"امرأة تريد طبيبا" تقف عائقا أمام جهود تأنيث طب النساء

أخطاء الأطباء الذكور تتخفى وراء تجارب الطبيبات الفاشلة في التوليد والمريضات تستأمن الأطباء الرجال على حياتهن أكثر من الطبيبات.
الأحد 2019/11/03
الكفاءة الطريق الوحيد لاستعادة الثقة

ثقة المرأة في الطبيب ترسخ تهميش وإقصاء الطبيبة، لاسيما في طب التوليد والأمراض النسائية، حيث تستأمن السيدات الأطباء الذكور على حياتهن وحياة أطفالهن، في حين تهربن من عيادة الطبيبات الجزارات حسب وصفهن.

“ما يؤلم الشجرة ليس الفأس التي تقطعها، ما يؤلمها حقا أن يد الفأس من خشبها”.. حكمة قديمة ربما تجسد العلاقة بين النساء وبعضهن، خصوصا في مجال طب النساء والتوليد، فقد كان المعتاد أن يأتي التشكيك في كفاءة المرأة الطبيبة من الرجل الذي يرى فيها منافسا محتملا، لكن الغريب أن تتولى نساء الحرب (بالوكالة) ضد الطبيبات لصالح الطبيب الرجل.

على النقيض من “الكليشيهات” التي تستخدمها مجموعة من النساء في المجتمعات العربية والداعية إلى رفض الرجال في حياتهن، متبنّيات أيديولوجيا مناصرة للمرأة، تحت شعار “نحن بنات فيمنست” و”المرأة تستطيع” و”إنتي الأقوى والأهم” و”مدينة خالية من الرجال”، تمارس نساء أخريات سلوكيات تكرس الهيمنة الذكورية ويدعمن استمراريتها عن طريق اضطهاد بنات جنسهن من طبيبات النساء والتوليد.

يلفت الانتباه انتشار ظاهرة لجوء العديد من النساء في الدول العربية لطبيب أمراض نساء، بدلا من طبيبة بدعوى أن الرجال يتقنون مهنتهم بشكل أفضل من النساء، ليثبتن لمن حولهن أن ثقافة الذكورية ليست حكرا على الرجل، بل هي توليفة من الأفكار والسلوكيات يؤمن بها الرجال والنساء على السواء.

وعلى العكس من ذلك بدأت النساء في المجتمعات الغربية في الاعتماد والثقة بالطبيبات، حيث كشف استطلاع للرأي صادر عن الاتحاد الفيدرالي في بريطانيا، أنه “عند تعذّر وجود طبيبة نسائية فإن المريضة تفضل أن تفحصها قابلة أو طبيبة ممارسة عامة على الاستشاري الرجل”، وحتى في الولايات المتحدة، تفضل قرابة 50 بالمئة من النساء التعامل مع طبيبات.

الأمر الذي يستدعى التوقف، هو كيف للمرأة التي تطالب بالتحرر من سطوة الرجل وأن تأتمنه على أدق خصوصياتها في ما يتعلق بجسدها؟

تجارب سلبية

خوف من الطبيبة
خوف من الطبيبة

توترت المهندسة الشابة جيسكا عند ذهابها إلى المستشفى الخاص بمنطقة المهندسين بالقاهرة، للكشف الدوري لدى الطبيب المتابع لحالتها من بداية الحمل، بعدما علمت أن طبيبها سافر لمدة شهر لحضور مؤتمر بالخارج.

وخلال دقائق معدودة دخلت العشرينية في حالة بكاء هيستيري عندما أخبرتها الممرضة أن الطبيبة المساعدة للطبيب هي من ستباشر الحالات في العيادة وتتولى عمليات الولادة.

زوج جيسكا برر للمتواجدين سبب البكاء بهاجس يلازمها منذ بداية الحمل بأنها ستفقد حياتها أو جنينها إذا تولت طبيبة امرأة عملية الولادة.

وكثيرا ما جرت بينهما مشادّات في بداية الحمل لإصرارها على المتابعة لدى طبيب رجل واصفة طبيبة النساء أنها “قاسية ولا قلب لها”، حتى دون أن يكون لها سابق تجربة معها.

الفضول جعل الزوج يناقش زوجته ليكتشف أن إيثارها للطبيب يعتمد على خبرات “سماعية” من حكايات أقربائها عن طبيبات النساء، فإحداهن كادت تتسبب في موت ابنة خالها أثناء الولادة، وأخرى نال مشرطها من قناة فالوب عند استئصال ورم ليفي من رحم خالتها.

وقال الزوج لـ”العرب” إنه في أثناء الذهاب مع زوجته لمتابعة الحمل سمع العديد من القصص والتجارب السلبية تلوكها ألسنة النساء في مثل تلك المجالس وتؤثر على رؤية الأخريات، فإن أشاعت إحداهن أن الطبيبة ضعيفة مهنيا تنصرف باقي السيدات عنها.

جزارة النساء

تجارب المرضى مع الطبيب تضعه موضع التقييم
تجارب المرضى مع الطبيب تضعه موضع التقييم

يؤكد ذلك الكلام تصريح الصحافية السعودية أمل باقازي، حيث أفادت، أنها في العادة تذهب إلى طبيب بالسمعة، بعدما تتأكد من أن صديقة أو أحدا من أفراد العائلة سبق أن تعامل معه، كما أن الطبيب الذكر في مجال النساء والولادة يتعامل مع الحالة بسلاسة وإنسانية أكثر من المرأة.

وأشارت باقازي إلى أن التجارب الشخصية هي نقطة الحسم في اختيار جنس الطبيب، قائلة “ذهبت إلى طبيبة في فترة الحمل، إلا أنني وللأسف أجهضت بسبب خطئها ولا أستطيع تفسير ما حدث إلا بأنه جهل منها”.

وما روته الصحافية السعودية عما تعرضت له على يد طبيبة النساء تضعه كل امرأة صوب عينيها عند اختيار جنس الطبيب، فأخطاء الطبيبات تؤثر في سمعتهن، وترسخت صورة عن طبيبة النساء بأنها “جزارة”، وانتشرت هاشتاغات تحمل عنوان “احذروا جزارة النساء والتوليد” بعد تداول أخبار تشير لأخطاء أودت بحياة عشرات من السيدات على أيدي بعضهن.

حرّر إسلام (مندوب مبيعات) بلاغا ضد طبيبة نساء، لأنها تسببت في موت زوجته العشرينية خلال الولادة داخل عيادتها الخاصة بإحدى قرى محافظة المنيا في جنوب مصر.

وروى الزوج لـ”العرب” أن الطبيبة أعطت زوجته محلول صوديوم رغم معاناتها من ارتفاع الضغط ثم خدرتها دون استدعاء طبيب تخدير متخصص.

وتابع “بعد مرور ساعتين تسرب القلق إلينا، فطرقنا باب غرفة العمليات كثيرا دون رد، ثم تمكنا من الدخول فوجدنا الطبيبة ملطخة بالدماء وطلبت نقل زوجتي بمعرفتنا لأقرب مستشفى عام رافضة استدعاء سيارة الإسعاف وعندما توجهنا للمستشفى اكتشفنا أنها كانت قد فارقت الحياة بالفعل داخل العيادة”.

لم تكن زوجة إسلام الوحيدة التي تأذت بسبب إهمال طبيبة النساء، فقد تداولت وسائل إعلامية تقارير تحت عنوان “جزارة النساء والتوليد”، في إشارة إلى إحدى طبيبات أمراض النساء التي أوهمت شابة ثلاثينية أنها تعاني من ورم خبيث في الرحم لابد من استئصاله، وبعد إجراء العملية تدهورت صحتها فحملتها أسرتها إلى المستشفى لتكتشف أنه لم تكن لديها أورام، بل كانت في بداية فترة الحمل.

لكن ناشطات في حقوق المرأة تعترضن على إلصاق صفة الإهمال بالطبيبة فقط ويشرن بسخرية إلى أن ذلك التعميم غير عادل وسيعيد المرأة إلى قرون سحيقة لتقوم بما فعلته أغنوديس، أول طبيبة في أثينا عاشت في القرن الرابع قبل الميلاد؛ حيث تنكرت بزي رجل كي تمارس مهنة الطب التي كانت محظورة على النساء بأثينا في ذلك الوقت.

هؤلاء يشدّدن على ضرورة عدم الوقوع في فخ التعميم والتنميط لطبيبات النساء ويرفضن فكرة الأحكام المطلقة التي تؤكد أفضلية الطبيب الرجل على المرأة، لأنها مقولات تقلل من شأنهن، ويلفتن إلى أن الأمر يرجع إلى كفاءة الطبيب وليس جنسه. تستشهد الناشطات بدراسة أجرتها جامعة هارفارد على نحو 1.5 مليون شخص يعانون من أمراض مختلفة، بأن استجابتهم للعلاج كانت أفضل عندما عالجتهم طبيبات.

الأطباء الذكور لديهم أيضا أخطاء، لكنها تتوارى خلف أعدادهم الكبيرة مقارنة بأعداد الطبيبات، وعلى سبيل المثال هناك ما يزيد على عشرين شكوى قضائية في نيابة محافظة المنيا بمصر، جميعها ضد أطباء نساء وتوليد، تسبّبوا في ضياع حلم الأمومة لكثير من السيدات.

وتم تداول مقاطع وأخبار لأطباء يتحرشون بالمريضات على غرار الدكتور الأميركي لورانس نصار، طبيب فريق الجمباز النسائي، والدكتور جورج تيندال، أخصائي أمراض النساء في المركز الصحي الطلابي في جامعة جنوب كاليفورنيا، لاختراقهما “البروتوكول” الطبي عن طريق لمس النساء الشابات بطريقة غير لائقة خلال القيام بالفحص النسائي، مما يعرضهن لمشاكل نفسية.

بؤرة الظل

 50 بالمئة من النساء تفضلن التعامل مع طبيبات
 50 بالمئة من النساء تفضلن التعامل مع طبيبات

يرجع البعض تفضيل النساء للأطباء الذكور إلى جملة من الأسباب، أبرزها واقع الدول العربيّة التي تمارس الفصل والتمييز بين الرّجل والمرأة، حتى النساء اللاتي يلجأن لطبيبات إنما يفعلن ذلك لمجرد الحياء أو التمسك بمبادئ دينية أو قلة الأطباء في القرى وليس لاقتناعهن بأن كفاءة هذه الطبيبة أو تلك لا تقل عن مقدرة هذا الطبيب.

يلقي بعض الأطباء اللوم على الطبيبة نفسها التي ارتضتْ بهذا الدور وبقيت في بؤرة الظل، دون أن تسعى لأن تخرج إلى الضوء لتثبت مقولة الفيلسوفة النسوية الفرنسية سيمون دي بوفوار “نحن لا نولد نساء، بل نصبح كذلك”.

وترى رباب محمود (محاسبة من مصر) أن الطبيب أكثر تمكنا ويتمتع بالسرعة في التعامل مع المواقف الصعبة، خاصة عند لحظات الولادة أو في العمليات الجراحية.

وأكدت محمود لـ”العرب”، أنها وبنات جيلها لا ينظرن إلى طبيبة النساء باعتبارها نموذجا ناجحا، فلا توجد طبيبة رسخت لنفسها مكانة وذاع صيتها مثل الأطباء الموجودين الآن على الساحة.

ويظهر ذلك جليا في إحدى البنايات بحي راق في منطقة المعادي الجديدة بجنوب القاهرة، ففي الوقت الذي تتكدس فيه النساء حتى مطلع النهار على قوائم الانتظار في عيادة طبيب شاب لم يتجاوز الأربعين من عمره، تبدو العيادة المقابلة له والتي تمتلكها طبيبة في ذات التخصص خالية من الحالات باستثناء امرأة أو اثنتين ربما ذهبتا زهقا من الانتظار بعيادة الطبيب.

جلست أم حمادة، وهي امرأة ريفية بسيطة من قرية “سبك الضحاك”، إحدى قرى محافظة المنوفية بشمال القاهرة، تنتظر دورها في العيادة الممتلئة وتسأل المتواجدين عن الساعة.

تشير السيدة الخمسينية، إلى أنها ذهبت لطبيبة نساء بالوحدة الصحية في قريتها لشكواها من نزف رحمي، لكنها لم تتحسن وأصيبت بأنيميا حادة وفقر دم فاضطرت للمجيء لهذا الطبيب.

شعور الأنثى بالضعف يجعلها تسقطه بشكل لا إرادي على أشباهها من الإناث، وهو حصاد لتحقير المجتمع لها سنوات طويلة

وأوضحت أم حمادة لـ”العرب”، أن السيدات في قريتها مجبرات على طبيبة الوحدة الصحية، لكنهن لا يثقن في تشخيصها، بالرغم من أن القرية المجاورة لهن بها طبيبة متمرسة في تشخيص المرض وعلاجه، لكنها لا تقبل حالات خارج قريتها بسبب الضغط الشديد عليها.

وقال رامي رياض، استشاري أمراض نساء وتوليد، لـ”العرب”، إن أفضل الأطباء في مجال علاجات النساء والإخصاب والحقن المجهري وحتى الأورام الخاصة بالرحم، من الرجال، لطبيعة المهنة القاسية التي تتطلب ممارستها ساعات طويلة، حيث يستمر العمل أكثر من 16 ساعة متواصلة أحيانا، ما يستلزم مجهودا عضليا وجسمانيا وذهنيا كبيرا قد لا تتحمله المرأة.

بدأ حضور المرأة يتوسع في الطب النسائي منذ منتصف التسعينات تقريبا لكن ممارسة المرأة للطب كانت قبل ذلك بكثير، وتحديدا عام 1930 وكانت أول طبيبة معروفة في مجال النساء والتوليد هي هيلانة سيداروس بتشجيع من الدكتور نجيب محفوظ، أول طبيب لأمراض النساء والتوليد في مصر.

المشكلة أن بعض الطبيبات حبيسات المعركة “الجندرية”، ولم تخرج منها نحو آفاق أرحب، مما جعل تقدمهن محدودا، في حين أن هذا المجال يحتاج البحث والاطلاع المستمر.

أشار رياض، إلى أن اختيار المرأة لطبيب أو طبيبة قرار شخصي لا يحق لأحد مصادرته، والمشكلة أن المرأة عندما تختار مراجعة الطبيب لأنه أكثر خبرة تقول لأنّ “الطبيبات جزارات”، فالتعميمات التي تنطلق لتبرير الخيارات هي ما يُسيء للنساء لا الخيار بحد ذاته.

وترى سامية الساعاتي، أستاذة علم الاجتماع، أن المرأة في المجتمعات العربية، تعاني من التناقض والازدواجية بين ما تقوله وما تقتنع به وتمارسه عمليا، وهي تؤيد المساواة بين الرجل والمرأة، وعند التطبيق يستحضر ذهنها المخزون الثقافي الاجتماعي فتعيد الطبيبة المرأة إلى أدوارها التقليدية الضعيفة وتضع الرجل في مرتبة أعلى.

وأوضحت الساعاتي لـ”العرب”، أن فرص التعليم المتساوية لا تعني بالضرورة فرص الوصول إلى مواقع العمل نفسها، والقبول بدخول المرأة مهنة الطب لا يعني وصولها لمكانة أعلى من الرجل أو حتى مساوية.

عبر الرسام الإسباني، بيردل بوريل، في لوحته “الهروب من الإطار”، أنه عندما نخرج من الإطار الذي صنعوه لنا نندهش، ونندم على كل لحظة فُرض علينا عيشها بمُسمّى “الأُطر والتقاليد”. ويبدأ الهروب من الإطار بغربلة الأفكار والتقاليد الخاطئة المتوارثة، وعدم التقوقع داخل هذه الأطر وإخضاعها إلى مقياس الواقع وتغيراته.

الهروب من الإطار

الثقة في الطبيبات عند الضرورة
الثقة في الطبيبات عند الضرورة

يرى خبراء علم النفس، أن هناك معوقات تكونت لدى المرأة ترافقها دوما وتسيطر على تفكيرها. فقد يكون عند الفتاة أثناء طفولتها نسق من الأفكار والاتجاهات محوره وجود شخص قوي يدعمها ويحميها ويجعلها حبيسة ذلك الدور، فلا تعتمد على نفسها ولا على امرأة أخرى فهي “السندريلا” التي تنتظر النجاة على يد الشخص القوي، وهو الرجل.

وأكد هاشم بحري، أستاذ الطب النفسي، أن معارك المرأة تتلخص في الفكاك من الوعي الزائف وعقدة سندريلا والشعور بالاكتفاء، واقتناع المرأة بغيرها من النساء يستلزم تعرفها على ذاتها وخروجها من الإطار الذي صنعته لنفسها.

وشدّد بحري في حديثه لـ”العرب”، على أن شعور الأنثى بالضعف يجعلها تسقطه بشكل لا إرادي على أشباهها من الإناث، وهو حصاد لتحقير المجتمع لها سنوات طويلة، فجعلها لا تثق بنفسها في الأغلب، ومن ثم لا تثق في قدرات امرأة أخرى، وفقا لنظرية القهر الطوعي للذات الذي عانت منه.

ولا يستبعد أستاذ الطب النفسي، الجانب الفطري لميل المرأة للطبيب الرجل، فالفطرة جعلتها تثق بالرجل في ما يتعلق بصحتها لأنه سيكون أكثر حرصا عليها قائلا “الأقطاب المتشابهة تتنافر والمختلفة تتجاذب، ما أدى بالتماثل الأنثوي أن يتنافر لصالح التضاد الجنسي”.

وحذر من أن فقدان المرأة للثقة بنفسها وبنات جنسها، يعود عليها في نهاية المطاف بمزيد من التهميش والإقصاء، فكم من الطبيبات المتخصصات يملكن أضعاف الخبرة والكفاءة أكثر من نظرائهن الرجال، لكن التهميش والإقصاء وأدا موهبتهن.

والمرأة حين تحتفي بإنجازات طبيبة (امرأة مثلها) فهي توطّن المجتمع على قبول المزيد من الطبيبات الناجحات، وربما يساعد ذلك على تأنيث تلك المهنة كما كانت بالماضي، فثقة السيدة بنفسها وبنات جنسها، أفضل لها من شكوى ظلم المجتمع وإعادة إنتاجه ضد من هم أضعف منها من النساء.

20