امرأة قابلة للترميم

النماذج التي تروجها المسلسلات والأفلام ما هي إلا أفكار تخص مؤلفيها ولو نظرنا بعين محايدة فسنجد كثيرات ناجحات رغم الصعاب ومطلقات قررن خوض معارك الحياة وحيدات ومعيلات يتحملن أعباء أسر حال مرض الزوج أو هروبه من المسؤولية.
الاثنين 2019/06/10
قدرة على الإمساك بزمام الأمور

امرأة قادرة على ترميم قلبها وروحها واستعادة ثقتها بنفسها ومواجهة عثرات الحياة دائما، هي امرأة قوية بلا شك.

تختلف صديقتي وزوجها معي في أن المرأة الآن لا تحمل من صفات أمهاتنا الكثير، وأن الجيل الحالي لا يملك ما يقدمه لأسرته من تضحيات ومسيرة كفاح حتى تصل سفينته لبر الأمان. وشككا في قوة بنائها النفسي وتكوينها الفيزيولوجي، وعدّدا صفات تدور مجملها في كونها ضعيفة هشة لا تعيش دون رجل، خاصة وأن كثيرات يتوفى أزواجهن أو يطلقن ويعاودن سريعا لمواصلة الحياة مع زوج جديد.

أؤمن بأن المرأة كائن قوي ومتماسك للغاية بعكس ما يشكك البعض في قدرتها على قيادة مسيرة الحياة، وقوية بما يكفي لمواجهة الصعاب لكنها لا تستدعي قوتها إلا عند الحاجة، وأن النماذج التي تروجها المسلسلات والأفلام ما هي إلا أفكار تخص مؤلفيها، ولو نظرنا بعين محايدة فسنجد كثيرات ناجحات رغم الصعاب ومطلقات قررن خوض معارك الحياة وحيدات ومعيلات يتحملن أعباء أسر وأطفال حال مرض الزوج أو هروبه من المسؤولية مع إلقائها على عاتق المرأة وحدها بضمير هادئ مستريح، نائم في براءة طفل أحرق ما حوله وهو يظن أنها لعبة إشعال الثقاب.

مات أبي شابا، كانت أمي في ريعان الشباب، جميلة ما لبثت أن خلعت رداء الفرح الذي ارتدته لعشر سنوات فقط هي عمر حياتها الزوجية، ترملت في الثامنة والعشرين من عمرها، وجدت نفسها وسط خمسة أطفال، أكبرهم لم تكمل عامها التاسع بعد، وصغيرتهم رضيعة.

 كانت البلاد تتعافى من سنوات حروب أنهكت قواها، تهدم البيت في الحرب، وضاع كل ما لديهم وما تركته لهم العائلة، ولم تعوضهم عمليات إعادة الإعمار في مدينة الإسماعيلية شيئا لما كان عليه من قبل، إذا لن تستند الأرملة الشابة على ميراث تنفق من عوائده على صغارها.

إضافة إلى حرمانها من ميراث كبير لموت زوجها قبل أبيه، ناهيك عن منغصات حياتية أخرى أغرقتها في مشكلات متوالية لم تكد تفرغ من إحداها حتى تنغرس قدماها في الأخرى، فضلا عن شبابها وجمالها اللذين جعلاها مطمعا للكثيرين. كان لأبي مشروع صغير نهبه القائمون عليه.

طالبتها جدتي فيما يشبه الأمر بالزواج عصمة لها من ألسنة لن ترحمها، لكنها أصرت على استكمال المشوار وحدها، قالت لها جملة فاصلة: الزواج لمن ليس لديها زوج، لكن زوجي يحيى في ذاكرتي ولن أخونه بالغيب.

في حين تحاول البلاد لملمة جراح الحرب ومواصلة البناء، كانت أمي على الجانب الآخر تسعى إلى ترميم جراحها، تحاول إصلاح ما تهدم في قلبها، تعيد بناء ما انكسر، وترأب صدع جروح الروح.

تتلقى الصدمات تباعا، لكنها ما تلبث أن تنهض من عثراتها وتتعافى سريعا، كانت لديها صديقات حقيقيات، دعمنها في الكثير من المواقف وحين اتخاذ القرارات المصيرية الهامة. صنعت ميراثا موازيا، وحصلنا جميعا على مؤهلات عليا وعملنا في مهن جيدة. كان بيتنا ملاذا لأبناء العائلة وأذن أمي تستمع بحب لمشكلاتهم. وهذا النموذج يمكن تعميمه على نساء كثيرات.

 في رؤية تحليلية بسيطة ندرك بجلاء أن المرأة التي تتعرض لهزيمة نفسية أو جسدية أو مادية، تحظى بالدعم الواسع من محيطها المجتمعي، وبصفة خاصة بنات جنسها، تصل لدرجة من التعاطف والمؤازرة بما يفوق الخيال، لاسيما حال الضرر النفسي، ذلك أنه يحتاج مزيدا من الجهد لإصلاحه، يتطلب اعتمادا على الذات، فهذا الضرر غير المرئي أصعب بكثير من الضرر الجسدي المنظور والقابل للإصلاح والتجميل والتكميل بواسطة الغير، دعما إيجابيا بما يقوي من شخصيتها وينعش حظوظها في حياة سوية.

ذلك الدعم الذي يقدم للنساء مجانا، وربما يطلبنه ممن حولهن، في حين يتعفف عن طلبه الرجل، يجده انتقاصا لرجولته وتقليلا من شأنه.

في كثير من الحالات يموت الرجل أو يختفي، يضيع دوره لسبب أو آخر فتستمر الأسرة ككيان قائم بذاته، لا تنقطع الزيارات العائلية ذلك أن هناك من يحافظ على كيان البيت، لا تنطفئ الأنوار ولا المواقد، لا تنكفأ القدور ولا تطوى الموائد، لكن تظل الحياة في سريانها، ويجري نهر الحياة في أمواج متدافقة متدافعة.

 بيد أن موت المرأة يؤدي إلى انهدام الأسرة وتحطيم الكيان كلية، لا يقوى الرجل على متابعة دقيقة متأنية لأسرة وأبناء، قد تتفكك كثيرا من الأسر حال موت الأم، ولا يعد الزواج بأخرى حلا في بعض الأحيان، لما تلعبه زوجة الأب من دور لا يخلو من قسوة تجاه أبناء الزوج.

لست متحيزة في كلامي هذا ولكنها الحقيقة، المرأة تنبض حياة رغم الصعاب، بعضهن يتخلين عن ملامح نفسية وصفات قد تظهرهن بمظهر الضعف في مقابل سرعة التئام الجروح وإعادة الترميم، فثمة اختلافات بيولوجية وتشريحية بين الرجل والمرأة.

21