امرأة في رئاسة الولايات المتحدة: هل تغير مسارات السياسة الأميركية

المجتمع الأميركي يبدو من أكثر المجتمعات في العالم تحضرا وتطورا ومناصرة لحقوق المرأة وتكريسا للمساواة، إلا أن الواقع والدراسات والبحوث العلمية والاجتماعية تجمع على أنه مجتمع مازال يخضع لمعايير تمييزية ضد النساء على أساس الجنس، وأهمّ إثبات لذلك أن الرجال فقط هم من تربع على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض منذ تأسيس الولايات المتحدة الأميركية، حيث قام الرجال فقط بإدارة وصنع القرار في سياساتها الداخلية والخارجية، كما سيطر العنصر الرجالي على أغلب وأعلى المناصب الحكومية والسياسية وهو ما جعل ترشح هيلاري كلينتون للانتخابات الرئاسية القادمة يثير بعد الجندر ويطرح قدرة المرأة على إدارة أقوى دولة في العالم اليوم.
الأحد 2016/02/21
هل ينتصر الناخب الأميركي لتمكين كلينتون من أقوى منصب سياسي في العالم

تظهر آخر استطلاعات الرأي التي قدمتها كل من مجلة “الإيكونمست” و”يوغفرمنت” الشهيرتين أن ثلثي الأميركيين مستعدون لانتخاب امرأة رئيسة وتظهر الدراسة أيضا أن الناخب الأميركي يؤمن بقدرة المرأة على اتخاذ القرارات الصعبة حتى العسكرية منها، وتم تسجيل ارتفاع مستمر في نسب المؤيدين لتولي المرأة منصب الرئاسة خلال الفترة ما بين عامي 1996 و2007 وهي نسب تعد أكثر من تلك المسجلة في فترة الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي.

ويعتقد أن هذا التغيير قد ظهر في فئة النساء أنفسهن حيث أظهرت العديد من استطلاعات الرأي والدراسات للإجابة على سؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية مستعدة لانتخاب امرأة رئيسة لأميركا فارقا بسيطا جدا بين الرجال النساء يقدر بـ1 بالمئة إذ أن 66 بالمئة من الرجال يؤيدون انتخاب امرأة مقابل 67 بالمئة من النساء يعتقدن أن أميركا مستعدة لتواجد امرأة في مكتب البيت الأبيض.

ولم تحسم نتائج الدراسات واستطلاعات الرأي الجدل الذي تثيره مسألة رئاسة امرأة للولايات المتحدة الأميركية في الأوساط السياسية والإعلامية والفضاء العام وحول ترشيح هيلاري كلينتون نفسها للانتخابات الرئاسية لعام 2017، ليعيش الناخب الأميركي على وقع حملات وصراعات انتخابية قبل موعد الانتخاب بشهور، وقد انطلقت هذه المعركة الانتخابية من الفترة الراهنة بصراعات عنيفة من جانب المرشحين.

هل تغير المرأة أميركا

كما أن إعلان كلينتون إقدامها على خوض المعركة الرئاسية للمرة الثانية رغم خسارتها قبل سبع سنوات أمام الرئيس أوباما، أخذت أبعادا وقراءات متعددة لأسباب كثيرة منها عدم استسلامها للخسارة في عام 2008، ومواصلتها السعي نحو منصب الرئاسة عبر العمل بتبني استراتيجية جديدة في إعادة ترتيب أوراقها الانتخابية التي تعدّ من بين أهم نقاطها مشاركتها في العمل في إدارة أوباما كوزيرة للخارجية وفي ذلك نيتها في التركيز على النجاح الذي حققته في إدارتها لعجلة السياسة الخارجية الأميركية.

فوز هيلاري كلينتون ودخولها الجناح الغربي للبيت الأبيض كأول امرأة تتولى منصب الرئاسة في تاريخ أميركا الذي قارب على قرنين ونصف القرن منذ تأسيسها هو فوز بطعم مختلف عن الديمقراطيات الأخرى في أوروبا وغيرها

لا جدال في ريادة هيلاري كلينتون وقدرتها على صنع واتخاذ القرارات الصعبة، فهذا ما بدا جليا في مسيرة عملها السياسي والحكومي وأثناء تقلّدها لعدد كبير من المناصب السياسية. وترى الناشطات النسويات والسياسيات من الفئة (المتقدمة في السن) في الحزب الديمقراطي أن فوز كلينتون يعد الفرصة التاريخية لتحقيق ما حلمن به وناضلن من أجله لعقود.

وكانت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت قد أدلت بتصريحات نارية في الصدد تطالب فيها كل النساء الأميركيات بدعم كلينتون (المرأة) التي ستصنع التاريخ النسوي الأميركي في حال فوزها بالبيت الأبيض حيث قالت “هناك مكان خاص في الجحيم للنساء اللاتي لا يساعدن النساء الأخريات” كان التصريح ردا على خسارة كلينتون للأصوات النسائية في ولاية نيو هامبشاير لفائدة منافسها بيرني ساندرز. هذه التصريحات النارية أثارت حفيظة عدد كبير من النساء وخاصة بين الشابات اللاتي نجح ساندرز في استقطابهن.

وسارعت الكاتبة جيل نيوتن سمول، التي نشرت كتابا مؤخرا بعنوان “التأثير الواسع: كيف تغير المرأة الأميركية أميركا”، بنشر مقال في مجلة التايمز تنصح فيه المرشحة بإعادة صياغة خطابها والتوجه للنساء وللشابات والتحدث معهن عن نضالها النسوي بلغة شبابية، مثل كسر النمطية في اللباس، وارتداء السروال أثناء تأديتها للعمل السياسي وعن إنجازاتها التي تهم الشباب والفتيات وتتطرق إلى الصعوبات التي اعترضتها في هذه المسيرة إما على المستوى المحلي أو العالمي مع التركيز على الدور الذي لعبته في صناعة ثورة في عالم السياسة الأميركية.

فوز هيلاري كلينتون ودخولها الجناح الغربي للبيت الأبيض كأول امرأة تتولى منصب الرئاسة في تاريخ أميركا الذي قارب على قرنين ونصف القرن منذ تأسيسها هو فوز بطعم مختلف عن الديمقراطيات الأخرى في أوروبا وغيرها. وتقول جاي نيوتن سمول لـ”العرب”: إن سجل أوروبا النسوي معروف وإن النساء وصلن إلى أعلى مناصب السلطة في الدولة مقارنة بأميركا مشيرة إلى رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر والحالية الألمانية أنجيلا ميركل، مؤكدة في المقابل أن هناك اختلافا في قواعد اللعبة الانتخابية في أميركا عنها في النظام البرلماني حيث يقترع الناخب حزبا ثم يرشح الحزب الفائز من يمثله في الدولة. أما في أميركا فإن جميع أفراد الشعب يشاركون في العملية الانتخابية وهم مدعوون للإدلاء بأصواتهم وآرائهم حول المرشح.

القدرة على القيادة أم التضامن على أساس الجنس
تباين الآراء السياسية حول ترشح هيلاري كلينتون لخوض معركة الانتخابات الرئاسية لا يحجب صورتها كانتخابات مختلفة عن سابقاتها بشكل واضح بسبب إثارتها للعواطف النسوية وسيطرة قضية الجندر على الانتخابات والإعلام بين جميع الفئات العمرية في أميركا بشكل خاص والعالم بشكل عام.

وأوضحت دراسة لمركز “المرأة الأميركية والسياسة” التابع لمعهد إيغلتون للسياسة في جامعة روتجرز، أن أكثر النساء المنتخبات في المناصب السياسة في المجتمعات الديمقراطية كأميركا، وبغض النظر عن الانتماء إلى أحد الحزبين الرئيسيين الديمقراطي أو الجمهوري، فإن هؤلاء السياسيات يضعن قضايا المرأة والطفل دوما على رأس أولوياتهن في الخطط أو الأجندة السياسية.

وفي تصريح لـ”العرب” قالت مديرة مركز المرأة الأميركية والسياسة، التابع لمعهد إيغلتون، ديبي والش، إنه في حال فازت هيلاري كلينتون في الانتخابات فإنها ستضيف إلى المعادلة السياسية الأميركية ميزات جديدة ورؤية أقوى عن منافسيها الرجال وستمثل عدسة مغايرة تنظر من خلالها إلى زوايا مختلفة لقضايا عامة مثل الصحة والبيئة والاقتصاد.

وأكدت والش أن خبرة كلينتون في مجال السياسة وصنع القرار ضخمة نظراً إلى تاريخها والمناصب التي شغلتها كسيدة أولى عن ولاية أركنساس وسيدة أولى للولايات المتحدة وكسيناتور في مجلس الشيوخ وكوزيرة للخارجية. ما تستطيع تقديمه المرشحة كلينتون هو الانتباه والوعي والآثار المترتبة على كونها امرأة تقود السياسة الأميركية وهذا ما سيجعلها متميزة حسب تعبير والش.

ورغم فشل المرشحة كلينتون في استقطاب الصوت النسوي الناخب من فئة الشابات ورغم ما يعانيه المجتمع الأميركي من تمييز قائم حتى اليوم على أساس الجنس، فإن الرهان ما يزال قائما على أن انتخاب كلينتون لن يكون على أساس أنها امرأة بل على أساس معايير مثل الكفاءة والمهنية والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة.

هذا ما أكدته سارة السيد، وهي عضو في الحزب الجمهوري ومديرة في منظمة إيمرج أميركا عن ولاية فيرجينيا وهي تعمل على تنظيم وتوعية الناخب الأميركي المسلم.

وفي حديث لها مع “العرب” صرحت سارة أنه ليس من المهم أن تفوز أول امرأة برئاسة أميركا ولكن المهم فوز الأكثر كفاءة على أداء العمل وأن يكون الحكم على سياسات المرشح ككل. واعتبرت السيد سياسة كلينتون غير مختلفة عن سياسة الرئيس أوباما التي اتسمت بالليونة والدبلوماسية في القضايا التي احتاجت إلى الحسم مثل الأزمة في سوريا والحرب على الإرهاب وبعض القضايا الاقتصادية، قائلة “إنه من الضروري النظر على أساس البراغماتية والواقعية وليس النوعية”.

ورغم اعتبار المحللين والخبراء بأن المجتمع الأميركي مازال يعاني من التمييز على أساس الجنس، إلا أن موقف الناخب الأميركي من هيلاري كلينتون لا يعير لهذه المسألة انتباها كبيرا، وإنما ينظر إليها على أساس أنها من أقوى السيدات في العالم وفي أميركا، ويركز على كونها محبوبة من قبل عامة الشعب، كذلك يحكم عليها من خلال الإرث الذي تحمله من فترة رئاسة زوجها ومن أدائها كوزيرة للخارجية، بالإضافة إلى ما يتعلق بفضائح البريد الإلكتروني وما نجم عنها من تهديد للأمن القومي، ناهيك عن شهرتها وذياع صيتها ووجودها تحت الأضواء والإعلام لأكثر من 30 عاما.

تاريخ المرأة في السياسة الأميركية

في بداية القرن العشرين لم تكن النساء جزءاً من العملية السياسية في الولايات المتحدة الأميركية وكنّ يعاملن على أنهن مواطنين من درجة ثانية. ولم تتمتع المرأة في تلك الفترة بأيّ حقوق ولا بحماية قانونية، وكان مصيرها مرتبطا بشكل كبير بالأحوال الشخصية وتحديدا بالزواج، حيث كانت بلا هوية قانونية مستقلة عن زوجها، وليس لديها الحق في تحديد النسل أو في الإجهاض ولا في رفع الدعاوى القضائية ولا في التملك أو ممارسة أيّ مهنة.

بالإضافة إلى حرمانها من المشاركة السياسية والإدلاء بصوتها كناخبة أو تقديم الترشح أو العمل في هيئة المحلفين، وتبعا لذلك فلا حق لها في تقلد أيّ مناصب عامة، بل عانت من التمييز على أساس الجنس ولم تعتبر مواطنا عاديا بموجب الفقرة الرابعة عشرة من الدستور الأميركي الذي يكفل الحماية المتساوية للأميركيين في ظل القانون غير أن المرأة عوملت على أساس أنها فاقدة للأهلية.

ولكن بمرور الزمن تراكمت نتائج العمل النسوي الثوري، واستطاعت المرأة في الولايات المتحدة أن تحقق تقدما في فترة قصيرة وتتخطى الكثير من الحواجز التي كانت تحول دون مشاركتها في جميع جوانب الحياة العامة والعمل السياسي وأن تكون عنصرا فاعلا في قوى العمل وتمارس جميع المهن وتلعب أدوارا هامة في وسائل الاعلام والقضاء وتصل إلى أن تكرس على أرض الواقع قدرا كبيرا من المساواة بينها وبين الرجل لكن ليس بشكل كامل وخاصة على صعيد المساواة في الأجور.

تعزيز حضور المرأة في الفضاء العام

بالنظر إلى تركيبة المجتمع الأميركي نلاحظ أنه يضم مجموعة من المكوّنات المختلفة على أساس العرق والطبقة والدين والمنطقة والجنس، لذلك يتضاءل شعور تضامن ومساندة النساء لبعضهن بعضا ولا ينظرن إلى أنفسهن على أساس الاشتراك في الهوية الجنسية بغرض توحيد الصفوف ضد ما واجهنه من اضطهاد وتمييز عبر التاريخ مقارنة بالمجتمعات الأخرى المتعاضدة مع بعضها ومنها الأميركيون من أصول أفريقية.

وشهد القرن العشرين مراحل هامة من العمل والنشاط النسوي أسست للحركة النسوية الأميركية واتسمت هذه المراحل إما بالعمل الثوري الواضح والمباشر والذي عرف برفع الأصوات والعمل المنظم بشكل كبير بين السيدات المتعلمات، وكذلك العمل الهادئ والمقسم بين مجموعات صغيرة.

ولكن النساء لا يختلفن في الرؤية ولا في الهدف، المتمثل في الوصول إلى المشاركة الكاملة في الحياة العامة وفي السياسة الأميركية، فتحققت الاهداف إما عن طريق رفع النساء على الصعيد المحلي للخطوط الحمراء التي تحول دونهن ودون حقوقهن أو من خلال تحديد الأولويات وخلق أشكال للعمل السياسي خارج الساحة الانتخابية، وذلك عبر إنشاء الجمعيات التطوعية وبناء المؤسسات التي تستجيب للاحتياجات الاجتماعية التي لم يتم تلبيتها من قبل.

وعملن أيضا على دعم فرص الفتيات في التعليم وبذلن جهودا في إصلاح منظومة العمل، إلى أن تمكنّ من وضع أسس لحركة “اقتراع الرأي العام”، التي طالبت بمعظم حقوق المرأة الأساسية كمواطنة، ونجحن عن طريق هذه الحركة في ضمان حق المرأة في المشاركة في الحياة المدنية كفرد مستقل في المجتمع بدلا من أن تكون ممثلة من خلال مشاركة زوجها أو والدها.

وبعد أن ضمنت الأميركيات حقوقهن في المواطنة الكاملة، شرعن في التغيير الجذري للسلوك الاجتماعي الذي من شأنه أن يقصي النساء في ظل تنامي قوة حركة الاقتراع النسائية المنبثقة عن الوعي الجماعي النسوي والتي نتج عنها إنشاء الجمعيات النسائية التي تركز على تطوير حضور المرأة في الفضاء العام وفي العمل المدني، وكذلك في مجالات العمل وفي الاقتصاد وفي مواقع التسيير واتخاذ القرار، وعلى الرغم من سيطرة المتعلمات من النساء البيض على حركة الاقتراع، إلا أنها أصبحت حركة جماهيرية استطاعت توحيد الجهود والأهداف بين جميع الطبقات العاملة والفئات من أصول أفريقية التي تتميز بأجنداتها السياسية الخاصة بها.

إعلامية سورية

20