتجابه أهمّ اختبار في تاريخها المعاصر، ستكون بعده أو لا تكون. سيواجه الشعب انتخابات، قيل إنها مصيريّة، وهي فعلا كذلك، لأنّ ما ستسفر عنه ستقام عليه الدولة الجديدة، فإمّا الفلاح وإمّا الطّلاح. فإمّا انتصار العقل والوطنية، فتشرع البلاد في وضع خطط ومناهج نموّها وتطوّرها وسيرها في السبيل السويّ، سبيل الرّقيّ فتتقدّم عساها تلحق ولو بمؤخرة الرّكب العالمي سريع الخطى، أو تغلّب الشخصنة والأنانيّة وهيمنة المادّة وأطماعها، فتنحدر البلاد إلى أعماق هوة الخلافات والتناحر والبغضاء، فيرتع الإرهاب، ويصول الدّخيل، وما يتبع ذلك فهو خطب عظيم. هنا، يقف المشاهد متسائلا هل في المشهد ما يبعث على الأمل؟ سأجيب بمثل شائع بين أبناء جنوبنا سكان الواحات، سبق لي ذكره في مقال آخر وهو: “كان صبّت اندبي، وكان سحت اندبي”. معناه حسب ما نحن بصدده، لا فرق في سوء العاقبة بين الإقبال على الانتخابات أو مقاطعتها.

لقد فهم الشعب هذا فامتنع عن التسجيل للانتخابات، لكنّه، كما لو شعر بالأخطار والعواقب، راجع نفسه وأخذ في الإقبال عن مضض، لأنّ حماسه فتر وأمله خاب وطموحه انحسر أمام ما شهده ولمسه طوال ثلاثة أعوام، من هيمنة العاطفة وغياب العقل بين الذين تقدّموا لتحمّل المسؤوليات وطغيان التحزب والمذهبية وتقديم المصالح الخاصة والحزبية على مصالح الوطن والشعب. فالناخب يحار، أمام عدد القائمات والمرشحين الهائل المخجل، وهو إن قبل بعدم معرفة المرشحين فلا يقبل جهل برامجهم التي لم يعرضوها، إن هي وجدت جاهزة مدروسة، ولا يقبل جهل طرقهم ومناهجهم في الحكم إن كان الفوز حليفهم.

لزم الآن على الأطراف المتنافسة ترك التحزب والتعصب، وأن يحاكوا من سبقهم في مثل هذه الرهانات، فيسبّقون الأهمّ على المهم، ويصارحون الشعب وناخبيه بنواياهم قبل برامجهم، وبطرقهم وأساليبهم قبل وعودهم التي إلى الآن لم تختلف، في جوهرها ومحتواها، بين مرشح وآخر أو حزب وآخر. فالكلمات الرنّانة: تونس والوطن والديمقراطية والحرية وأخرى كثيرة، قد أفرغت من مفاهيمها، ولم يعد لها معنى في أفواه الناشطين، كي لا أقول الرّاقصين، على ركح المسرح السياسي التونسي. يجب على المرشحين وأنصارهم أن يعيروا الحدث وزمانه وظروفه كلّ اهتمام وتقييم، وأن يزنوه بمعيار العقل والتعقل، والصراحة والإخلاص، للوطن لا للحزب، وأن يضعوا في حساباتهم التاريخ وحكمه عليهم أو لهم، لأن في نجاحهم وتوفيقهم، نجاح تونس وتوفيقها ومن ثمّ انطلاقها وسيرها نحو مستقبل أفضل. لكن، وبكلّ صراحة وإخلاص، ثقة الشعب التي منحت في الأوّل، وحماسه الذي أذهل فنال إعجاب الملاحظين، وآماله العريضة في تحوّل وانعتاق نحو ما يصبو إليه من حرّيّة وحقوق ووفاق وعمل وبناء، قد ضاع وفقد، نتيجة سوء تصرّف الظاهرين في الصّورة. فهل سيعتبر هؤلاء ويسيرون في السبيل السويّ، حتى نضع عجلات المركبة الوطنية على سكة النجاح والتقدم، وبعدها على قدر أهل العزم تأتي العزائم. بقي لي أن أقول لجميع المرشحين والراغبين ها قد فتح لكم الشعب والدستور والظرف باب الاجتهاد والإخلاص وأداء الأمانة والواجب، فهل أنتم والجوه؟ فعلى عواتقكم مسؤولية خطيرة فهل أنتم لها فاهمون؟ وهل أنتم بها مضطلعون؟ أم أنكم بالمصالح الفردية والحزبية معتصمون؟

لقد برهن لكم المجتمع المدني إبّان تحرير الدّستور ما يريده ويطمح إليه، ففرض سلميا، لكن بشجاعة وإصرار، رغباته ومطالبه حتى استجيب لها، فاحذروه لأن غضب الشعب من غضب الله ورضاه من رضا الله.

7