امرأة الكاتب

الخميس 2017/02/23

المرأةُ والكاتب نصٌّ بنص. الأول ملهِم والثاني ملهَم. وهذا واقع لابد منه سرديا وشعريا وحقيقة لا مفر من التنصّل عنها مهما أوتينا من بلاغات أدبية ولغوية، فالمرأة في الكثير من الكتابات الأدبية ولكبار الكتّاب هي عَصَب الكتابة وشريانه المتدفق، وإذا كانت السرديات والشعريات تعكس، ضمنا، شيئا مما خفي من تلك الحياة، فإن المذكرات الشخصية هي الصحيفة الأخيرة لسجل طويل من سنوات متداخلة حافلة بالمثير والمدهش والخفي والسري لحياة الأدباء والمفكرين والفنانين، غير أنّ الكثير من الأدباء لا يحتاجون إلى مذكرات تالية لبيان علاقاتهم بالمرأة من شتى الزوايا ويمكن قراءة المخفي والظاهر في تشكيل الصورة الأخيرة للكثير من الكتابات التي سادت فيها المرأة أثرا وصورة ولغة، كنزار قباني الذي يوصَف بأنه شاعر المرأة حينما اختلق قاموسا شعريا “نسائيا” لم يبارحه كثيرا.

بدر شاكر السياب ترك الكثير من الآثار الشعرية بهذا الخصوص وهي آثار مليئة بالشجن والأسى والحنين ولعل “شباك وفيقة” و”المومس العمياء” و”إقبال” هي من الآثار التي يمكن أن نتلمس فيها وهجا شعريا برومانسياته واجتماعياته القروية، وإذا كان الحب من طرف واحد يقرر “فشل” الشاعر في هذه الزاوية فإن نجاحه الآخر كان طرفا شعريا خالصا تضامن وتكافل مع بيئة جنوبية خالصة كجنّة أرضية بجمالها وصليل عصافيرها على الأشجار.

محمود درويش أكثر من عاشق ومن الشعراء الذين أسهبوا في الكتابة الرومانسية بطريقة مثيرة، لكنه جعل منها قضية، والقضية هي وطن والوطن في تفريعاته الكثيرة امرأة لها سحر البقاء والتجلي، لكن تبقى “ريتا” هي الأكثر مجازا وغموضا في تجربته الرومانسية التي تكررت في أكثر من قصيدة للشاعر ومع أن الكشف عنها تأخر كثيرا كونها “تمار” اليهودية لكنها حفرت في لحم القصيدة الدرويشية كثيرا قبل أن تحفر “عميقا في جسدي” كما قال.

تتردد “عائشة” كثيرا في شعر الراحل عبدالوهاب البياتي، وهي شخصيته المركزية التي يتخطى بها الواقع ويصل إلى الرمز الكوني الذي يبحث عنه في كل شعره، وقوة عائشة وبقاؤها يتأتيان من قوة القصيدة التي يكتبها البياتي، حيث تنبعث هذه المرأة دائما بين سطوره وتفرض اسمها بين القصائد الكثيرة التي كتبها الشاعر وربما ديوانه “بستان عائشة” خير ما يمثل ولعه بهذا الاسم.

أراغون وألزا اسمان لقصيدة واحدة. فهي الملهمة الكبيرة لرجل عشق الشعر وركب بحره العميق من دون أن يخطر على باله ذات يوم أن امرأة ستغير مجرى الشعر فيه إلى مجرى دفاق من عشق إنساني غريب وبالتالي غيرت نظرته إلى الشعر، بوصفه عاطفة إنسانية كبيرة، لها من العمق الوجداني والإنساني ما غيّر نظرته كليا إلى الشعر كونه وسيلة أدبية تتكثف فيها المشاعر الجمالية والإنسانية في لحظة من لحظات الكتابة التي تجتاحه حمّاها بين الحين والآخر.

غابرييل غارسيا ماركيز وضع كل حياته في كتاب أسماه “عشتُ لأرويها” ولعل محطة المرأة من المحطات البارزة في حياته، فحواء، على مختلف تجلياتها، حاضرة في النشأة والتكوين، من الصبا إلى الشباب إلى الكهولة، أما وأختا وحبيبة وزوجة وعشيقة وعمّة وخادمة، بعيدة وقريبة، هامشية وفاعلة، ظلا وإطارا. لكن الصورة الأكثر وضوحا في حياته هي أمه لويسا سانتياغو. أما الأخريات فقد وُضعن في طريقه لترميم ذاكرته بالعجيب من الأحداث والغريب من المواقف، حتى تحولن إلى أساطير روائية وقصصية حافلة بالحكايات التي لا تنسى.

المرأة قبس من أقباس الكتابة لا يمكن أن يغادرها شاعر أو سارد أو فنان.

كاتب من العراق

14