امتهان الشعراء للنقد يوقعهم في المزالق

رغم الدور الهام الذي يلعبه النقد في القراءة الواعية للنص والتي تكشف عن جمالياته وأوجه قصوره التي يمكن أن تُنبِه المبدع لضرورة تفاديها لاحقا في نصوص أخرى، فإن عمل المبدع بالنقد كثيرا ما يكون سلاحا ذا حدين. “العرب” حاورت الشاعر والناقد الأردني عميد كلية الآداب بجامعة جدارا بالأردن عبدالرحيم مراشدة عن تجربته في الكتابة الشعرية والنقدية.
الاثنين 2016/10/10
لا سيادة للرواية على الشعر

صدر للشاعر والناقد الأردني عبدالرحيم مراشدة مؤخرًا كتابان: “كتاب الأشياء، التفاصيل والأحوال”، و”كتاب الوجد والورد”. وعن الكتابين يقول “يشكل هذان الكتابان تتمة لمشروع عملت عليه في مطلع التسعينات، ولمعت بذاكرتي أفكار في الكتابة والتجريب بطريقة مختلفة عن المعتاد ما أمكن، فأصدرت المجموعة الأولى بعنوان ‘كتاب الأشياء والصمت‘ مرتكزا على حركية الشكل والدلالة لا سيما تلك التي تدمج بين الترسيم البصري واللغوي على فضاء الورقة، التي استقيت بعض أفكارها من المشجرات الإسلامية ورسومات الواسطي على المقامات ونصوص لابن قلاقس في الأندلس، حيث حاولت في بعض النصوص، الدمج بين اللوحة الفنية ورسم الاختزال والنص الشعري، وكانت بعض النصوص بالتعاون مع الفنان التشكيلي العراقي عماد نافع”.

دالات سيميائية

نصوص الشاعر فلسفية تنفتح على الوجود ومكوناته، وفلسفته وتفاصيله، وتنعكس كل هذه الأشياء على ذاكرة الإنسان

يلفت مراشدة إلى أنه تعمد الفصل بين النصوص في كتابين، بغرض التعمق في قراءة العتبات والنصوص الموازية للغلاف والتصديرات والهوامش، ولم يسع إلى تجنيس العمل في الكتابين تحت مسمى “الشعر”. ويستطرد “أسميتهما بوعي تام بعد الفراغ من الكتابة فوصفت الأول بالنصوص الكونية، في إشارة إلى مسائل فلسفية كونية تمس الإنسان ووجوده، وبالتالي لم أقصد الشعر التقليدي والتفعيلة والشعر الاعتيادي، وإنما حاولت أن أحرك ذاكرة المتلقي عن المسبقات من المفهومات القارة بذهنه عن الشعر، وبالتأكيد يكون الانصراف وفق هذه الرؤية نحو شعرية النص وظلاله وأبعاده، وليس فقط الإيقاع والفنيات وما إلى ذلك، وبهذا أحقق الربط بين الشكل والمضمون، وهنا تشتغل كلمة ‘كتاب‘ المضافة للعنوان بوصفها عتبة، وما تثيره هذه الكلمة من مرجعية دينية فلسفية”.

وعن كتابه الثاني “كتاب الوجد والورد” يقول مراشدة “جاء هذا الكتاب ليحقق مسألة تلح على الإنسان ويعيش في حمى الحراك في مضامينها، وهي المسألة التي تقسم الوجود إلى خير وشر، شيء جميل وآخر العكس، إنها الثنائية الوجودية المربكة للكون والحياة. لذا فنصوصه فلسفية تنغلق على الوجود ومكوناته، وفلسفته وتفاصيله، وانعكاس كل هذه الأشياء على ذاكرة الإنسان”.

وانتقالًا للحديث عن أبرز التطورات التي طرأت على القصيدة العربية الحديثة يوضح مراشدة “ما فتئت القصيدة العربية بعامة تتحرك بصعود ونزول، منذ امرئ القيس إلى بشار بن برد إلى الإحيائيين: شوقي وحافظ والبارودي، ثم تلت هذه الحركات التي أفادت من الغرب والتلاقح الثقافي، فظهرت جماعات وحركات مهمة مثل: الديوان وأبولو والقلم وجماعة المهجر”.

يتابع “لكن حقيقة إن التجديد والتحديث في العصر الحديث جاءا بعد اختراق الشكل والمضمون معا، بدأ التحرك عن الشكل، خاصة الإيقاعي والترتيب السطري على يد نازك الملائكة والسياب في مطلع الأربعينات، ثم كان التحول اللافت والمهم مع جماعة شعر التي كانت بمثابة الثورة في الشكل والمضمون معا، والسبب في هذا كثرة الترجمات ووسائل العصر والتلاقي الثقافي بين الغرب والعرب”.

ويضيف الشاعر “المشهد الشعري الآن لا يعدو تكرارا لما تم بعد مجلة شعر، أستثني بعض المخاضات التجريبية التي لم تزل تحاول الخروج والتحول والتقدم للأمام، وأسهم بها بعض الشعراء، ذلك أن القصيدة والشعر يتحولان في العالم، الذي أصبح قرية واحدة، وتحفز الكثير من الشعراء والأدباء للاطلاع على تجارب بعضهم البعض، عبر وسائل مختلفة ومنها التواصل الاجتماعي، لكن هذا التواصل له حدان: سلبي وإيجابي، وهنا لا بد من الوعي بالذات والنص والعالم، وإلا تم الغرق كما هو سائد في فوضى غير خلاقة في الكتابة، فليس كل ما يكتب في وسائل التواصل شعرا أو أدبا يرقى للمستوى المطلوب، فإذا أردت أن تكتب نصا شعريا متحولا متقدما فاكتب نصا لم ينكتب بعد. والنص الأجمل هو المرجأ الذي لم يظهر للعيان والسماع بعد”.

الشعر والنقد

تعمق في قراءة العتبات

عن قصيدة النثر في الوقت الراهن يشير مراشدة إلى كتابه المشترك مع زميل جزائري بعنوان “قصيدة النثر في نهر الشعر العربي، منشورات وزارة الثقافة الأردنية”، والذي يتناول البعد التاريخي والظروف التي أنتجتها وشرائطها ومكوناتها ..الخ، موضحًا “الفكر النقدي العربي تلمس وجود طروحات حول القصائد خارج الوزن، وتاريخيا نجد الخليل بن أحمد، رحمه الله، وجد نصوصا لا قانون لها في علم العروض، وهي خارج الوزن والإيقاع، وأشار الفارابي لمثل هذه الأشعار وأسماها القول الشعري، كما تناول الجرجاني عبدالقاهر مثل هذه المسألة، لكن ما يلفت الانتباه في هذه المسألة الوزنية طروحات حازم القرطاجني الذي يصف من يعتقد أن الشعر هو في الوزن فقط بأنه أعمى، كل هذا لا يعني أننا أمام ما اصطلح عليه بقصيدة النثر تماما، أما ما يمكن قوله حقيقة فقد بدأت هذه القصيدة بتأثيرات من أمم أخرى أغلبها غربية، منذ مجلة شعر وجماعة شعر، وبأثر من الشعر الغربي كما ذكرت سوزان برنار، وإرهاصات هذا النمط موجودة في كل الشعر العالمي”.

وينتقل مراشدة للحديث عن رؤيته لقضية الالتزام في الشعر العربي الحديث قائلًا “الالتزام تأطير للبعد الأدبي والفكري، والإبداع لا يرتضي الانضغاط في قالب يتأسس له سلفا. لكن هناك فرقا بين النص الأيديولوجي وبين أيديولوجيا النص، النوع الأول يجعل الأيديولوجيا، وخاصة الفكر السياسي متسلطاً على النص، وبالتالي ينسى المتلقي أنه مع الشعر، فيكون خارج الشعر أكثر مما يكون داخله، أما أيديولوجيا النص (فتعني أنه) يمكن للكاتب أن يمرر عبر النص خطابا ما بطريقة واعية (لكن) غير مباشرة، يقع في ظلال النص وليس في واجهته”.

وعن تأثير عمله بالنقد على عمله الإبداعي يقول ضيفنا “النقد علم، والشعر يعرف مما ليس منه، يقول جان ستيوارت مل في تعريف الشعر ‘ليس الشعر قولا يسمع بل يستغرق السمع‘، إذاً البعد النقدي الأكاديمي فيه صرامة، والتزام بمحددات ومناهج نقدية تتغير بتغير الظروف والأحوال”.

ويستطرد “بالنسبة إلي عندما أكتب الشعر أحاول نسيان أنني أكاديمي وناقد، قدر الإمكان، ذلك أن التفكير في النقد أثناء الكتابة يجعلك في مساحة محدودة وقاتلة في آن واحد. ليس كل ناقد شاعرا والعكس صحيح. لكن لا بد من وعي بالذات ووعي بالعالم ووعي بممكنات النص وحدوده، لقد أثر النقد على كتاباتي، لكنني تدربت على نسيان النقد قدر الإمكان لأجل التفرغ للكتابة”.

وعن مكانة الشعر في الوقت الراهن مقارنة بالرواية يوضح ضيفنا أن الصراع موجود بين الشعر والرواية، وفي ما يتعلق بفكرة السيادة يقول “مرت فترة طويلة كان فيها واضحا عنصر السيادة للرواية، وتحت هذه الحمى راح العالم العربي يتأثر بهذه الفكرة، والسبب يعود إلى أن الرواية لها قدرة وقابلية على امتصاص الأجناس الأدبية في رخويتها ومكوناتها، وهي الأقرب إلى حساسية المجتمع وطرائق الحياة والتفكير لديه، لا سيما بعدما انسل إليها ما يعرف بشعرية النص، وهذا ينتج اللذة القرائية التي يمكن توافرها في الإيقاع الشعري، لكن الآن يبدو الأمر كما لو أن الرواية تمضي بشكل متواز مع الشعر”.

15