امرأة تقاوم السلطة الذكورية القاتلة عبر تطبيق واتساب

"اللهيب" دراما تُسلّط الضوء على العنف ضدّ النساء في تركيا.
الجمعة 2021/02/05
المسلسل يركز على قضايا العنف الموجه ضدّ المرأة

تتخطى الأعمال الدرامية التركية الجديدة القوالب النمطية التي عرفت بها، خاصة في مجال دراما الإثارة وقصص الحب والعلاقات المتشابكة، حيث باتت أكثر اتجاها إلى نقد المجتمع وتعرية ممارسات السلطة، وكشف قضايا محورية هامة، ومن بينها العنف المسلط على المرأة الذي يشهد انتشارا متزايدا في ظل سلطة ذكورية.

لا تزال الدراما التركيّة بموضوعاتها المتنوّعة، تتربع على عرش المشاهدة، بقدرتها على التنافس في اجتذاب الجمهور سواء من تركيا، أو من البلاد العربيّة والأجنبيّة لمتابعة أحداثها، في ظل الانتشار اللامحدود لمنصات المشاهدة كنتفليكس وغيرها من منصات تحاول جذب الجمهور (المستهلك) بموادها البصرية، وهو ما يفسّر ظاهرة استمرار عرض البعض من المسلسلات لمواسم متعدّدة على نحو مسلسلات “قطّاع الطرق لن يحكموا العالم” (5مواسم)، و“الحفرة” (4 مواسم)، و“التفاح الحرام” (3 مواسم)، و“الطبيب المعجزة” (موسمان).

إضافة إلى هذه المسلسلات الممتدّة الأجزاء، دفع صُنّاع الدراما على الرغم ما سببته جائحة كورونا من توقّف للتصوير في الكثير من الأعمال، ببعض الأعمال الجديدة، فدخلت حلبة المنافسة واستطاعت -في وقت قصير- أن تستحوذ على إعجاب المشاهدين، داخليّا وخارجيّا، على نحو مسلسل “الحادثة” و“السد” و“حكيم أوغلو” و“الطفولة” و“جانبي الأيسر” و“العقرب” و“رامو” و“الخيانة” و“ابنة السفير” و“جبل جونجل”، وغيرها الكثير والكثير.

اللهيب الأسطورة

إلى جانب التوليفة التقليدية التي تتبعها الدراما التركية كعامل جذب، بتركيزها على المافيا والعصابات ورجال الأعمال والعلاقات المتعدّدة (المفتوحة) منذ مسلسلي “القبضاي” و“إيزيل”، فإنها أيضا تتماس مع الواقع الاجتماعي بكلّ قضاياه وإشكالياته، فلا تغضّ الطرف عمّا يُحيط به من قضايا مثارة بين أفراد المجتمع على اختلاف طبقاته الاجتماعيّة وأيديولوجياته.

ومن القضايا المثارة حاليّا، وقد أخذت بُعدا رسميّا بعدما صارت ظاهرة تؤرق المجتمع على كافة مستوياته، قضية العنف ضدّ النساء، والتي هي في اطراد وتوسّع كبيرين بين فئات مختلفة من أفراد المجتمع، وهو ما دقّ ناقوس الخطر بالتشديد على حملات التوعية التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني والجميعات النسويّة، التي تُناهض العنف ضدّ النساء، وتندّد بجرائمه الوحشية، ومن ثم تظهر شعارات “لا للعنف ضد المرأة” في التلفاز وفي الإعلانات وكافة وسائل الميديا.

المسلسل يكشف عن العنف الذي تُمارسه العقلية الذكوريّة ضدّ المرأة، من خلال أربع سيدات يتعرضن للعنف بطرق مختلفة

ويركّز مسلسل اللهيب (Alev Alev)، الذي تعرضه قناة SHOW من إنتاج شركة Ay للإنتاج، على قضية العنف ضدّ النساء بصورة مباشرة، وهو من بطولة جام بندر (في دور شلبي كايابيلي)، ودمييت إفجار (في دور جمرى كايابيلي)، وديلان شيشك دينز (في دور رؤيا)، وهازار إيرجوتشلو (في دور شيشك)، وزحلة أولجاي (في دور الطبيبة تومريس)، وبيرك أتاش (في دور أوزان)، وجيهان قر جيهان (في دور عمر أتلاي)، وقام بالإخراج أحمد كتاكتسز، أما كاتبة السيناريو، فهي لبورجو قورقون توباش، التي قدمت أعمالا ناجحة من قبل، منها “الشمال والجنوب” و“مد وجزر” و“الحب الأسود”.

مسلسل “اللهيب” هو في الأصل مقتبس من المسلسل الفرنسي “من بعد الحريق”، الذي تدور أحداثه في 1897 وعرض على شبكة نتفليكس، لكن تمّ تتريك النسخة لتلائم الأجواء التركيّة، وقد استفاد صُنّاع المسلسل من القضية التي يحملها الأصل وأحالوها على واقع تركيا، ومن شدّة الإعجاب بأحداثه صار المسلسل حديث شبكات التواصل الاجتماعي، فوُسم على تويتر بـ“اللهيب الأسطورة”، حيث حقّق نسبة مشاهدة عالية، احتلّ بها المركز الخامس في نسبة المتابعة.

يتناول المسلسل قصة ثلاث نساء: جمرى ورؤيا وشيشك، وهناك شخصية رابعة شمال، التي تفقد حياتها في الحريق، إذ تدوسها أقدام الرجال أثناء هروبهم، في إدانة لنذالة الرجال الذين كان منوطا بهم تأمين خروج النساء أولا، إلا أنهم يؤثرون أنفسهم، وهو ما حدث مع رؤيا وشيشك، حيث خطيب الأولى (إسكندر كايابيلي) تركها دون أن يمدّ لها يد العون، ودفع بالثانية في أتون الحريق، كي ينقذ نفسه.

 شخصية شمال (ابنة الطبيبة تومريس) التي ينتهي دورها في الحلقة الأولى، تُعاني هي الأخرى من سطوة زوج سيكوباتي (بولنت)، وهو ما كان له تأثيره السّلبي في إصابة ابنهما (أطلس) بإعاقة عدم النطق، مارس سطوته على أمها من أجل الحصول على مطامعه بابتذاذها بحرمانها من حفيدها (فالقانون يخوّل له استعادة الابن) مقابل الحصول على المال.

الأمومة ضد السلطة

 
Thumbnail

تظهر بشاعة الذكورية وممارساتها الفجة المستندة على النفوذ والمال، ضمن أحد خيوط المسلسل وعبر بطلته ديميت أفجار، التي تلعب دور جمرى، أمّ وزوجة لمحام ورئيس بلدية سابق، إلا أنه يُمارس العنف والسطوة عليها، فإضافة إلى إصابتها بأمراض نفسيّة بسبب الأدوية التي يُقدّمها لها، على سبيل إيهامها بأنها مريضة نفسية، وأنها حاولت الانتحار من قبل، كوسيلة لقهرها ورضوخها لسيطرته، إلا أنها في لحظة ما تنتفض وتقرّر الهرب.

وبالفعل تهرب ولم تستسلم لممارساته الترهيبيّة لإرغامها على العودة إليه، مُستغلا ابنتهما، فيحرم الأم من الابنة الصغيرة ذات الأعوام العشرة، إلا أنّ الأم تُدافع عن حقّها في أن تعيش طبيعية بعيدا عن الأوهام التي ملأ بها حياتها، فتخوض معركة جانبية لتثبت سلامة قواها العقلية، إلى جانب نضالها -وهي معركتها الأساسيّة- ضدّ بطش الزوج، بفضح ممارساته في حقّها وانحرافاته، مستغلا سلطته السابقة، في الصحافة والإعلام. عندما تذهب إلى قسم الشرطة توجه رسالتها إلى الإعلام قائلة “إنني لم آتِ لأسلم نفسي، بل لكي أحارب زوجي، ولن أكون أمّا تنتظر الموت أمام عيني طفلتي”.

المسلسل برمته يركز على العنف الذي تُمارسه الذكوريّة ضدّ المرأة، من خلال أربع سيدات كل واحدة منهن تتعرض للعنف ولكن بصورة مختلفة، أكثرها بشاعة هي شيشك التي يُلقي بها إسكندر خطيب صديقتها رؤيا في أتون النار، أثناء احتراق المخزن لينقذ نفسه.

مسلسل “اللهيب” مقتبس من المسلسل الفرنسي “من بعد الحريق”، الذي تدور أحداثه في 1897 وعرض على شبكة نتفليكس، لكن تمّ تتريك النسخة لتلائم الأجواء التركيّة

أما الفتاة الثالثة (رؤيا) فتتعرض للعنف عن طريق خطيبها إسكندر، الذي تفتقد فيه الرجولة، فتتركه، عنذئذ يقرر الانتقام منها عن طريق والدها، بفسخ التعاقدات مع شركته، مما يعرضه للإفلاس ويقررالانتحار إلا أن ابنته تنقذه، وتبدأ حياة جديدة ولكن من الصفر بعدما كانت ألفت حياة الرفاهية.

وإلى جانب التركيز على قضايا العنف الموجه ضدّ المرأة، وقدرة السلطة بكافة أذرعها للحيلولة دون وصول صوت المرأة المقهور إلى أصحاب الشأن، فإن المسلسل يشير إلى أن ثمة منافذ أخرى لها القدرة على توصيل صوت المرأة وتبليغ رسالتها، فالمسلسل يمنح وسائل التواصل الاجتماعي هذا الدور المهم، فجمرى عندما تصدّى زوجها لتصريحاتها، وحال دون وصولها إلى الصحافة، تلجأ عبر صديقتها رؤيا إلى تقنية الواتساب لتوصيل رسالتها إلى الجميع، وهي الرسالة التي كان لها صدى كبير.

 لم يقف الأمر عند الإبلاغ عبر الواتساب، وإنما في الاستقبال والاستجابة كدعم للقضية، وهذه حيلة مهمّة تلعب عليها الدراما التركيّة حيث مشاركة النجوم لبعضهم، والتنويه إلى أعمالهم وأدوارهم داخل أعمالهم، فرسالة جمرى يستقبلها الممثل باريش فالاي والذي يلعب دورا محوريّا في مسلسل “اتصل بمدير أعمالي”، ويظهر في المسلسل بشخصيته الحقيقية ضمن حلقة المسلسل داعما لجمرى، ويرد على رسالتها بالفيديو، قائلا “قرأت خبرا جعلني أخجل من كوني رجلا” مضيفا “تمرد جمرى كايابيلي مزق قلبي”.

وبالمثل ظهرت الممثلة داملا سونماز بطلة مسلسل “الحفرة”، وهي في غرفة الماكياج تُشاهد الفيديو، وبعد المشاهدة قرّرت مشاركته على حسابها الخاص، وقالت “إن لم أشارك الفيديو لدي فسأتعرض أنا مُستقبلا للعنف، فعندما نسكت يظنون أن الساحة فارغة”، وأكملت “طالما أننا نقف وراء بعضنا البعض، فلن يحدث شيء لأي مِنّا” وهي العبارة التي صارت وسما على تويتر.

يُلمِّـح المسلسل إلى ما تتعرض له السلطة الرابعة (الصحافة) من مضايقات وتقييد لحريتها من أصحاب النفوذ والسلطة بآلاعيبهم القانونية وغير القانونية، لمنعها من مواصلة رسالتها في مواجهة الفساد والنفوذ والاستبداد، وجرائم نهب الآثار، في إشارة رمزية إلى ما تعانيه السلطة الرابعة، وحرية الرأي من انتهاكات ومضايقات داخل تركيا.

15