امرأة تحاول الطلاق فيتغير كل شيء إلى الأسوأ

معظم شخصيات الكاتب المصري عادل عصمت تميل إلى تجاوز التقييد والجمود، كما أن السمة الغالبة عليها الهروب من المطاردة.
السبت 2018/04/21
لعبة كلاهما خاسر فيها (لوحة للفنان صفوان دحول)

أصدر الكاتب المصري عادل عصمت، عددا من الروايات الهامة مثل “الرجل العاري”، و”أيام النوافذ الزرقاء”، و”حياة مستقرة”، و”هاجس موت”، و”حكايات يوسف تادرس” وهي الرواية الفائزة بجائزة نجيب محفوظ للأدب عام 2016، و”صوت الغراب” وآخر هذه الروايات “الوصايا” وغيرها من الروايات التي تتناول واقع الإنسان المصري، وهواجسه الداخلية سواء على المستوى النفسي أو على مستوى التحرر من الوصايا أيا كان مصدرها، وهو النهج الذي واصل فيه الكاتب في روايته الجديدة “حالات ريم”.

تميل معظم شخصيات الكاتب المصري عادل عصمت إلى تجاوز التقييد والجمود. كما أن السمة الغالبة على شخصياته أنها تشعر دوما بأنها مطاردة وعليها أنْ تهرب من أثر هذه المطاردة، لذا تسعى إلى البحث والتجريب فقط حتى لو قاد هذا إلى الضياع أو السير في طريق مجهول كما سنرى في شخصية “ريم” التي ستقع في أحبولة التيارات الدينية، في روايته الجديدة “حالات ريم” حيث ثمة تقاطعات مع أعماله السابقة في الثيمة التي تسري في أعماله كلها ومحورها الإنسان ومخاوفه. وإن كان الاختلاف الوحيد يتمثل في الجنس الذي ينتمي إليه النص. فهو أقرب إلى جنس النوفيلا، أو القصة الطويلة.

رواية سيكولوجية

تنتمي رواية “حالات ريم”، الصادرة عن الكتب خان بالقاهرة، إلى الروايات السيكولوجية حيث تعتني بالتحليل الداخلي للشخصيات، وقد تميز البطل بسلبيته في حين كان وعي راويه أكبر من وعي العالم المحيط به.

عادل عصمت يتناول واقع الإنسان المصري
عادل عصمت يتناول واقع الإنسان المصري

محور الحكاية الأساسية يدور حول شخصيتي ريم الزوجة والحبيبة السابقة، ومهاب الصيدلي الأربعيني. عبر حالة من الصراع الخارجي/ الداخلي، الذي مبعثه رغبة ريم في الطلاق، ومحاولة الزوْج المستميتة لاستعادتها. من هذا الصراع تتوالد حكايات وتفاصيل تكشف عن عوالم الحياة في الطبقة المتوسطة، وكأن الرواية تستعيد أجواء الرواية العائلية، وهي تلك التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن العشرين كما هي عند بروست في “جان سانتوي” و”البحث عن الزمن المفقود”، وعربيا متحققة عند نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس وعبدالحميد جودة السحار. لكن هذه الاستعادة تظْهر التفكك الذي سيْطر على مفهوم العائلة (الذي كان يحيل إلى معاني التماسك والتضافر والولاء لها) وصولا إلى حالة الانقسام والفردية والانشقاق عنها، وقد حلت بسبب النزعة الاستهلاكية وهو ما تطلب سفر بعض أفراد العائلة للعمل في بلاد النفط، إلا أن هذه التقابلات التي تظهر بها العائلة وإن كانت أشبه بصراعات إلا أنها تقف ضد النزعة الفردية التي صبغت حداثة الإنسان المعاصر.

مشكلة ريم مع مهاب تجاوزت إطارها الفردي لتشغل إطار الجماعة وأخذ الكل يبحث عن حل لها حتى ولو كان مضادا لما يريده الزوج.

كما تبدو الرواية في بساطتها الشكلية وأنساقها المضمرة ساخرة من رتم الحياة المفتقدة للأواصر الاجتماعية، والجو العائلي الذي يبحث عنه الزوج في الزوجة، وهو ما تحافظ عليه الأم، التي مازالت تسكن بيت الأسرة، وكأنه يسعى لتخليدها، فنرى صورة باذخة للأم وهي تجلس “تحت شباك المنور في الصالة والتلفزيون يذيع فيلما عربيا” كاشفا عن حالة من افتقاده لدفء الأسرة وحميميتها فبعد أن “أخذت منه قائمة المشتريات” راحت تمارس دور الأم الطبيعي، فتحدثه عن إخوته وتذكره بدوره بأن يقوم ليصالح أخته ويتصل بأخيه، كما تتصل به لتذكره بما يجب أنْ يقوم به من واجبات إزاء بعض أقاربه.

لا تقف الرواية عند صورة الأم وحدها، ولكنها أيضا تقدم لنا صورة الحماة في صراعها ودفاعها عن حق ابنتها، وهي صورة غير مألوفة في الرواية الحديثة، فثمة توتر وتوجس بين الطرفين، يصل إلى الذروة.

 تبدو على البطل حالة من التوهان والتشتت من تأثير طلب زوجته للطلاق، وهو الأمر الذي يركز عليه السارد الغائب الذي يقوم بالسرد غير المباشر عن البطل، ويتلبسه وكأنه يروي بنفسه لولا صيغة الضمير الغائب المهيمنة، وإن كانت ثمة تداخلات يترك فيها الراوي لمرويه الحرية في التحدث بصوته، بعدما أعاره ذاته. فيقدم لنا صورة هذه التشتت عبر سرده لحالة البطل الذي “ينسى أين ترك سيارته”، وأحيانا كثيرة يدور بسيارته في شوارع المدينة، كما تطارده الأحلام، وتعصف به ذكريات الخطوبة والحياة السعيدة التي عاشها معها، ورقصها الذي خلبه، وتراوده – أيضا – حاله ثابتة دائما بأن يخرج هاتفه، ثم يتصل  بريم، يسمع رنين ولا جواب، يتكرر المشهد كثيرا.

ريم ستصير حالة أو حالات وفقا لعنوان الرواية ليست فقط بمواقفها الغريبة وتبدلاتها التي لا يعرف لها الزوج/ الحبيب سببا، وإنما بجمالها أيضا، ومع الأسف نقطة التواصل بينهما مفقودة. فلا جامع بين الشخصيتيْن.

ضياع الفرد

بينما البطل يبحث عن تغيرات وتحولات ريم، يقدم لنا الراوي التغيرات التي أخذت مجراها في داخل البطل، ووصلت به إلى التفكير في الانتقام بتشويه وجه ريم، لرفضها العودة إلى البيت. حتى “أنه لم يتخيل لحظة واحدة، أنه يحمل بين جوانحه ذلك الشر، مستترا بالملابس والأهل والنجاح والعلاقات الطيبة”.

وكاد أن ينفذ ما فكر فيه لولا حادث الموت العارض. على المقابل كانت ريم مدفوعة إلى التحول من قبل آخرين، فما أن توطدت علاقتها بزوج أختها الشيخ عصام، الذي راح ينتزعها من عالمها الطفولي ومتعها الشخصية، إلى عالم يحفه الخوف من الموت، يلزمها بارتداء الحجاب والنقاب وقد وصلت إلى أن الزوج لم يتعرف عليها عندما ارتدته.

حكاية مروية بسرد غير مباشر
حكاية مروية بسرد غير مباشر

هنا يطرق عادل عصمت إشكالية غاية في الحساسية، تتمثل في أن ضياع الفرد ليس مسؤولا عنه، وإنما هو نتاج الآخر، ووصاياه.

ويتكرر هذا عندما يقنع شريف مهاب بأن يمارس علاقة مع فتاة أخرى، فما إن همّ بالفتاة حتى كاد أنْ يدمر حياتها، وهي التي أرادت أن تحافظ على بكارتها، فيما كان هو مصمما، وعندما فشلت في الإبقاء على المسافة التي تحفظها من الاقتحام، صرخت.

 وفي علاقة ريم بالشيخ عصام يوضح الراوي تأثير التيارات الدينية المتشددة التي تستخدم الخطاب الزاجر والناهي في الحث على الطاعة والابتعاد عن المعصية، بطريقة لافتة وهو ما أصاب ريم بالغموض والانطفاء بعدما كانت مثل “نجم حط من السماء” فأخذت تنتابها الهواجس حيث “صارت نفسها مقبوضة وخائفة” وانتابها هوس مرضي. حتى أضحتْ ريم هشة ضعيفة “تبحث عن وسيلة لتخرج من همومها” فوجدت باب الشيخ عصام مفتوحا، فأخذت تتردد عليه، وهو ما كان أثره فادحا فقد صار عالمها “ضيقا عليها خربا، وزادت عدوانيتها”.

 الحكاية مروية بسرد غير مباشر، فمع أن هناك راويا غائبا يروي، إلا أنه ثمة حكايات ينقلها هذا الراوي وقد درات على لسان أشخاصها، فيروي بصيغ مثل: حكى وقال وأخبره، هكذا، فعندما يلتقي مهاب بشريف وتشرق بهما الدنيا وتغرب، ثم يعودان إلى النقطة المفصلية في علاقة شريف الذي “لا يكف عن مطاردة النساء بشهوة لا تهدأ” مع أنه تزوج وأنجب ثلاثة أبناء.

ثم إن مكان الرواية غير محدد سوى بالإشارة إلى أن أحداثها تقع في هذه المدينة الصغيرة، والتي يصف بعض معالمها كالبنك وشوراعها أثناء جولات الراوي في الشوارع هربا من هاجس الحلم. كل هذا جاء عبر لغة مكثفة إلى حد الكفاف وعبارات مختزلة وحوارات قصيرة تبطن أكثر ما تفصح، كشفت عن حدود العالم الخانق الضيق الذي تتحرك فيه شخصياته بنزواتها الصغيرة وطموحاتها المحدودة.

15