امرأة يلاحقها شقيقان في الخفاء

"الرجل الخفي" شخصيات معطوبة نفسيا في دائرة الانتقام، الإيقاع السريع والتحوّلات المفاجئة منح الفيلم الكثير من عناصر التشويق والإتقان في بناء الأحداث.
الاثنين 2020/04/06
امرأة وحيدة في مواجهة مصير مجهول

تغيير المصائر ومسار الأحداث والسيطرة على أفعال الآخرين ثيمات اشتغلت عليها سينما الخيال العلمي بما يضمن تفوّق طرف على طرف آخر. ويندرج ذلك أيضا في إطار ما نطلق عليه القدرات الخارقة لشخصيات دون أخرى، بما في ذلك تجاوز حدود الزمان والمكان والتمكّن من قهر الخصوم أيا كانوا.

 يستند فيلم "الرجل الخفي" للمخرج الأسترالي ليغ وهانيل، والذي أصبح جاهزا للعرض في الصالات الآن، إلى قصة سينمائية فيها الكثير من التداعيات النفسية وكذلك مشاهد العنف والقتل، بالاعتماد على شخصيات ذات قدرات خارقة لأجل الوصول إلى حالة التفوّق وتأجيج الصراعات.

ومنذ المشاهد الأولى سوف نكتشف مكانا غرائبيا تم بناؤه بعناية فائقة، حيث تنهض سيسيليا (الممثلة إليزابيث موس) من نومها، كي تبدو حجرة النوم مكانا مفتوحا على البحر، ثم تتوالى الأماكن المفتوحة على الخارج والدهاليز الطويلة، بينما الفتاة تسير بحذر وهلع في محاولة للهروب.

تهرب سيسيليا من زوجها دون أن نعلم لذلك سببا واضحا، وتلتجئ إلى منزل صديقها المقرب جيمس (الممثل ألديس هودج) الذي يعيش هو وابنته، ثم تصلها رسالة بعد حين، مفادها أن زوجها أدريان (الممثل أوليفيه جاكسون كوهين) قد مات منتحرا، لننتقل مباشرة إلى مكان لقائها بشقيقه الذي يُبلّغها بأنها سوف تحصل على دفعات مالية تصل إلى مئة ألف دولار شهريا لعدة سنوات من إرث الزوج المنتحر، بشرط أن لا ترتكب جريمة.

شخصيات ذات قدرات خارقة لأجل الوصول إلى حالة التفوّق وتأجيج الصراعات
شخصيات ذات قدرات خارقة للوصول إلى حالة التفوّق وتأجيج الصراعات

ومع ذلك، فالحياة الهانئة المُفترضة لسيسيليا لن تتحقّق بعد رحيل الزوج الذي كانت تكن له كرها شديدا، وهو الذي كان يستعبدها ويُعاملها بطرق مُهينة لا تخطر على بال.

تقتنع سيسيليا أن زوجها لم يمت وأن بإمكانه أن يظهر في أي وقت، حتى أنها تشعر أنه من حولها يراقبها ويراها ولن يتركها تعيش بسلام.

تتطوّر الأحداث إلى درجة أنها تُتّهم بضرب ابنة صديقها الذي أواها فيطردها من المنزل، وصولا إلى قتل شقيقتها دون إرادة منها، إذ هناك من وضع السكين في يدها وأجبرها بالقوة للوصول إلى رقبة الشقيقة، ليكون من نتائج ذلك حرمانها من المال.

ينتهي الأمر بسيسيليا إلى أن يتمّ زجها في مصحة للمجانين. لكنها سوف تصطدم بالحراس وتوقع بهم إصابات قاتلة، مع أن بعضهم شاهد يدا خفية غير مرئية تحمل السلاح وتقتل، كما أن امرأة ضعيفة لا تمتلك كل تلك القوة.

تتعقّد الدراما الفيلمية في مزيج من العنف والرعب وما هو لا مرئي. لكن سيسيليا تقود الدراما بامتياز بقناعتها التامة أن بإمكان زوجها أن يفعل كل شيء وأنه يقف وراء كل هذا البلاء.

بالطبع سوف يعيدنا هذا الفيلم إلى فيلم آخر من أفلام الخيال العلمي الشهيرة والذي حمل نفس العنوان عن قصة للكاتب المعروف أج جي ويلز وأخرجه جيمس ويل، والذي أنتج في العام 1933 ، من بطولة غلوريا ستيوارت وكلود رينس، وكأن هذا الفيلم تحية لتلك الذكرى في بواكير سينما الخيال العلمي.

الحاصل أن أدريان، عالم الاتصالات الشهير من فرط ذكائه وشخصيته السيكوباثية لن يتخلّى عن فريسته ويُجنّد شقيقه لإكمال المهمة، وبدل ارتداء طاقية الإخفاء كما في الفيلم المصري الشهير للمخرج نيازي مصطفى ومن إنتاج خمسينات القرن الماضي، فإن أدريان يكون قد طوّر بدلة إخفاء لا يمكن لقدرات البشر البصرية رؤيتها.

ووفق هذه الخطوط السردية المُتشابكة سوف تمضي مقدرات الشخصيات ومصائرها المجهولة فيما تكافح سيسيليا لمواجهة محنتها، وهنا ثمة تقاطعات تتعلّق بالخط السردي الذي تمثله العلاقة الإشكالية بينها وبين زوجها من جهة وبين الزوج وشقيقه من جهة أخرى، ثم ليدخل الثلاثة في تلك الدائرة السردية المغلقة كل منهم يبحث لنفسه عن حل ما.

رجل خفي يسعى لاستعباد أرملته
رجل خفي يسعى لاستعباد أرملته

هذا التشعّب في الدراما الفيلمية والسرد الفيلمي أضاف له الإيقاع السريع والتحوّلات المفاجئة عناصر جمالية إضافية، مما منح الفيلم الكثير من عناصر التشويق والإتقان في بناء الأحداث.

في المقابل، بدا ذلك المكان العجيب الذي يعيش فيه أدريان غرائبيا بالكامل وهو يُكمل غرائبية الشخصية نفسها، وهذا التكامل نادرا ما نجد المخرجين يولون له اهتماما مع أن دراسات علم النفس الاجتماعي تربط المكان بالشخصية بشكل مباشر، بل إن المكان يكشف الكثير عن طباع الشخصية وسلوكها ودوافعها.

الانتقالات المكانية في تلك الدوامة المكانية كانت كافية لأن تكون ميدان مواجهة أخيرة بين سيسيليا وأدريان وهو ما سوف يقع بالفعل، إذ تعمد سيسيليا بذكاء إلى صب الطلاء مرة وغبار مطفأة الحريق مرة ثانية، وكلتا الحالتين كانتا كافيتين للكشف عن الجزء المخفي من أدريان ومن ثم إطلاق الرصاص عليه، ليظهر أنه قد زجّ بشقيقه في تلك المهمة وأنه متآمر معه على سيسيليا.

على صعيد آخر، تتّسع دائرة الدراما بالنسبة لأدريان فيقرّر الإجهاز ليس على سيسيليا لوحدها بل على صديقها الضابط جيمس، ولهذا كان لا بد من أن تقع المواجهة في منزل هذا الأخير، وهو ما سيكون كفيلا بإنهاء تلك الدائرة الإشكالية من القتل والانتقام بانكشاف أدريان -أنه لم يكن ميتا قط- ومقتل شقيقه.

16