امرأة هزت قلبي

الاثنين 2016/07/18

تطايرت بعض شعيرات ناعمة على الوجه الصغير يداعبها النسيم ويعبث بتنسيقها داخل ضفيرة واحدة خلف الرأس، وسنوات عمر لا تتعدى الرقم القابع بين الثمانية والعشرة، وفتاة يجرجرها أبوها خارج “أتومبيل” فاخر يلقي بها إلى مدرسة فرنسية داخلية بحي الزمالك الراقي هي “المير دي ديو” لتتلقى تعليمها على أيدي سيدات اللجيون دونور الراهبات.

تركت الطفلة ثريا يوسف عطاالله يد أبيها المحامي القبطي بعد أن تركت حضن أمها خريجة المدرسة الأميركية هناك في صعيد مصر بمدينة ملوي وانتزعت الصغيرة من حياة الأسرة والدفء العائلي لسبب لم تعلمه حتى تاريخ وفاتها في 22 ديسمبر 2002، ألقى الأب ببضعة جنيهات إلى إدارة المدرسة تكفي مصروفات الصغيرة حتى إتمام الشهادة الثانوية “البكالوريا”، تركها ورحل، غاب وسط عالم انقطعت علاقتها به أعواماً طويلة.

لم تكن طفلة عادية فقد تفجرت موهبتها التمثيلية الفريدة على مسرح المدرسة، وبعد دراستها الثانوية التحقت بمعهد السينما والتقت بأستاذها زكي طليمات الذي غير مجرى حياتها مثلما غير اسمها ليعلن ميلاد نجمة جديدة هي “سناء جميل” المبدعة المسرحية وهانم السينما المصرية، ولكنها ضحت بالكثير من أجل حلمها فقد طردها شقيقها من منزله بالقاهرة في يوم عاصف في تاريخ مصر وتحديداً في 26 يناير عام 1952 “يوم حريق القاهرة” فحفر ذلك التاريخ لديها مجرى للدمع لم يجف مطلقاً فكان آخر عهدها بأسرتها بعدما ضاعت ملامح أبيها منذ أن تركها طفلة ولم يسأل عنها طوال سنواتها، أحست اليتم دون أن تدرك سببه وماذا فعلت حتى تتركها أسرتها هكذا مضرجة في أحلامها، في أحزانها.

حركت تلك المرأة قلبي وأنا أعيد قصة حياتها وذكرياتها وأسرار دفنتها في قبر الروح، في حواري مع زوجها الكاتب الصحافي الرائع لويس جريس، دخلت البناية الفارهة التي كانت تسكنها على نيل القاهرة بحي غاردن سيتي من باب خلفي داخل مأوى السيارات بعد أن هددت أحداث مصر المضطربة حياً هادئاً في قلب العاصمة، فتعجبت من مسكن كان يضج بالحياة والفن فتحول مدخله الرئيس إلى “قبو”!

تزدان جدران منزلها بأروع صورها وتعبيرات وجهها المتأرجحة بين الحزن والسعادة، امرأة قوية لم تركن لظروف قاسية لم تخترها وكان من الممكن أن تجعل منها فتاة عادية لا تصلح لغير الزواج وإنجاب الأطفال وطهي البط البلدي والإوز والحمام المحمر، وضعت هدفها نصب عينيها وأقسمت ألا تتخلى عنه، اختارت شريك حياتها وبدأت علاقتها به “بثلاثة تعريفات” (التعريفة عملة مصرية قديمة تساوي نصف قرش والقرش 1%من الجنيه)، كانت قوية لتختار، متفتحة الذهن لدرجة تجعلها لا تخاف النقد في مجتمع منغلق، اختارت الفن وطنا وعائلة وأهلا حتى أنها خافت الإنجاب حتى لا تخسر الفن في معادلة بلا معطيات غير تجربة الممثلة نعيمة وصفي التي تركت الفن أو تركها بعد الإنجاب وترهل الجسد، حتى زوجها المحب الرائع تفهم مشاعرها واحتواها فوافقها الرأي في كل شيء.

امرأة بحق لا تسع مشاعرها وفنها وأمومتها المسفوحة على أقدام قلعة الفن، وموقف أسرتها العجيب وسرها النازف دائماً، سطور مقال ولا دفتا كتاب، امرأة نالت ما نالت من نقد ومديح، تجاهل وتكريم، إغراق وحرمان، حب وكراهية وشماتة، عاشت الحياة بما يناسبها وحدها طرزت عمرها بالأحلام وقطفتها زهرات ومحطات صنعت لها تاريخا، لم تبك أسرة لفظتها لشارع أحمق ومصير مجهول ولم تنظر خلفها لحظة.

كاتبة من مصر

21