امرأتان أوروبيتان ورجل في بلاد العرب

الأحد 2014/05/25
مصر في القرن التاسع عشر كانت قبلة الرحالة الاوروبيين ومعبرا للمغامرين الطامحين في الوصول إلى مكة والمدينة

أغرت المنطقة العربية الرحالة الغربيين على اختلاف غاياتهم وأهداف رحلاتهم وجنسياتهم للقدوم إليها بهدف الاكتشاف والتعرف إليها ودراسة مجتمعاتها ومعتقدات سكانها وطبيعتها الجغرافية، وكان بعضها عبارة عن مغامرة خاصة، بينما كان البعض الآخر منها لأغراض سياسية، وهي الرحلات التي كانت مدعومة من دول هؤلاء الرحالة تمهيدا لمشروع الاستعمار الذي كانت تخطط له، لكن سحر الشرق وبساطته جعلت العديد منهم يعبرون عن هذا الانجذاب والافتتان الذي عاشوه أثناء تجولهم في تلك البلاد فدوّنوها في كتاباتهم التي سجلت وقائع لتلك الرحلات. ومن بين هذه الرحلات رحلة الزوجين البريطانيين ثيودور ومايبل بِنِتْ إلى جنوب الجزيرة العربية (حضرموت وجزيرة سقطرى) بتشجيع من الحكومة البريطانية آنذاك، والذي صدر ضمن سلسلة رواد المشرق العربي التي تصدر عن هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة.


رحّالة معلنة


يعتبر الزوجان بِنِتْ أول أوربيين يسافران إلى هذه المنطقة دون أن يضطرا إلى التخفي، إلا أن ذلك لم يمنع من مواجهتهما للعديد من المصاعب أثناء تلك الرحلة. ورغم ذلك فقد أنجزا تلك الرحلة وكان للوصف الذي قدّماه لجنوبي جزيرة العرب أجمل ما تضمنته الرحلة، إضافة إلى أنه الأول الذي قدم صورة مقروءة عن الحكومة والمناظر المدهشة والعمارة والحياة الاجتماعية بما فيها العادات وأزياء المنطقة والطب الشعبي. لكن قبل استعراض وقائع ما دونته الزوجة مايبل في هذا الكتاب لابد من التوقف عند مسألة هامة تتمثل في وحدانية تلك الرحلات التي تحدثت عن تلك البلاد وعاداتها وتقاليدها وحياة مجتمعاتها. وبقدر ما يشكل ذلك قيمة خاصة تسجل لهذه الرحلة، إلا أن ذلك يجعلها المصدر الوحيد عن تلك المناطق النائية في تلك الحقبة الزمنية، وهنا تكمن الإشكالية، نظرا للاختلاف في طبيعة الثقافة التي يمثلها الزوجان، وتأثير ذلك على موضوعيتهما في الوصف، وقدرتهما على فهم حقائق الواقع الاجتماعي لحياة سكان تلك المناطق الغريبة، دون أن تبرز بصورة أو بأخرى الخلفية الاستشراقية في كتاباتهما عنها، خاصة وأن العديد من تلك الرحلات أخفت الهدف الحقيقي منها تحت إيهاب البحث والاكتشاف في تلك المناطق المجهولة والغريبة. ورغم ذلك يعد الرحالان أول من لاحظ التأثير الثقافي القوي للهند في تلك المنطقة.

في عام 1894 قام الزوجان بِنِتْ بالتوسع في رحلتهما فاتجها نحو المشرق بهدف الوصول إلى عدن إلا أنهما وجدا من الصعوبة تحقيق ذلك فاتجها بمركب نحو مرباط في ظفار يرافقهما المساح الحكومي الهندي وهناك زارا منطقة تجارة اللبان التي كانت أقدم منطقة اتصال مع شرق أفريقيا. وأثناء الحروب القبلية التي نشبت في جنوبي جزيرة العرب أضطر الرحالان إلى السفر باتجاه السودان الشرقي الذي كان القائد البريطاني هناك مشغولا بالتخطيط للحملة التي ستتجه نحو أم درمان ما سمح لهما بتقديم وصف بالغ الأهمية لندرته عن تلك الفترة التاريخية. وفي عام 1896 عاش الزوجان بِنِتْ مدة شهرين في جزيرة سقطرى يدرسان حضارة تلك المنطقة التي كانت خليطا عجيبا من الشعوب والعادات المهرية والعربية والأفريقية ما جعل هذا الوصف يشكل دليلا بالغ الأهمية للبعثة البريطانية التي قصدت ذلك المكان عام 1967. بعد ذلك اتجها إلى عدن والساحل الجنوبي لليمن ليسجلا وصفا دقيقا للناس وللتضاريس التي لم يكن قد رآها أي من الغربيين بعد. لم يمهل الموت تيودر بعد عودته إلى لندن أياما من تلك الرحلة فكان على زوجته مايبل مسؤولية تدوين وقائع تلك الرحلة عربون محبة وتقدير لزوجها الراحل.

تبدأ الرحلة من المنامة والمحرق


وراء الآثار


تكشف المؤلفة عن الغرض الأساسي من هذه الرحلة والمهمة التي كانت تسعى لإنجازها ألا وهي معرفة ما تخبئه بطون تلال جزر البحرين وروابيه من آثار بعد أن انتشرت الأقاويل الكثيرة في بريطانيا حول حقيقة تلك التلال، وهو ما جعلها أول مكان يتوجه إليه الزوجان بِنِتْ في تلك الرحلة المهمة. تبدأ الرحلة من المنامة والمحرق وهنا يلاحظ القارئ أن مايبل في تدوينها لهذه الرحلة تتجاوز الأعراف المتبعة عادة في تدوين الرحلات والتي تبدأ من وصف حالة الاستعداد للرحلة ومكان انطلاقها والطريق الذي سلكته، ذلك أنها الكاتبة فكانت مهتمة بتسجيل مشاهداتها وسرد اكتشافاتها ووقائع سيرها داخل الحيز الخاص لجنوبي الجزيرة العربية والغرض الأساس منها المتمثل في البحث عن آثار المنطقة ( إن البحث عن آثار العالم القديم يأخذ المنقب الآن ومرة أخرى إلى زوايا غريبة متعلقة بالجديد. من الممكن أو غير الممكن للمنقب أن يعثر على الكنوز خارج أديم الأرض وربما وهذا من المؤكد سواء أعجبه ذلك أو لم يعجبه أن يستخلص أشياء كثيرة من الناس وطرق حياتهم الغريبة). يتوزع الكتاب على مجموعة كبيرة من الفصول تأخذ طابعا خطيا في تدوين مسار الرحلة ووقائعها ومشاهداتها بدءا من المنامة والمحرق وحتى بلد الفضلي وبلد اليافعي مرورا بحضرموت ومسقط وظفار وجبالها والسودان الشرقي وجزيرة سقطرى المهرية، حيث يظهر الوصف الواسع لكل ما يخص تلك المناطق جغرافيا واجتماعيا وإناسيا وعمرانيا وزراعيا وثقافيا.


بلاد الشمس


لا يخفي عنوان كتاب “بلاد الشمس الساطعة: رحلة إلى الشرق” للرحالة الأديبة الفرنسية لويز كولي حالة الإعجاب والدهشة التي تعبر فيها عن علاقتها بالشرق، وتحديدا بما يتعلق بالمناطق التي زارتها وتنقلت فيها ضمن أقاليم مصر العليا والسفلى بآثارها العظيمة ومعابدها وطبيعتها الجميلة، وذلك أثناء تدشين قناة السويس التي اجتذبت إليها أنظار الكثير من الأوربيين حيث استمرت تلك الرحلة مدة ستة أشهر.


بين الرحلتين


أهمية هذه الرحلة تكمن في كونها تغطية لمناطق جديدة من الشرق في فترة زمنية متقاربة هي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث تقدم صورة عن الوضع العام لمصر العليا اجتماعيا وعمرانيا وثقافيا، لاسيما الجانب الخاص بآثارها الغنية والباهرة، وهي ما تشترك به مع الرحلة السابقة، من حيث الاهتمام بوصف الآثار أو التنقيب عنها، إضافة إلى طابع الدهشة والإثارة التي يقوم عليهما وصف تلك البلاد في كلتا الرحلتين.

تصف الرحالة المناطق التي مرت بها أو زارتها وتعرفت إليها بأنها من أروع الأماكن في العالم بسبب الشعور الذي انتشت به وهي تتنقل فيما بين مشاهد السحر والجمال فيها ( وعلى مدى ستة أشهر انتشيت بجمال الطبيعة في أروع الأمكنة في العالم بمصر العليا والسفلى و(صقلية) والكالابري وأثينا والقسطنطينية) وتأملت بهذه الضفاف المختلفة في أجمل مآثر الفن المصري والعربي والبيزنطي، واطلعت على التاريخ القديم والحديث لهذه البلدان والشعوب المختلفة ودرست دياناتها وعاداتها ومشاعرها وأهواءها، كما تجولت في ظل أمكنة ظلت مجهولة من قبل الرحالة المتسرع). لكن اللافت في اعترافات الكاتبة هو قدرتها على اختراق عالم الحريم، الذي تصفه بأنه فضاء معزول ومنيع واكتشافها لما تنطوي عليه نفوس النساء فيه من سمو ورقة ومحبة تجعلها الأكثر محبة في العالم.

قناة السويس اجتذبت إليها أنظار الكثير من الأوربيين


في عالم الرحلة


على خلاف الرحلة السابقة تلتزم الأديبة لويز في تدوينها لهذه الرحلة بالتقاليد الأدبية المتبعة في كتابة هذا الجنس من الرحلة إذ تصف رحلتها بدءا من لحظة انطلاقها الأولى من باريس باتجاه مرسيليا التي ركبت بها السفينة التي ستقلها من هناك باتجاه مصر، مرورا بما عاشته من مشاعر حزينة في لحظة وداعها لابنتها ولباريس إضافة إلى ما واجهته من حالات صعبة أثناء إبحار السفينة في البحر المتوسط باتجاه مصر. وكما هي العادة في أدب الرحلة فإن السرد فيها يتوزع على مستويات عدة منها الوصف والسرد والشعر والتداعيات والتعليق والتخيل الحكائي، ما يكشف عن التنوع والثراء المدعوم بلغة شاعرية نابعة من الشعور المتولد عن جمال الأمكنة وسحرها. لكن ذلك لم يمنع الرحالة منذ البداية من تسجيل بعض الملاحظات التي تخص الواقع الثقافي في فرنسا آنذاك وحال كتّابها المتعطشين للشهرة والبحث عن المكاسب والامتيازات. تصف الرحالة الإسكندرية بكثير من الإعجاب والفتنة التي تنطوي عليها هذه المدينة لاسيما أنها تستدعي عند الزائر الغربي لها ما تحفظه ذاكرته عن قصة نشوئها الأولى وهو ما نجده واضحا في وصفها لها بأنها تجعل السائح يحس أنه موجود في عالم آخر، ما يجعلها تسهب في وصف عمران المدينة وأزقتها الضيقة ومنازلها وملامح سكانها البائسة التي لوحتها الشمس الساطعة والأطلال القائمة في الأرض الخلاء، وتلك محاولة في ذلك الوصف الذي طالما قدّمه الرحالة الغربيين سابقا. وفي محاولة لتشويق القارئ تعمد الأديبة لويز في مطلع كل فصل من فصول هذه الرحلة إلى تقديم موجز مكثف ومثير عن الأماكن التي ستزورها والوقائع والأحداث التي عاشتها أثناءها إلى جانب مشاهد الآثار العظيمة التي زارتها.

لقد حاولت الرحالة في هذه الرحلة أن تظهر المزيد من التعاطف مع الأحوال الاجتماعية للمصريين وما كانوا يعانونه من بؤس وظلم إلى جانب التعاطف مع عالم الحريم وما يمثله وضعهن في بلاط السلاطين من ظلم واستغلال وتنكر لحاجاتهن الإنسانية رغم ما يمتلكنه من مشاعر المحبة والرقة والشفافية.

12