امرأة وواقع جديدان

الرواية النسوية السودانية تخلصت من تهمة اللصيقة بكتابة المرأة عموما، والتي تصفها بأنها "كتابة الجسد"، حيث تعدد القضايا الحيوية التي طرحتها المتون الروائية.
الأحد 2019/01/13
معظم الدراسات النقدية أسقطت منجز المرأة السودانية الكتابي (غرافيك "الجديد")

واجهت الرواية النسوية العربية عموما، والسودانية خصوصا، إشكاليات عدة منذ مرحلة التأسيس، لا تبدأ بالتهميش الذي لاقته على مستوى التلقي، أو حتى النشر، حيث تأخرت نتاجات المرأة عن صنوها الرجل وإنما أيضا واجهت قضايا مُلحّة تتصل بالتعليم ودور المرأة في المجتمع، اختبرت بها ذاتها، وقدرتها على الصمود في المواجهة.

 واللافت أن الرواية النسوية السودانية تخلصت من تهمة اللصيقة بكتابة المرأة عموما، والتي تصفها بأنها “كتابة الجسد”، حيث تعدد القضايا الحيوية التي طرحتها المتون الروائية. تطمح هذه القراءة إلى تسليط الضوء – ولو قليلا – على الكتابة النسوية في السودان، وإظهار خصوصيتها التي وضعتها على جادة مدونة السرد العربي والعالمي كما فعلت بعض الكاتبات مثل ليلى أبوالعلا التي تكتب باللغة الإنكليزية.

غابت الرواية السودانية عن مدونة السّرد العربيّة لفترات طويلة، لأسباب لا مجال لحصرها هنا. وكذلك غابت كتابات المرأة السودانية كثيرا عن المشهد الإبداعي العربي. ولا نعرف هل كان هذا الغياب عن عمد أم لا! العجيب في الأمر أن معظم الدراسات النقدية التي تناولت الكتابة النسوية العربية، أسقطت منجز المرأة السودانية الكتابي.

تهميش وإقصاء

للتدليل على التعنت المشار إليه يكفي الإشارة إلى كتاب “100 عام من الرواية النسائية العربية 1899-1999” لبثينة شعبان. فقد تناولت فيه كتابات قطاع عريض من الكاتبات العربيات، لكن لم تتطرق – ولو بالإشارة – لأي تمثيلات لكتابات المرأة السودانية.

وتكرّر الأمر في كتاب الناقد نزيه أبونضال، “تمرد الأنثى: في رواية المرأة العربية وببلوغرافيا في الرواية النسوية العربية (1885 -2004)”. فقد قدّم المؤلف تمثيلات للكتابة النسوية من كافة الأقطار العربية، مستثنيا السودان. وهذا الإغفال والتهميش يضعان تساؤلات من قبيل: لماذا أُسقطت الرواية النسوية السودانية؟ أو هل الشرائط التي وضعت في الكتابين كمعوّل للاختيار لم تنطبق على الرواية النسوية السودانية؟ العجيب أن نزيه أبونضال في الببلوغرافيا التي ذيل بها كتابه أشار إلى خمس كاتبات من السودان دون أن يتطرق لنصوصهن بالتحليل.

والكاتبات هن: آمال عباس العجيب (روايتان: عود الكبريت، الجواد والسيف المكسور، د.ت، وهذا للأسف خطأ كبير، حيث هذان العملان لا ينتميان لجنس الرواية، فالأصل أن آمال العجيب هي صحافية رائدة، وقد وصفها نجيب محفوظ بأنها السودانية الواعية، وما كتبته عبارة عن حكايات اجتماعية، نُشرت متفرقة في الصحف، ثم جمعت تحت إطار قصصي مجازًا) وبثينة خضر مكي (أغنية النار، د.ت) وبشرى هباني (مسرة 1989) (والحقيقة أن الدكتور بشرى هباني رجل وليس امرأة كما زعم نزيه أبونضال، وله العديد من القصص منها: الصديقان، وإعدام بحر، البحث، برميل القمامة، محاكمة دانيال بوت، وابن الشيخ، بالإضافة له مسلسل إذاعي بعنوان للقمر وجهان) وزينب بليل (الاختيار، 1984) وملكة الدار عبدالله (الفراغ العريض، 1970)، وملكة الفاضل عمر (الجدران القاسية، 1999).

مرحلة التحوّل فتبدأ من زمن التسعينات وصولا الى الألفية الثالثة. وفيها زاد التراكم الكمي، وتنوّعت أسئلة المتون الروائية وأشكالها الجمالية

بصفة عامة دخل الفن الروائي إلى السودان بفعل حركة التواصل مع مصر. والمتأمّل لمسيرة الرواية السودانية منذ مرحلة البدايات، يكتشف أولا، أن ثمة رابطا بين نشأة الصحافة والكتابة. فالصحافة كانت نافذة مهمة للكتابة في تلك الفترة المبكرة. وثانيا، أن نتاجات المرأة لم تنفصل أو حتى تأخرت عن نتاجات رديفها الرجل المُبكرة. فثمة مَن يرى أن كتابات المرأة في السودان، كانت سبّاقة أو تواكبت مع كتابة الرجل وإن كانت تأخرت نسبيّا في النشر.

تعدّ رواية “الفراغ العريض” 1970، للكاتبة ملكة الدار محمد عبدالله (1920 – 1969)، من الروايات الرائدة على مستوى الكتابة فقد كتبت الرواية أوائل الخمسينات، وصدرت في عام 1970 متأخّرة عن زمن كتابتها قرابة العقدين. وهذا التاريخ السبّاق يؤكّد شيئيْن؛ الأوّل أن المرأة بدأت مُبكرا تُدرك الانتقاص من ذاتها عبر أفعال ذكورية تحصرها في دور الخادمة، والتابعة… إلخ؛ ومن ثمّ اتجهت إلى التعبير عن الاحتجاج على هذه الممارسات الذكورية والاعتداد بذاتها، والدفاع عن قضاياها مبكرا، وبالاعتماد على صوتها الخاص.

لذا وعت المرأة لدورها في تسليط الضوء على قضايا الواقع الاجتماعي، وعلى قضايا المرأة خصوصا. وثانيا أن روح الكتابة والقضايا التي انشغلت بها الكاتبات في السودان لم تنفصل عن ذات القضايا التي كانت محور الكتابة في العالم العربي من مشرقه إلى مغربه. وهو ما يُعزِّزُ بأن السودان لم يكن مُنفصلا ثقافيا عن العالم العربي، بل كان متلاحما، حتى في القضايا الجوهرية التي تناولها الكُتّاب أو الكاتبات على حدّ السواء؛ كقضايا الهجرة، والرأي وحرية التعبير وكذلك الكتابة عن المهمشين في المجتمع، وإن كانت بصيغة سودانية محلية.

بدايات وانقطاعات

ومع هذه البداية المبكرة، إلا أنّ ثمّة فترات انقطاع في الكتابة النسوية، أشبه بحالة سبات طويل. وهو الأمر الذي يدفع بالتساؤل عن أسباب انقطاع كتابات المرأة، وخفوت صوتها الروائي – تحديدا – في فترة الخمسينات، باستثناء كتابات تنتمي إلى القصة القصيرة. كما هو ظاهر في كتابات القاصة آمال عباس العجيب، والقاصة آمنة أحمد المعروفة بآمنة بنت وهب، والقاصة سلمى أحمد البشير.

واستمرت الندرة في الكتابة النسوية – تحديدا- طيلة سنوات الخمسينات إلى الثمانينات من القرن الماضي، حيث حدثت طفرة عالية مقارنة بالعقود السّابقة، فظهرت كتابات روائية لأسماء كثيرة كـ: زينب بليل في “الاختيار” و”كش ملك” و”نبات الصبار”، وبثينة خضر مكي في “أغنية النار” و”صهيل النهر” و”حجول من شوك”، وملكة الفاضل في “جدران قاسية”، و”في مكان ما”، وكذلك نائلة فزع في “الموت في زمن العشق”.

أما مرحلة التحوّل فتبدأ من زمن التسعينات وصولا الى الألفية الثالثة. وفيها زاد التراكم الكمي، وتنوّعت أسئلة المتون الروائية وأشكالها الجمالية. اللافت أن بعض الكتابات لم تتخلص من موضوعات البدايات وطرائق الكتابة الكلاسيكيّة أيضا. وهذا لا يقتصر على الرعيل الأوّل من الكاتبات، بل يمتد الأمر إلى جيل ما بعد الألفية كما في نموذج “الملكة وصبي الأفيون” 2019، لسارة عبدالمنعم.

ومن الكاتبات اللاتي يدرجهن النقاد في مرحلة التحول؛ عايدة عبدالوهاب في “ضحك من قلب الجنوب”، وغادة عمر الشيخ في “قطرات متناثرة”، وليلى أبوالعلا في “المئذنة” و”المترجمة” و”حارة المغنى”، و”منزل في مكان آخر”، ونفيسة الشرقاوي أم أحمد (حيث أصدرت مجموعات قصصية منها “شموع تحترق”، و”عادت الغربة”، و”تباشير”، و”همسات الوجدان”، و”كان الحديث همسا” و”خلجات”)، وأميمة عبدالله في “ذاكرة مشلولة” و”أماديرا”.

لوحة أمل بشير
لوحة أمل بشير

، وهبة عوض في “امرأة بين العقل والقلب”، ورانيا مأمون في “فلاش أخضر” و”ابن الشمس”، وسارة فضل في “رسائل من فيكتوريا”، وشامة ميرغني في “موانع الزمن وجوزيف ملاح البنات”.

ومع الألفية الجديدة ظهرت أسماء مثل سارة حمزة الجاك والتي قدمت العديد من الأعمال تجمع بين القصة والرواية مثل «صلوات خلاسية، وخيانتئذ، وكمبا والسوس» وتماست كتابتها مع قضايا الواقع الاجتماعي السّوداني، وهناك أيضا آن الصافي في أكثر من عمل “فُلك الغواية”، و”جميل نادوند”، 2014، و”توالي”، 2015 و”قافية الراوي”، 2015 و”كما روح”، 2016، و”إنه هو”، 2017. وإشراقة مصطفى حامد، وهي شاعرة وكاتبة ومترجمة لها العديد من الأعمال مثل “أنثى الأنهار.. من سيرة الجرح والملح والعزيمة”، 2015، و”الدانوب يعرفني.. الوجهُ الآخر لسيرة الأنهار”، 2017. وهناك ليلى صلاح في “الغابة السرية.. وقائع من حكاية الوجع والجنون”، وسوزان الكاشف “إيرات” و”توابيت عائمة” وإيمان المازري في “حياة” 2017 و”هويتي الأخرى” 2018.

جاءت كتابات المرأة على اختلاف زمنيتها، أشبه بمحاولات “للرد على الإقصاء والغبن الذي مُورس على المرأة في مجمل العلاقات النفسية والأخلاقية” كما تقول نجاة إدريس إسماعيل. فالكتابات أظهرت أن ثمة انتهاكا مَقيتا مورس على جسد المرأة. وجسّدت سارة حمزة الجاك في “خيانتئذ” لهذا عبر شخصية فضيلة عيسى عبدالرحمن، حيث تآمر الجميع عليها، بسبب نفوذ عائلة السيد عمر الإمام، فصدر حكم القاضي عليها بأن تُشنق في وضع مقلوب “رأسها إلى أسفل، وجسدها إلى أعلى، في وضع مقلوب بحيث أن يكون رأسها بين ثدييها المتدليين، وتكون جميعا بين ذراعيها المعلقتين، وتنفتح ساقاها كزاوية منفرجة، عارية بلا ثياب” (الرواية، ص 15).

وتمثّل الانتهاك الأعظم للمرأة في الغبن وسلبها حقوقها لمجرد الاختلاف الأيديولوجي، كما في نموذج سماح بطلة “خيانتئذ”، التي تُمنع من استلام خطاب تعيينها كمساعدة مدرس في الجامعة لأنها من غير “الموالين للحزب الحاكم” وتنتمي إلى ذوي الآراء المناهضة للنظام، إلى جانب تسليط الضوء على هذه الانتهاكات التي تعرّضت لها المرأة.

كان ثمة اهتمام بقضايا السياسة وانعكاس تأخّر المسار الديمقراطي على الواقع السوداني بكل جوانبه، كما عبرت بثينة خضر مكيّ في “أغنية النار“. فصورة المرأة التي قدمتها، لم تكن تلك المجضهة أو الكسيرة. وإنما المرأة الواعية بذاتها وباستقلالها، ورغبتها في البحث عن صوتها الخاص بالكتابة. بصفة عامة تشير الدكتورة سعاد مسكين في كتابها “خزانة شهر زاد – الأنواع السردية في ألف ليلة وليلة” إلى “حكاية الساردة الأنثى وتموقعها داخل البنية السردية السودانية” وفي نفس الوقت أشارت إلى “أن السرد النسوي السوداني يحتاج مراجعة، ومع استثناء الاحتراف الكتابي المتمثل في تجربة ‘ليلى أبوالعلا'”.

الحلم بامرأة جديدة

ما القضايا التي ناقشتها الكتابة النّسوية السُّودانية؟ وهل كانت الكتابة النسوية تَسعى للحلم بامرأة جديدة، تلاحق حركة التغيرات في المجتمع، أم أن رهانها خاب بسبب تغلغل الذكورية في بنية المجتمع السوداني من جانب ووقوف السلطة بمفهومها الحقيقي وأيضا بمعناها الأيديولوجي من جانب آخر كحاجزين ضد تطلعاتها وآمالها؟

في الحقيقة الإجابة عن مثل هذه الأسئلة تتطلب قراءة وافية وتتبعا لكافة الكتابات النسوية على امتداد تاريخ الكتابة. وأيضا تتبع مراحل التحوّل والتغيير في بنية المجتمع، وانعكاساتها على الحراك الأدبي. وهذا الرصد سيكشف عن صورة المرأة كما جسّدتها المرويات النسوية من جانب وتحليل العلاقة بين الاطراد الكمي على النتاجات النسوية، والتمثّل لتقنيات جديدة على مستوى الكيف، من جانب ثان.

 لذا، تسعى هذه المقاربة النقدية وفقا لطموحها الأكبر، إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، عبر اختبار وفحص قطاع من قطاعات الرواية السودانية ألا وهو “السرد النسوي السوداني”، تمتد من الجيل الأول وصولا إلى جيل الألفية الجديدة. واعتمدت الدراسة على مبدأ الانتخاب والفرز للنصوص، لكل ما يتصل بموضوع الدراسة.

رواية "الفراغ العريض" 1970، للكاتبة ملكة الدار محمد عبدالله (1920 – 1969)، من الروايات الرائدة على مستوى الكتابة فقد كتبت الرواية أوائل الخمسينات، وصدرت في عام 1970 متأخّرة عن زمن كتابتها قرابة العقدين

فالتزمت تنحية ما هو مكرّر على مستوى الموضوعات، واستبعاد الضعيف. آملة في الوصول إلى رؤية شبه شمولية، لا حصرية، تهدف في نهاية المطاف، إلى إبراز ملامح وخصوصية هذه المدونة السردية، من جانب ومن جانب ثان إبراز كيف استفادت هذه المدونة السّردية أولا من الميراث العريض في كتابة المرأة في السودان، وغيرها. وهو ما كان بمثابة المؤنس والداعم لها في رحلتها الكتابية. وثانيا في تجاوز هذا الميراث على مستوى الكتابة وفي استحضار تقنياتها الجديدة التي تتلاءم مع روح العصر الحداثية، والتطورات العالمية للرواية والكتابة بصفة عامة.

تتأتى الكتابة النّسوية السودانية من حيز سوسيولوجي (اجتماعي – سياسي). يعني بالتعبير عن طموحات الكاتبات ورؤاهن للعالم. وهو ما أنتج “موجة ثالثة” في الرواية السودانية على حد تعبير منصور الصويم. وقد اصطدمت هذه الكتابات بقمع الأنظمة الدكتاتورية تارة والدينية تارة أخرى.

ومن ثمّ طرحت الرواية أسبابا جديدة للهجرة ليس بسبب العمل كما كان سابقا، وإنما بسبب أن الأوطان لفظت أبناءها، لتوحش آليات وأدوات أجهزتها القمعية بتعبير ألتوسير. فكانت الهجرة أشبه برحلات الموت في “توابيت عائمة”، بغرض تحقيق الأحلام والتحرّر من الخوف الذي هو قاهر الأحلام فـ”الموت هو الموت…. في الغابة أو في عرض البحر أو في بطن الصحراء” (ص 34)؛ علّ الأحلام كما تمنت الساردة أن “تعبر بكم إلى حياة الحياة، الحياة ولا شيء غيرها”.

كما يمكن القول مع أحمد عوض خضر في ورقته التي قدّمها في المؤتمر العلمي السابع للرواية المصاحب لجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي إنه كان ثمة وعي حقيقي “بقضايا النوع الاجتماعي عبر الكتابة الروائية للمرأة السودانية وكيف تتكوّن ذاكرة النص أو الكتابة بهذه المفاهيم لدى المرأة السودانية”، كما يشير إلى “أن الخطاب الروائي النسوي لم يكتف بالنظر إلي وضع المرأة وصورتها في المجتمع السوداني فحسب؛ بل يمكن لنا أن نشير إلي أن هذا الخطاب هو منشور ضدّ القهر ونوع من التمرد على الثقافة الذكورية فقد تجاوز الخطاب الروائي النسوي عبء هذه الوظيفة، ولم تعد الكتابة مجرد صرخة احتجاج ضد حرمان المرأة من حقوقها في التعليم أو العمل، أو دعوة للتمرد على القيم المجتمعية التقليدية”، أو حتى بأنهن يطرحن قضايا ذات طابع سيري أو قضايا شخصية حول الحب والزواج والأطفال والأسرة.

لوحة محمد عبدالرسول
لوحة محمد عبدالرسول

ومن ثم تخلصت الرواية في رحلة صعودها من الصورة النمطيّة المتكلّسىة للمرأة المنكسرة الموجوعة من خيانات الرجل، وصارت قوية لا تقف عند هذه الانكسارات، بل تجاوزت طعنات وخيانات الرجال، كما فعلت دارية بطلة رواية “الغابة السرية” لليلى صلاح. فالبطلة التي عادت إلى السودان، بعد اكتشاف خيانة زوجها لها، تفتح عبر أناتها ورويها غابتها السرية، والإخفاقات التي مُنيت بها. واستطاعت أن تكتشف ذاتها وتعيد علاقتها بالسودان الأرض والوطن.

قوة المرأة التي بدأت تتضح ملامحها في مرويات متعددة أخذت ثيمة تمرد المرأة والذي يصل إلى العصيان من أجل إعلان حبها كما فعلت عفاف في رواية “ابن الشمس” وقد تحولت إلى “نمرة شرسة، وهي تدافع عن حبها. فهربت مع الشاب الذي تحبه، ثم تزوجته عن طريق المحكمة غصبا عن أهلها الذين رفضوه عندما تقدم لها” (ص 124)، وإن كانت هذه الصورة نادرة، إلا أن هذه الندرة لا تلغي تحقّقها.

إن التحول الخطير في صورة المرأة المتصالحة والمروِّضة والمتمردة، يكمن في صورة المرأة النمرة، التي تقتص لشرفها من الذكورية، دون أن تـأبه بالعقاب. وهذه الصورة نلمحها في شخصية فضيلة محمد عيسى في رواية “خيانتئذ“. فعمر الإمام الذي هام بها وهي من غير طبقته، وتحايل لمواقعتها عبر وضع المخدر لها، فما أن اكتشفت ما فعل بها، حتى قررت الانتقام منه. فغافلته ظنّا منه أنه خدرها كما يفعل في كل مرة، لكنها استطاعت أن تقطع قضيبه. وبقدر ما كان الأمر فاجعا، كان إشارة على قوة المرأة التي صارت عليها عبر هذا المشهد “مات عمر الإمام وقضيبه بيد فضيلة” (ص 131).

وهذا الفعل يعد تطورا لافتا في هذه العلاقة الأبوية التي وصل مداها إلى فصل مكان الرجال عن النساء في البيت “لأن الاختلاط حرام“. ولا ننسى أن كتابات المرأة تحرّرت من الانشغال بذاتها أو ما يتمحور حول المرأة في إطارها العام. ونحت منحى آخر حيث شملت من جملة اهتمامها لقضايا الواقع، وتعقيداته، قضايا الهجرة والاغتراب في الكثير من المرويات.

 وقد جاءت باعتبار الهجرة هي الملاذ والجنة، بل بما تواجه المغترب من إكراهات وضغوط، وعنصرية مقيتة، على نحو ما فعلت سوزان كاشف في “توابيت عائمة”، وليلى أبوالعلا في “منزل في مكان آخر”. وتعرض ليلى أبوالعلا عبر ثلاث عشرة حكاية، للكثير من المشكلات والمخاوف التي تواجه المغتربين، خاصة وهم قادمون من بلاد المشرق في بلاد المغرب. كما تشير إلى حالة الضياع والتشتت التي يبدو عليها المهاجرون. كما تسرد عن علاقات الانحراف على مستوى الذكور والإناث. وهو ما يبيّن أثر قلق عدم الانتماء وثقافة الخواء.

تسعى هذه المقاربة النقدية وفقا لطموحها الأكبر، إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، عبر اختبار وفحص قطاع من قطاعات الرواية السودانية ألا وهو “السرد النسوي السوداني”، تمتد من الجيل الأول وصولا إلى جيل الألفية الجديدة

 تتشكل ملامح جديدة للمدينة عبر هذه المرويات. قد تبدو في صورة نقيضة لتلك التي كانتها أم درمان في “الفراغ العريض“، بل توصف بالمتضائلة الجمال كما في “أغنية النار” (1999) مقارنة بـ”الترف الجمالي وكرنفالات الفرح المجنون بعشق الطبيعة الثرية الرائعة” (ص 30)، في الريف اللندني والمدينة بشوارعها المتلاصقة والمزحمة.

 وأحيانا في صورة المدينة القابضة على روح أبنائها، وأشبه بالجدران العالية، كما عند ملكة الفاضل. فالمدينة عبارة عن “شوارع صامتة ووجوه متجهمة وحر لافح يضفي على الوجوه المزيد من الضيق والملل” (ص 130). وكذلك في صورة تلك المتسخة الشوارع، والبائسة كما في “ابن الشمس″، إلى صورة المدينة المنفرة والطاردة، كما رسمتها سوزان كاشف للخرطوم في “توابيت عائمة” حيث بدت المدينة “ليست قاسية الملامح فقط، فهي شديدة البأس أيضا؛ فشمسها اللاهبة تكاد تغلي مخي وأنا عاجزة عن أي رد فعل تجاه ذلك. وجوه كالحة مهزومة، هدها الفقر والمرض. ترهلت المدينة، ملأ الفقر أغلب البيوت التي كانت آمنة، تفشت البطالة وأصبحت كغول يخيف الشباب من الخريجين الذين لا علاقة لهم بالسلطة التي كانت تستأثر بكل شيء”. (ص 52).

هذا التحوّل يشي بالصورة الأقسى والأنكى على النفس كما في “المدينة الفاسدة” على نحو ما نرى في “خيانتئذ” لسارة الجاك. فالكاتبة تصور العالم السفلي، المسكوت عنه؛ حيث تجّار المخدرات وحفلات الدعارة، وصولا إلى المتاجرة بالحيوانات المنوية.

 ويزداد المشهد رعبا بتصوير الأفلام الإباحية التي تنتشر في سوق السينما في هذه الجزيرة، وصولا إلى الصورة المرعبة، بعدما اكتست ملامحها بهوية جديدة جعلت منها أشبه بمدينة الخوف. فصار الخوف من البوح بالعزف على العود، غالبا على الشخصيات، حتى ولو لم يكن في السودان نفسه. كما حدث مع والد عواطف وزوجها في القاهرة فـ”كانا يعزفان العود في ليالي سمرهما السرية جدّا في القاهرة” ولكن ما إن “تذكرها أحدهما كمنولوج داخلي يرتجف من أن ينكشف سرها” (ص 17) بسبب ما صبغت به المدينة من أيديولوجيا دينية متشدّدة.

الغريب أن هذه الأيديولوجيا لم تمنع الفساد أو الفجور حيث العالم السفلي الذي يجتمع فيه رجال ونساء من كافة الطبقات الاجتماعية “لا يحبون الالتزام الاجتماعي” فينشدون الجزيرة “يبحثون عن حرية لا مكان لها إلا في أذهانهم وخيالاتهم المريضة” (ص 30)؛ لذا يلتزمون بقوانين الجزيرة، من قبل أن تطأها أقدامهم.

 حالة السوء التي تفشت في المدينة، جعلت منها مدينة لافظة لأبنائها. فما أن يجدوا البديل حتى يقرروا عدم العودة كما حالة صلاح في الجدران القاسية، عندما سافر إلى الدولة الخليجيّة للعمل، فما أن يصله خطاب أبيه ويحثّه على العودة يقول في مرارة “لا يا أبي، فأنت وأمي وأخواتي وأهلي، ستظلون الواحة التي ألجأ إليها كلما اشتدّ قيظ مشاعري، ولكن أنا نفسي لم أعد نفسى. أنا ذلك الغريب في بلدي”. وإن كانت ثمة نغمة تكشف هذا الشتات بين الهنا والهناك “نحن نتفرق بإهمال، في منزل هنا، ودار هناك” وهذا الشتات لا يمنع اللوذ بتراب الوطن “نحن في بياتنا الشتوي، نستدفئ بتراب الأرض”. (ص 100).

منذ رواية “الفراغ العريض” (1970) لملكة الدار محمد، وجل الكتابات النسوية السودانية مشغولة بالواقع الاجتماعيّ القاهر، وعراك المرأة من أجل الظفر بحقوقها، علاوة على رصد التحولات الاجتماعية والفكرية والسياسية في المجتمع السوداني. كما أولت اهتماما في أحد جوانبها بقضايا ذات أهمية، على مستوى التكوين الثقافي السوداني، طفت على السطح بإلحاحٍ – وإن كان مُبكّرا – على نحو الاهتمام بقضايا التعليم، وتحرّر المرأة، وانخراطها في قضايا وطنها، كالتحرر والسعى إلى الاستقلال.

وفي مرحلة لاحقة كانت الرواية تعبيرا عن وعى المرأة بذاتها، وانعكاس هذه الذات في الكتابة. فركزت الروايات – في الكثير منها – على دور المرأة المتعلّمة. وقدمت صورة لهذا النموذج الفاعل وإن كان مجهضا بفعل الوصايا الذكورية، على نحو شخصية منى بطلة رواية “الفراغ العريض” ونموذج فاطمة بطلة رواية” الجدران القاسية” التي رفض أعمامها استكمال تعليمها، وأصروا على تزويجها بابن عمها. كما تمثلت لوضعية المرأة في فترة الاستعمار، فلم تغفل ملكة الدار لوضعية المرأة الريفية المزرية في حُقبة الاستعمار.

لوحة محمد عبدالرسول
لوحة محمد عبدالرسول

بطلة الرواية، منى (التي تتقاطع مع شخصية المؤلفة ملكة الدار في الكثير من جوانبها) تُمارس وظيفة تعليمية. وعبر هذه الشخصية استطاعت المؤلفة أن تقدم مشكلة وجودية مرتبطة بالأنثى وتصوُّرها لذاتها ولواقعها وللثقافة السائدة المكرسة للسلطة الأبوية وتأثيرها السلبي على واقع المرأة (إرغام منى على الزواج من سيد وهي لا تحبه) ومستقبلها برفض سيد استكمال سارة لتعليمها. أحال هذا الواقع القاهر شخصية سارة لأن تتخبط في فراغها الداخلي.

الغريب أن القضايا التي طرحتها الكاتبة مبكرا، مازالت مطروقة وتُناقش في كافة المحافل الدولية والمحلية، التي تتعلّق بالمرأة ووجودها، وهو ما ليس مقتصرا على السودان وحده، بل هو قاسم مشترك في كافة الأقطار العربية. وهي رؤية مبكرة لطبيعة دور المرأة في المجتمع. فمع التغيرات التي حدثت في المجتمع السوداني إلا أن التحولات لم تكن بالمعنى المرجوء والمنشود. فقد كانت سلطة الرجل وإرادته هي الحاكمة، في مقابل انصياع المرأة له. فبطلتها “منى” صبية قروية ونازحة إلى المدينة.

وقد سعت المؤلفة من خلال بطلتها منى إلى تعرية بنية الذكورة في المجتمع السوداني، وفداحة تأثيرها على أفراد المجتمع. فالأب غائب عن البيت للعمل في التجارة، ولم يبق منه سوى الذكرى فكما تقول البطلة لصديقتها “لم يعد الأب بعد رغم مضي ثماني سنوات على فراقه لنا وهو يا صديقتي يتراءى لي دائمًا” (ص 6).

أما سلطة الأب المفتقدة، فتنتقل إلى أهله حيث ترتحل البنت وأمها إلى أم درمان لتعيش مع جدّها وأعمامها وأبنائهم. وينوط بهم عقابها كما حدث مع سيّد الذي ضربها ضربا مُبرحا، حينما اكتشف علاقة أخته سارة بصديقه صلاح، بعدما وجد الهدية فـ”هجم عليها وهوى بكفه على صدغها يصفعها مرة ومرة حتى سقطت على الأرض فتركها ليتحول الى أختيه يصفعهما ويضربهما بيديه ورجليه، ويقذف ثلاثتهن بكل ما تصل إليه يداه” (ص 25).

وعندما تشتكي منى لأمها تبررّ فعلته بأن سّيدا هو الحامي بما يتملكه من صفات تجعل المرأة مُنصاعة له. فمع أنه لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره إلّا أنه “يفيض حيوية ويفيض جرأة واعتدادا. إذا تكلّم تعمّد الجدّ والعبوس، وإذا تحرّك أظهر الشدّة والخيلاء. يحاول دائما أن تبدو على وجهه الصرامة والحزم”. يمتلك من الصفات التي تجعله الحاكم والنساء تنصاع له، فهو “الحفيد البكر، والولد الأوحد الذي تفخر به الأسرة وتنتظر على يديه خير المستقبل وعزته”. ومن ثمّ يهيئه الوضع الاجتماعي المفرط في ذكوريته لهذا الدور بوصفه حاميا للمرأة، ويمتلك سلطات حتى لو تعارضت مع رغبات الأنثى.

 فيسعى سيد عقابا لأخته لحرمانها من الدخول إلى كلية المعلمات، فكما تقول الدكتورة ناهد محمد الحسن، هذا السيّد يتقدّم بصرامة لمعاقبة شقيقته لتجرّأها على الشعور بالحب فيحرمها من حلمها بدخول كليّة المعلّمات، الذي عكفت سنوات للحصول عليه. وحسمت الجدّة النقاش بقولها “إنّ سيّدا أعطى كلمة رجل، وهي أنّه لو التحقت سارّة بالمعهد أو بأيّ مدرسة بعد اليوم ليخرجن من هذه الديار ويقطع كلّ صلة له بهذه المدينة، ومن أنتن حتى نضحّي بسيّد من أجل إرضاءكن؟ إنكن مجتمعات لا تساوين قلامة من ظفره” (ص 21).

في الحقيقة، قدمت المؤلفة في صورة بطلتها منى نموذجا للشخصية المتصالحة وأيضا المتماسكة بعيدا عن التمرد، وأيضا المتوازنة نفسيّا على الرغم من غياب الأب. ويشير النور عثمان أبكر إلى أن طقس التضحية بالأب المتوازي بالغياب، حيث طبيعة بطلات قصص ملكة الدار يغلب عليها عنصر البطلة المرأة التي لا عائل لها إما بموت وإما هجرة. ويفسر هذا الأمر بأنه بمثابة محاولة من ملكة الدار “لتحقيق السعي الروحي لبطلاتها حيث تتراخى قبضة الأبوية.. كما هو رغبة لاواعية في غياب السلطة الذكورية التي تقف حجر عثرة أمام تطور المرأة وحريتها”.

وتماشيا مع هذه الصورة المثال للشخصية المرأة البطلة سعت المؤلفة إلى الترويض الوجداني لذاتها لتتقبّل السّيد ابن عمها الذي ترفضه، ولكن قُهرت وأجبرت عليه. فوفقا لقول الأب تعقيبا على مبررات رفضها بأنه أخوها من جانب، ومن جانب ثان فهي لا تستطيع أن تتحمل تصرفاته، إلا أن الأب يرفض أسباب الرفض قائلا “لا أولا ولا ثانيا، لقد انتهى الأمر وارتضيناه كلنا، وليس هناك من الرجال من يعرف قدرك ويحفظ حقوقك مثل ابن عمك سيد” (الرواية، ص 76).

ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة  "الجديد" الشهرية الثقافية

12