امتلاك أذرع إعلامية خارجية ضرورة حتمية لمصر

مع كل هجمة إعلامية خارجية على مصر، يفشل الإعلام المصري، الحكومي والخاص، في الدفاع عن السياسة العامة للدولة، لانتهاجه أسلوبا يعتمد على التجريح دون إظهار الحقائق التي غابت عن الرأي العام الخارجي.
الاثنين 2016/11/28
العداء مع "الجزيرة" قديم ومزمن

القاهرة - أعاد برومو الفيلم الذي بثته قناة الجزيرة القطرية، مساء الأحد، الحديث مجددا عن فشل وسائل الإعلام المصرية في أن تكون سندا قويا للدولة بمختلف مؤسساتها في الخارج، إذا تعرضت لهجوم إعلامي قائم على أجندات وخلفيات سياسية.

واكتفت غالبية وسائل الإعلام، بالرد على برومو فيلم الجزيرة الذي تحدث عن “السُخرة” في التجنيد، بشن حملات تحريضية لاذعة ضد دولة قطر وحكومتها، دون التطرق إلى الرد على الفيلم بحقائق ووقائع تفند مزاعم “السُخرة” و”التجنيد الإجباري” في الجيش المصري.

وانحصرت ردود الإعلاميين تقريبا، بين التطاول بالسب والقذف لقطر وسياستها الخارجية والسخرية من جيشها، في ما أقدم آخرون على مطالبة النظام المصري بقطع العلاقات مع الدوحة ووقف التعامل معها نهائيا وطرد دبلوماسييها من القاهرة.

وقال عماد الدين السيد، وهو مصري الجنسية، ومخرج الفيلم الوثائقي “العساكر.. حكايات التجنيد الإجباري في مصر”، إنه لم يكن هناك توجه قطري أو خلافه للإساءة إلى الجيش المصري.

وأضاف أن الفيلم الوثائقي “يخدم الجيش وحريص على مصلحته ومصالح جنوده وتغيير أوضاعهم إلى الأحسن”، متمنيا أن يكون جيش بلاده “أفضل جيوش العالم”، رافضا ما يحدث في سيناء ضد الجنود من عمليات إرهابية.

وأوضح المخرج السيد أن “الفيلم لا يرفض التجنيد الإجباري، لكن يتحدث عن قصص متواترة ومعروفة لدى الشعب، عن عقوبات يواجهها المجندون في الجيش مثل التكدير والفرق بين مطعم الضباط والعساكر”.

وقدم المحامي المصري، طارق محمود، بلاغا إلى نيابة الإسكندرية (شمال القاهرة)، الأحد، اتهم فيه عمادالدين السيد، مخرج الفيلم وياسر أبوهلالة المدير التنفيذي لقناه الجزيرة بالإساءة إلى المؤسسة العسكرية المصرية ونشر أخبار كاذبة وملفقة.

ولم يختلف التعامل الإعلامي لفيديو قناة الجزيرة عن الجيش المصري، كثيرا عن ذلك التعامل مع مختلف وقائع الهجمات الإعلامية التي لم تتوقف على النظام المصري منذ ثورة 30 يونيو 2013 والإطاحة بحكم جماعة الإخوان، وكثيرا ما تكون طريقة الرد واحدة، إما بالتطاول وإما بالتحريض على الدولة التي تحتضن الوسيلة الإعلامية التي هاجمت النظام.

عادل عبدالغفار: لا يمكن الاعتماد على الإعلام بشكله الحالي لأنه يخاطب الداخل فقط

ويرى بعض المراقبين للمشهد الإعلامي، أنه لم يعد أمام الحكومة المصرية بديل لتسويق سياساتها الخارجية بالشكل الذي يرضيها، سوى امتلاك أذرع إعلامية مهنية من خلال محطة إخبارية، أو مؤسسة إعلامية قوية تضاهي كبريات المؤسسات الإعلامية على غرار ما قامت به الكثير من الدول على المستوى العربي والأوروبي، مهمتها التحدث بلسان الدولة المصرية، وتكون حائط صد أمام الهجمات الإعلامية الخارجية، وتقدم برامجها بصورة احترافية.

وذهب بعض الخبراء إلى أن وضعية الإعلام المصري حاليا لا تسمح له بالقيام بهذا الدور، لا سيما أنه اعتاد مخاطبة الرأي العام المحلي، بعيدا عن توجيه الدفة للمجتمع الخارجي، عبر تناول قضايا هامشية وموضوعات ليست ذات أهمية للرأي العام الخارجي، فضلا عن تراجع الإمكانات البشرية والمادية لمواكبة كبرى وسائل الإعلام الخارجية.

وشهد قطاع الإعلام في مصر العديد من الصفقات وعمليات الاستحواذ على صحف ومحطات فضائية من جانب رجال أعمال كبار لديهم علاقات ومصالح مع أجهزة الدولة، غير أن هذه الصفقات والكيانات لم تتضمن تدشين شبكة إعلامية تتبنى سياسة الدولة والدفاع عنها في الخارج.

ويرى عادل عبدالغفار، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إن السياسة الخارجية المصرية مهما كانت قوية وفاعلة في المنطقة، فإنها لن تقوى وتكون مؤثرة بعيدا عن ذراع إعلامية على المستوى الدولي، ولا يمكن الاعتماد على الإعلام بشكله الحالي للقيام بهذا الدور لأنه يخاطب الداخل فقط.

وأضاف لـ”العرب”، “على الحكومة أن تتبنى هذا التوجه بعيدا عن الاعتماد على رجال الأعمال، من مالكي الصحف والمحطات الفضائية، لأن تسويق السياسة الخارجية لمصر مسؤولية الحكومة ولا يمكن أن تقوده مجموعة من المستثمرين لهم مصالح مع الدولة حتى لا تبقى هذه السياسة في يد أحد”.

غير أن ثمة معوقات قد تقف حائلا أمام تطبيق فكرة إنشاء ظهير إعلامي خارجي للدولة المصرية، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها حاليا، خاصة أن محطة إخبارية بحجم الجزيرة، تحتاج إلى إمكانيات مالية وفنية وبشرية ضخمة، وعدد من المراسلين المحترفين في مختلف دول العالم.

ويعتبر عادل عبدالغفار، أن تأخير هذه الخطوة حتى مع وجود عقبات لن يكون في صالح الإعلام المصري، لأن التحديات كبيرة، والعقبات تتزايد.

ويرى متابعون أنه يجب أن يكون الظهير الإعلامي الخارجي بعيدا عن تطوير التلفزيون الحكومي للقيام بهذا الدور، لأنه يعاني من الترهل الإداري والتراجع المهني ونقص الإمكانيات، كما أن تكلفة إنشاء محطة فضائية تخاطب الخارج، قد تكون أقل تكلفة من إعادة هيكلة تلفزيون الدولة.

وأكد علاء ثابت، وهو رئيس تحرير صحيفة الأهرام المسائي (الحكومية)، وعضو مجلس نقابة الصحافيين، أن قناة الجزيرة لا تملكها الحكومة القطرية نظريا، ولا يستطيع أحد أن يثبت أنها تعمل بتوجيهات حكومتها، وبالتالي فإن إنشاء ظهير إعلامي خارجي لمصر يجب أن يكون من خلال رجال الأعمال وليس تابعا للحكومة، حتى لا تتهم أي جهة النظام المصري بالوقوف وراءه.

وأشار لـ”العرب” إلى أنه يمكن التغلب على المعوقات التي تواجه هذا الظهير الإعلامي، سواء المرتبطة بنقص الإمكانيات المادية أو الفنية، بأن يتوحد مجموعة من رجال الأعمال المعنيين بالاستثمار في مجال الإعلام للإنفاق على المحطة الفضائية، شريطة أن يكون ذلك بعيدا عن الدولة، وأن يتم توجيه جملة من الصفقات الإعلامية لتكوين أذرع إعلامية تخاطب الخارج، بعيدا عن سياسة الصراخ والفوضى التي تضرب الإعلام المصري المحلي.

18