امرأة اسمها هيا

الأربعاء 2016/10/26

عندما تزوجت هيا قدّم لها أبوها كتابا يناقش موضوع ولاية الرجل على المرأة. مقدمة الكتاب تقسّم الولاية إلى قسمين: الولاية على النفس، وهي الإشراف على شؤون القاصر الشخصية من صيانة وحفظ وتأديب وتعليم وتزويج. أما القسم الثاني فهو الولاية على المال، أي الإشراف على شؤون القـاصر الماليـة من استثمار وتصرفـات كالبيع والشـراء والإجـارة والرهن.

ولكن المتشددين ابتدعوا نظرية ذات خاصية إقصـائية وهي أن المـرأة إنسان قاصر غير كامل الأهلية من ولادتها إلى مماتها. جعلوا من أنفسهم أوصياء على خلق الله، ليـس لهم مـن حجّة أو منطـق سوى أنهم يزعمون أنهم محتسبون ضد الفساد.

ربما لهذا السبب يجنّد غلاة الانغلاق حيلهم العجيبة لوصم المعاهدات الدولية التي وقّعت عليها المملكة العربية السعودية بالفساد ومحاربة العقيدة، كاتّهامهم، مثلا،ً لاتفاقية “سيداو” بأنها تبيح المثلية والشذوذ في موادها القانونية، والاتفاقية، طبعا، من هذا كله براء.

الله وحده أعلم بمصدر هذه النماذج المحمّلة بعوالق فكرية متشائمة لا تمتّ للإسلام بصلة.

قرأت هيا بيان هيئة حقوق الإنسان، في تقرير المملكة العربية السعودية الثاني للاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان 2013 في جنيف، الذي يقول “إنّ المرأة السعودية تتمتع بأهليتها القانونية في ما يتّصل بممارستها لحقوقها”.

لكن المجتمع مازال يتعامل مع هيا على أنها ناقصة الأهلية، وتُعامَل معاملة القاصر مهما بلغت من السنّ، وذلك عند استخراج جـواز سفـرها وتجديده، وعنـد سفـرها خـارج المملكة، في حين يعتبـرها كاملة الأهلية عند ارتكابها أي جريمة أو جُنحة، وعند تنفيذ العقوبات والحدود والتعزيرات عليها.

وبمجرّد انتهاء مدة محكوميتها تصبح ناقصة الأهلية، فلا تخرج من السجن إلاّ بحضور وليّ أمرها ليتسلّمها، وقد تظلّ في السجن مدى الحياة إن رفض هذا الولي “استلامها”! نعم، مثلها مثل أي قطعة أثاث يتم “استلامها” و”تسليمها”.

إذا سلّمنا بأهلية المرأة السعودية وحقها كإنسان أولا وكمواطنة ثانيا في التعلم والعمل والكسب والتنقل، فيصبح من باب التناقض والتعجيز الحكم عليها بالحياة تحت سلطة الرجل.

المرأة تريد حقها كاملا في الموافقة على الزوج الكفء، هي تريد حقها كاملا لمنع من يريد الاستيلاء على أموالها، أو سرقة حصتها من الميراث، أو التعرض لخصوصياتها أو التضييق عليها تحت مسمّى “الوصاية”.

يرى البعض أن المادة الـ16 من اتفاقية “سيداو” تمثّل “أم الخبائث” لأنها تدعو إلى المساواة بين الذكر والأنثى في الزواج عند العقد وأثناء الزواج وعند فسخه، وحق اختيار الزوج، وحقوق الولاية والقوامة. يعتقد هؤلاء أن هذه المادة تخالف الشريعة الإسلامية التي قسّمت الأدوار في الأسرة بين الرجل والمرأة، ولم تجعلها متساوية متطابقة، فلكل حقوق وعليه واجبات.

طبيعة الأمر أن هذه المسائل فيها اختلاف وتباين بين فقهاء المذاهب الإسلامية وليست بالضرورة مخالفة لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف.

لماذا تأخذ قضايا المرأة دوما أبعادا أيديولوجية حتى في الأمور التي لا علاقة لها بالدين؟

ولماذا خلط إرث العادات وشوائب التقاليد بتعاليم الدين الحنيف؟

آن الأوان أن نزيح المعوقات التي تقف في طريق مشاركة هيا وزميلاتها في القطاع الخاص، ومنها محدودية الفرص، وساعات العمل الطويلة، وانخفاض معدّلات الأجور للنساء، وطبعا مشكلة المواصلات وعدم تـدريب طالبـات العمل، إضـافة إلى الإجـراءات الروتينية التي تواجهها الباحثات عن عمل وسيدات الأعمال أثناء تعاملهن مع الجهات الرسمية التي باتت تحدّ من حركاتهن وتقف حاجزا إسمنتيا صلبا أمام تطوير أعمالهن.

إزاحة هذه المعوقات ليست منحة أو منّة من أحـد، فعندما وافقت السعـودية على وثيقة “سيداو” بموجب مرسوم ملكي فهي بذلك وافقت على الإطار التنظيمي لفرض حقوق المرأة ومناهضة التمييز ضدها بكافة أشكاله.

قرأت هيا في الصحف المحلية أن هناك قرارا ساميا بإلغاء الوكيل للمرأة، إلا أن هذا القرار أيضا لم يُفعّل على الوجه الصحيح ومـازالت غالبية الإدارات الحكومية تصرّ على التعامل مع ولي الأمر أو المحرم أو الـوكيل أو المُعَرِّف. البديـل هو أن تلجأ النساء إلى المندوبين، وللأسف تتعرّض الكثير من النساء إلى السرقات في وضح النهار من قبل بعض هؤلاء المندوبين الذين يطالبون بإعطائهم توكيلات “عامة ومفتوحة” لإنهاء إجراءات معاملاتهن دون حماية أو رقابة.

بعد طلاقها بدأت هيا بالبحث عن رجل برتبة “وكيل”. عرض عليها أحدهم “خدماته” على أن يقابلها في منزله و“يسولف” معها على انفراد. ابتعدت طبعا عن هذا المتّسخ واستمرت بالبحث.

متطوع آخر قرأت من خلال ابتسامته الصفراء أنه يسعى لاستثمار أكثر من أموالها. أما النشمي الثالث فقد طلب منها أن تتسلّح بعزيمته وإمكاناته المعرفية والمهاراتية لتحقّق بفضله وكرمه وجودها على الكرة الأرضية.

ركب المتشددون الموجة، وصرخوا بأعلى أصواتهم: “للأسف، كثر التطبيل للمرأة بالخروج من بيتها وترك حجابها، وما هذا إلاّ لهدف تدمير المجتمع، وهدم الدين، ونشر الرذيلـة، وكثرة انتشار أمـراض الإيـدز، وكثرة انتشار الجريمة والاغتصاب، وكثرة أبنـاء الزنا، والابتعاد عـن الدين واتّباع هواء النفس…”

كل هذه القائمة الطويلة العريضة من الردح والسلبيات والأمراض المعدية لأن المرأة تريد أن تشارك بتنمية الوطن؟ هيلاري كلينتون ستصبح رئيسـة، أوكونر قادت مكـوك فضاء، ورأست بنظير مجلس الوزراء، وقـادت أنجيلا ميـركل ألمـانيا، ومـازالت “هيا” تبحث عن مُعَرِّف أو ولي أو محرم أو هوية.

عضو جمعية الاقتصاد السعودية

9