امتلاك تكنولوجيا الفضاء.. ضرورة أمنية للعرب

كان الفضاء دائما وما يزال إحدى رهانات القوة التقنية، بشقيها العسكري والمدني، فضلا عن كشفه لتطور موازين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية الدولية. هذا قبل أن يزداد الأمر به افتنانا بفضل ترويج أساطير الأجسام الغامضة والصحون الطائرة المقترنة بأفلام الخيال العلمي وتعدّد العوالم وإمكانية وجود حياة أخرى والنزول على المريخ والمذنبات والشهب وتوليد الطاقة، مما يبيّن الأهمية الجيوسياسية والجيواستراتيجية للفضاء.
السبت 2015/05/23
سباق تكنولوجيا الفضاء يطرح رهانات العالم العربي على الأقمار الصناعية

أسفر السباق نحو غزو الفضاء، بإعلان الولايات المتحدة الأميركية في عام 1983 “مبادرة الدفاع الاستراتيجي” المعروفة بحرب النجوم، عن تغيير كبير في استراتيجية الردع وتوازن الرعب بين القوى الكبرى، حيث أصبح الفضاء يعجّ بالأقمار الصناعية لتصوير مواقع ومنصات الصواريخ والتقاط الإشارات المغناطيسية الكهربائية المرسلة برا وبحرا، فضلا عن التنصّت على المكالمات والمراقبة المستمرة من مدار ثابت حول الأرض يصل علوّه أحيانا إلى حوالي 36 ألف كلم لرصد أي إطلاق صاروخي باليستي عابر للقارات.

ونظرا إلى أهمية تكنولوجيا الفضاء، أولى مكتب الأمم المتحدة للشؤون الفضائية (UNOOSA) اهتماما كبيرا بالأمن الإنساني والصحة الدولية والتغيير المناخي، حيث تتشابك هذه العناصر بفضل التصوير الفضائي عالي الدقة لتقويم أفضل للوضع ومعلومات دقيقة في حالة انتشار أوبئة وحدوث كوارث بيئية أو رصد تفجيرات نووية باطنية وإطلاق صواريخ باليستية وأقمار صناعية وما إلى ذلك.

عصر الفضاء

تطور تاريخ النشاط الفضائي في الخمسين سنة الأخيرة عبر ثلاث مراحل أساسية هي:

* العصر الفضائي الأول (1957-1989): يمتد منذ أن أطلق الاتحاد السوفييتي مركبة “سبوتنيك 1” بموازاة برنامج أبولو الأميركي الذي خطت معه الإنسانية خطوتها الأولى على سطع القمر في يوم 21 يوليو 1969، والتي حفرت في الأذهان مقولة رائد الفضاء نيل أرمسترونغ الشهيرة: “خطوة صغيرة للإنسان، لكنها خطوة عملاقة للإنسانية”.

ويتبيّن من خلال تلك الفترة سيطرة شبه مطلقة للسوفييت والأميركيين على الفضاء ومنافسة شديدة بينهما، حيث تم إطلاق أول قمر صناعي لتصوير الجانب المظلم من القمر في العام 1966، وتلاه أول دوران على الأرض في أبريل عام 1961. بعد ذلك، استطاعت فرنسا والصين واليابان والهند تباعا، امتلاك القدرة التقنية وإطلاق صورايخها الخاصة وصناعة أقمار صناعية، وفي أقل من 12 عاما، كان التطور هائلا عبر إطلاق أقمار صناعية في مجالات عديدة.
الدول الكبرى تتنافس على استيطان الفضاء واستخدامه لتطوير الاقتصاد العالمي ومجال السياحة الفضائية

* العصر الفضائي الثاني (1990-2015): شهد تعميم تكنولوجيا الفضاء في الأغراض المدنية وإشراك العديد من الدول في تحمل تكاليف الأنشطة الفضائية العملاقة والأخطار المصاحبة. أما على صعيد الصناعات والتطبيقات المنبثقة عن تقنية الفضاء، فعرفت تعاونا وانتشارا كبيرا بين الدول، علاوة على انتشار البث التلفزيوني الفضائي في العالم وخدمة تحديد المواقع الأرضية (GPS)، فيما أصبح الرصد الجوي ومراقبة المناخ يعتمدان اليوم على مجموعة من الأقمار (سبوت في فرنسا ولاندسات في الولايات المتحدة الأميركية والقمر الروسي ميتيور والهندي كالبانا…). بالإضافة إلى تتبع الأعاصير والزوابع للتحذير منها ورصد أعمال الإغاثة وحرائق الغابات وتلوث البحار.

* العصر الفضائي الثالث (2015-2030): تدل كل المؤشرات على أن الصين ستملك محطة فضائية في العام 2020، وتنزل على سطح القمر في العام 2030، فيما ستحتفظ روسيا بقدرات هائلة في مجال تكنولوجيا الفضاء وتظل الولايات المتحدة الأميركية تملك دون غيرها قدرات فائقة في مجال الفضاء، حيث تنفق لوحدها أكثر من ضعف ميزانيات الفضاء الأخرى مجتمعة، وهو ما يتجسّد رمزيا في اكتشاف وكالة ناسا الأميركية في عام 2014 أكثر من 715 كوكبا جديدا خارج النظام الشمسي بفضل مرصد كيبلر، مما يوسع عدد الكواكب الخارجية المثبتة إلى 1700 كوكب إلى حدّ الآن. لكن المتوقع في هذه الفترة على الصعيد الدولي، هو النية في التوجه إلى استيطان الفضاء وتطوير مجال السياحة، فضلا عن استخدام الفضاء لتطوير الاقتصاد العالمي، ثم تطوير تكنولوجيا الاستخدام العسكري والمراقبة والتنصّت.

مشروع إماراتي طموح لسبر أغوار الفضاء

خطوات واعدة للعالم العربي

تستأثر الولايات المتحدة الأميركية بحوالي 50 بالمئة من الأقمار الصناعية، بينما تمتلك روسيا حوالي 10 بالمئة وأوروبا حوالي 5 بالمئة، ثم الصين واليابان حوالي 4 بالمئة، فضلا عن كون الهند والبرازيل والأرجنتين وإسرائيل يمتلكون جماعيا حوالي 4 بالمئة، أما على مستوى الأقمار العسكرية، فنجد أنّ الولايات المتحدة تمتلك حوالي 64 بالمئة وروسيا أكثر من 23 بالمئة، ثم أوروبا بحوالي 6 بالمئة، والصين 4 بالمئة، فيما تقوم الهند والبرازيل بعدة أنشطة معزولة. وفي السنوات الأخيرة بدأت الدول العربية تعمل على خلق مكانة لها في هذا النادي، لكنّ خطاها لا تزال بطيئة حيث أنّ أغلب الأقمار العربية هي صناعة أجنبية ولأغراض تجارية، ومن بين أسباب ذلك؛ الحصار، غير المباشر، الذي يفرضه الغرب على العرب في هذا المجال، حتى يبقى مسيطرا على مناطقه الاستراتيجية العربية، خاصة أنّ بعض التقارير أثبتت أنّ هذه الأقمار تساعد الغرب على التجسّس.

ومع ذلك، تعمل دول عربية على كسر الحصار والاحتكار الغربي لهذا المجال، وتسعى إلى اللحاق ببرنامج الفضاء العالمي، وإنشاء برامج خاصة بها. وتعد مصر من بين الدول العربية الأولى التي أطلقت القمرين الصناعيين “نايل سات 1” في العام 1998 و”نايل سات” في العام 2000، كما تمتاز الإمارات العربية المتحدة بكونها من أول الدول العربية التي دخلت سباق إطلاق الأقمار الصناعية لأغراض تجارية واستثمارية عبر التعاون مع شركة “طاليس”الفرنسية بمبادرة من شراكة بين القوات المسلحة وشركة “مبادلة للتنمية”. وتم بمقتضى هذه المبادرة إطلاق أول قمر صناعي “ياه سات” في العام 2011، ومن المرجح أن يصل عدد أقمارها الصناعية إلى 18 قمرا في موعد أقصاه 2018، كما ستحصل الإمارات على أنظمة أقمار صناعية عالية الأداء تراقب الأرض بموجب عدة عقود أبرمت في العام الجاري أي 2015.

50 بالمئة من الأقمار الصناعية في العالم تستأثر بها الولايات المتحدة الأميركية

وتتميز المملكة العربية السعودية أيضا بدخولها مجال إطلاق الأقمار الصناعية بخطوات ثابتة، حيث أطلقت أول أقمارها عام 2000، ويحمل اسم “سعودي سات- 1”؛ وهو عبارة عن منظومة أقمار تجريبية صغيرة. فضلا عن ذلك، استطاعت المملكة مؤخرا عبر مركز تقنية الأقمار الصناعية تطوير أنظمة الأقمار الصناعية وتطبيقاتها من تصوير فضائي ونقل بيانات. كما قام المركز بتصميم وبناء وإطلاق اثنى عشر قمرا صناعيا حتى العام 2013، أثبتت فعاليتها ونجاعتها، ومنها القمر الصناعي “أوسكار 50” الذي يعد الوحيد المستخدم لتقنية الخلايا الشمسية الكريستالية المتطورة في مجال الاتصالات وكذلك القمر الصناعي “سعودي سات س1” الذي تدخل استعمالاته في نواحي الحياة التجارية والتقنية ومجال الملاحة البحرية والبرية على حد سواء، وبدقة كبيرة ومتطورة.

وينفرد المغرب بإطلاق القمر الصناعي “زرقاء اليمامة” (من صنعه الخاص) منذ العام 2001، وذلك بفضل جهود مستقلة لعلماء ومهندسين فضائيين مغاربة، فضلا عن بعثات تم تكوينها في الخارج. كما أن المغرب هو البلد الوحيد الذي اعترف باستخدام قمره الصناعي في المجال العسكري والاستراتيجي، خاصة مراقبة التراب الوطني وأي بقعة جغرافية في العالم خلال 24 ساعة وتتبع مجريات الأحداث ورصدها باستمرارية، وذلك إلى جانب خدمات مدنية أخرى.

ويمكن رسم ملامح البرامج الفضائية العربية من خلال وكالات الفضاء الوطنية، والتي تمتلكها الآن ست دول عربية فقط، هي: مصر والجزائر والمغرب والسعودية وتونس والإمارات العربية المتحدة. وتقوم وكالات الفضاء العربية بتشغيل أقمار صناعية، لكن لا يزال منتوج العرب في هذا المجال ضعيفا، حيث لا يمتلكون برامج فضاء خاصة بهم؛ ولهذا يرى الباحث نضال قسوم في إعلان الإمارات عن المهمة الفضائية التي ستطلق إلى المريخ مفاجأة مفرحة، إذ كسّر التركيز التقليدي على تكنولوجيا الأقمار الصناعية واتجه، من خلال استكشاف الفضاء، إلى تطوير الخبرات والقدرات الوطنية، كما صرّح بذلك رئيس دولة الإمارات، الشيخ خليفة بن زايد، في البيان الرسمي الذي أعلن فيه عن المبادرة.

وكانت تكسر احتكار الغرب للفضاء من خلال إنشاء وكالة الفضاء الإماراتية، وبدء العمل على مشروع لإرسال أول مسبار عربي وإسلامي لكوكب المريخ بقيادة فريق عمل إماراتي

وكانت الإمارات قد أعلنت العام الماضي عن كسر احتكار الغرب للفضاء من خلال إنشاء وكالة الفضاء الإماراتية، وبدء العمل على مشروع لإرسال أول مسبار عربي وإسلامي لكوكب المريخ بقيادة فريق عمل إماراتي في رحلة استكشافية علمية تصل إلى الكوكب الأحمر خلال السنوات السبع القادمة، وتحديدا في العام 2021.

ولا شكّ في أن مثل هذه المبادرات العربية تشكل خطوات مهمة في الطريق نحو دخول نادي “غزاة الفضاء”، والالتحاق بركب الدول التي تتنافس للحصول على رقعة خاصة بها في الفضاء الخارجي، بعد أن أصبح الأمر جزءا من منظومة الأمن القومي للدول؛ فبرامج الفضاء تلعب دورا هاما في التخطيط المدني ومراقبة الحدود والمناطق النائية والوعرة، ولها مهام عسكرية.

الاستخدام العسكري

تكمن الرهانات العسكرية والأمنية المتعلقة بالفضاء حول حماية أقمار الاتصالات والإبحار العسكري والمدني في حالات النزاع أو في مواجهة خطر الإرهاب، حيث تنحصر المهمة في محاولة تدميرها أو تحييدها عبر أشعة الليزر أو عبر طاقة كهرومغناطيسية ذوات قدرة عالية. فضلا، عن حمايتها من تشويش الروابط الصاعدة أو الهابطة بين القمر الصناعي والأرض، حيث يعتبر هذا الخطر كبيرا لسهولة القيام به، خاصة أن محاولات التحكم في الأقمار الصناعية ممكنة وتغيير مسار خدمتها عبر دول معادية أو تنظيمات إرهابية، لا يمكن الاستهانة به.

ويتم حاليا تطوير مولّدات موجات كهرومغناطيسية فائقة لتعطيل أجهزة إلكترونية، تم استعمالها مثلا من طرف الولايات المتحدة خلال غزوها للعراق. وتمتلك روسيا والصين وكوريا الشمالية برامج متقدمة في هذا المجال، بينما تحتفظ فرنسا وألمانيا وبريطانيا بسرية مطلقة لبرنامجها المضاد للصواريخ (ASAT) الموجهة بالطاقة فائقة القوة.

لقد انتقل العالم، في ظرف 58 سنة، من صناعة القمر الصناعي إلى صعود الإنسان فوق القمر، ثم إلى إرسال أول إنسان آلي على سطح كوكب المريخ، فضلا عن كون غزو الفضاء ساعد في تطوير تقنيات الاستشعار والتحكم عن بعد ومراقبة الكوكب ومسح خرائطي للكرة الأرضية أكثر دقة وتطوير نظام الملاحة وتحديد المواقع العالمية، مما يجعل من تكنولوجيا الفضاء صناعة المستقبل القادمة.

ونظرا لهذا التطور المطّرد يجب على العرب أن يكونوا جزءا فاعلا ومؤثّرا في هذه المنظومة، لا طرفا مستهلكا فقط، وذلك لن يتم إلا من خلال تنمية القدرات الذاتية. حيث يشير، حمد الحاج، أستاذ نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد في إدارة الموارد المائية بجامعة الملك عبدالعزيز بالمملكة العربية السعودية، إلى أنّ “امتلاك التكنولوجيا المنقولة وحده لا يكفي، بل يجب بناء القدرات والكفاءات القادرة على استخدام تلك التكنولوجيا وتطويرها محليا”. والتوفيق بين العمل البحثي وحسن استغلال الموارد المادية المتوفرة في الدول العربية من شأنه أن يكون له دور هام في امتلاك العرب لتكنولوجيا الفضاء.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

تفاصيل أخرى:

المؤتمر العربي لتكنولوجيا المعلومات يدعو إلى تبني تجربة المدن الذكية

7