امتلاك الأراضي الزراعية في زمن الندرة: السيطرة على المستقبل

تؤكد العديد من المنظمات الدولية المهتمة بموضوع التنمية الزراعية والمياه، أن نسبة كبيرة من الأراضي في دول أفريقية ليست تحت سيطرة حكومات دولها، بل هي ملك لدول وحكومات أخرى تستغلها لتأمين المواد والمنتوجات. وقد يظهر الأمر عاديا ولا يتجاوز مسألة التعاون بين الدول، لكن ما تخفيه التفاصيل هو أن استئجار أو شراء تلك الأراضي لا يكون سوى بالدولار الرمزي، وله خلفية استنزافية ومن المستحسن أن يكون قريبا من المياه لأن ندرتها أصبحت إشكالا عالميا اليوم.
الجمعة 2016/09/30
كانت ملكا لأبي

روما – صدر مؤخرا عن المنظمة الدولية لقانون التنمية، وهي منظمة دولية غير حكومية، تقرير يهتم برصد نسب الاستثمارات في الأراضي الأفريقية وكيفية استئجار أو شراء الأراضي من البعض من الدول في القارة السمراء، والتي أصبحت تمثل إشكالا متعدد الأوجه فيه ما يتعلق بصلاحية تلك الأراضي والأموال المدفوعة ومسألة السيادة والأمن الغذائي العالمي وغيرها.

وقد أكد التقرير أن معظم المعاملات المتعلقة باستثمار الأراضي الزراعية عام 2009، جرت بأفريقيا، حيث تغيّرت ملكية 39.7 مليون هكتار من الأراضي، أي ما يفوق مساحة الأراضي المزروعة في كل من بلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وهولندا وسويسرا مجتمعة.

وأوضح فريد بيرس الصحافي البريطاني المتخصص في القضايا البيئية والزراعية، في كتابه “المحتكرون للأراضي للزراعية” أنه “من بين جميع الأراضي الزراعية حول العالم، لا توجد أراض في المتناول أكثر من السافانا الغينية”، مشيرا إلى أن “مساحة شاسعة من المراعي تمتد على 25 بلدا أفريقيا، بين الغابة والصحراء” تقدر وفق البنك الدولي بـ600 مليون هكتار، ما يؤهلها لتكون آخر أكبر احتياطي من الأراضي غير المستغلة في العالم حسب خبراء.

المستثمرون يستهدفون أضعف البلدان لشراء الأراضي الرخيصة والتي لا يتجاوز استئجار الهكتار الواحد فيها دولارا فقط

لقمة سائغة

تأتي إثيوبيا على رأس دول أفريقيا الأكثر بيعا وتأجيرا لأراضيها تليها دولة السودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والكاميرون، وغينيا، وزامبيا، وكينيا، وتنزانيا، وموزمبيق. ووفق منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة “الفاو” فإن هناك 115 مليون فدان في عشر دول هي إثيوبيا، غانا، مدغشقر، مالي، السودان، كينيا، تنزانيا، مالاوي، زامبيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، تم الاستثمار فيها على نحو غير مسبوق، وتأتي الشركات الصينية في الصدارة في زراعة الجاتروفا والذرة وأنواع الوقود الحيوي الأخرى في بلدان مثل مدغشقر وموزمبيق وتنزانيا.

وإن كانت الصين هي الأكثر نشاطا في الاستثمار الزراعي اعتبارا من عام 2013، إذ قفزت الاستثمارات الصينية المباشرة في الزراعة في أفريقيا من 30 مليون دولار في 2009 إلى 84 مليون دولار في عام 2012، فإن عقود استئجار الأراضي لا تزال من قبل الصين في زيادة مستمرة. وفي الآونة الأخيرة، يجري تنفيذ المشروع الأكبر والأكثر إثارة للجدل من قبل شركة “وانباوو أفريكان للتنمية”، وهي شركة صينية خاصة حصلت على امتياز 20 ألف هكتار من الأراضي الزراعية اعتبارا من عام 2014.

وأفاد تقرير بحثي نشره معهد أوكلاند الأميركي أن الآلاف من الإثيوبيين يتم ترحيلهم من أماكن إقامتهم إلى أماكن جديدة، أو أنهم فروا بالفعل إلى الدول المجاورة، بعد أن بيعت أراضيهم لمستثمرين أجانب دون موافقتهم.

ويشير التقرير إلى أن تأجير إثيوبيا 600 ألف هكتار من الأرض الزراعية الممتازة لشركات هندية، قد أدى إلى تهديدات وعمليات قمع واعتقالات وحالات اغتصاب وتدمير للبيئة وسجن للصحافيين والمعارضين السياسيين. ومن المحتمل أن يزداد تدهور الوضع بعد أن بدأت الشركات تسرع من عملياتها، وتدرس الحكومة خططا لتأجير نحو 15 بالمئة من الأرض في بعض المناطق.

ليستر براون: الاستيلاء على الأرض هو جزء لا يتجزأ من صراع القوى العالمية على الأمن الغذائي

ومن جانبها، قالت منظمة أوكسفام (ائتلاف دولي من 13 منظمة تعمل مع نحو ثلاثة آلاف شريك في مئة دولة بهدف إيجاد حلول دائمة للفقر في العالم)، إن المستثمرين كانوا يستهدفون عمدا أضعف البلدان حكما لشراء الأراضي الرخيصة فيها والتي لا يتجاوز استئجار الهكتار الواحد فيها دولارا فقط. وأضافت أن الدول الـ23 الأقل تقدما في العالم تشكل أكثر من نصف الصفقات المسجلة المبرمة بين عام 2000 و2011. ويُعتقد أن الصفقات التي تشمل نحو 200 مليون هكتار من الأراضي قد تم التفاوض عليها، معظمها لصالح المضاربين وغالبا على حساب المجتمعات المحلية، في السنوات القليلة الماضية.

حسابات الأمن الغذائي

يشير خبير البيئة الأميركي ليستر براون في كتابه “العالم على حافة الهاوية”، إلى أنه في عام 2009 تلقت دول أوروبية أولى الشحنات من الأرز المنتج على الأرض التي استحوذت عليها في إثيوبيا، في الوقت الذي كان فيه برنامج الأغذية العالمي يقوم بإطعام 5 ملايين إثيوبي. وبالمثل في جمهورية الكونغو الديمقراطية، استحوذت الصين على 7 ملايين هكتار لإنتاج زيت النخيل، ومع ذلك فثمة الملايين من الناس في جمهورية الكونغو الديمقراطية يعتمدون على المساعدات الدولية للأغذية.

ويحذر براون من أن “الاستيلاء على الأرض هو جزء لا يتجزأ من صراع القوى العالمية على الأمن الغذائي”. يقول إن الجغرافيا السياسية هيمنت عليها لعدة قرون مسألة الوصول إلى الأسواق، ولكن في المستقبل ستتم الاستعاضة عنها بالأهمية المتزايدة لتوفير الإمدادات. تقوم البلدان المستوردة للغذاء بتأمين إمداداتها من الغذاء، ويدرك جميعنا أيضا أن البلدان المصدرة يمكنها فرض حظر على التصدير لتلبية احتياجاتها. ففي عام 2007 فرضت كل من روسيا والأرجنتين، وهما دولتان رئيسيتان مصدرتان للحبوب، حظرا على الصادرات مما أثار موجات من الذعر في جميع أنحاء العالم، والتي ربما لعبت دورا كبيرا في تأجيج صفقات الاستحواذ على الأراضي.

لا يمكن طبعا تخيل وضع دولة دون إمدادات غذائية واضحة ومستقرة لتأمين حياة مواطنيها ولمدة كافية، وبهذا المدخل يمكن تفسير الحركية الشديدة التي تميز العلاقة مع دول أفريقيا والبعض من الدول الفقيرة الأخيرة في ما يخص مسألة تسويغ أو شراء الأراضي الزراعية. إذ يشير عدد من المراقبين والمتابعين لتطور التنمية والغذاء في العالم، إلى أن الفترة القادمة سوف تكون فترة أزمة متلازمة بين ندرة المياه والغذاء أيضا باعتبار ارتباطهما مع بعضهما البعض. ومن ناحية أخرى، فإن الحروب التي نشبت في بعض الدول في منطقة الشرق الأوسط ومن بينها سوريا، ساهمت في تراجع إنتاج البعض من المواد الزراعية المطلوبة، والتي تنتجها سوريا في السابق وتمول بها البعض من دول الشرق الأوسط.

للمياه دور أيضا

تأجير وشراء الأراضي كانا يهدفان دوما إلى الحصول على المياه، وقد يكون ذلك مصدرا رئيسيا للصراع في المستقبل في أجزاء كثيرة من أفريقيا، إذ يغذي نهر النيل كلا من السودان وإثيوبيا بالمياه، وقد يؤدي تكثيف الإنتاج في هذه المناطق إلى تحويل وجهة المياه.

المناطق التي فيها موارد مائية مهمة، هي المناطق التي تحظى باهتمام لافت في السنوات الأخيرة وسوف يستمر الاهتمام زمنا طويلا

وتمثل معضلة نهر النيل الذي يربط بين 11 دولة أفريقية من بينها مصر والسودان، أحد مؤشرات الحرب التي لا تزال مكتومة بين القوى العالمية على المياه، حيث تعد الأراضي القريبة من النهر أو الأودية المتفرعة عنه الأكثر طلبا من باقي الأراضي من قبل الدول التي تبحث عن الاستثمار في الأراضي الأفريقية لصالح تمويل قطاعها الغذائي، وذلك للخصائص التي تتميز بها تلك الأراضي من خصوبة.

وتمثل إشكالية ندرة المياه في العالم سببا وجيها في رسم سياسات متشددة للدول كي تضمن بقاءها، وبذلك فإن المناطق التي فيها موارد مائية مهمة، هي المناطق التي تحظى باهتمام لافت في السنوات الأخيرة وسوف يستمر الاهتمام زمنا طويلا، وهذا ما يفسر بقاء دول أفريقيا ترزح تحت العديد من الإشكالات الأهلية والسياسية والتنموية والاقتصادية. فالغرب لا مصلحة له في تطور تلك الدول لأن ذلك سوف يجعل من دول أفريقيا قوية، ولها شروط أكثر وأصعب في توفير فرص الاستثمار في الأراضي أو المياه أو باقي الثروات.

وبالنسبة إلى التفكير في الحلول، فقد اقترح البنك الدولي صياغة مبادئ توجيهية لهذا النوع من الصفقات، ولكنه يفتقد إلى وسيلة لإنفاذها. فالعديد من النشطاء مثل المنظمات غير الحكومية الدولية الخاصة بالحبوب تعمل مع الجماعات في البلدان المتضررة التي تطالب بالمساءلة والشفافية من طرف حكوماتها. وفي السياق يقول الكاتب ليستر براون إنه واكب في مالي كيف تحدّت منظمة التنسيق الوطني للفلاحين الحكومة بشجاعة، ولكن كان من غير الواضح إلى أي مدى حققت النجاح في التحقق من وتيرة استملاك الأراضي.

هذه الظاهرة تعكس بشكل صارخ جدا عجز المزارعين من أصحاب الأراضي الصغيرة في جميع أنحاء العالم، فهم يفتقرون إلى الحق الرسمي في ملكية الأراضي أو الوصول إلى السلطة السياسية في بلدانهم، والتي تمكنهم من ضمان تحقيق هذه الصفقات لمصالحهم، ولكن بدلا من ذلك، يباع مستقبل أطفالهم فوق رؤوسهم.

6