امرأتان تواجهان روبوتات متوحشة داخل منشأة مغلقة

فيلم "أنا أُم" يعالج ثيمة الروبوت الذي وصل إلى مستوى عال من التطوّر لينقلب على الإنسان ويسيطر على الأرض.
الاثنين 2019/06/17
عالم ديستوبي لا يخلو من جمالية

ربما تكون عبارة أنسنة الروبوت هي العبارة الأقرب لتوصيف العلاقة التي تربط بين الروبوت والإنسان في سينما الخيال العلمي، ويذهب الخيال بعيدا في رسم العلاقة بين الطرفين إلى درجة إسقاط الكثير من الجوانب العاطفية والاجتماعية والقدرات العقلية على الروبوت حتى يقترب في سلوكه وردود أفعاله من الكائن البشري.

يمضي بنا الذكاء الصناعي بعيدا في تقديم الحياة الجديدة وقد طغت فيها سيطرة الروبوت إلى درجة الانقلاب على البشر، كما هي التحذيرات التي يجري تداولها والتي تحذر من خطورة الاستخدامات العسكرية لها.

وكنا قد شاهدنا العديد من الأفلام التي لمسنا من خلالها أنسنة الروبوت، مثل أفلام “حرب النجوم” و”الجدار إي” و”هال 9000″ و”روبي الروبوت” و”روبوكاب” و”إكس ماشينا” و”توبور العظيم” و”روبوت وفرانك” و”أنا روبوت” و”هي وروبوتات أخرى”، وأيضا كل من سلسلتي “الفاني” و”متسابق المتاهة” وغيرها من الأفلام والمسلسلات التي مرت عبر تاريخ السينما وحتى الساعة.

وفي فيلم “أنا أُم” للمخرج كرانت سبوتور، وهو من آخر إنتاجات نتفليكس، ستجرى معالجة ثيمة الروبوت الذي وصل إلى مستوى عال من التطوّر، بل إن التحالف بين ما لا يحصى من الروبوتات التي صنعها الإنسان سوف تنقلب عليه ويأتي في شكل إفناء للبشر مع السيطرة الكاملة على الأرض بعد صراعات دامية ومدمرة.

وفي وسط ذلك، هناك الابنة (الممثلة كلارا روغارد) التي تعيش تحت رعاية أُم روبوت في منشأة مغلقة بإحكام وتخضع لنظام أمني رقمي صارم بالغ التطوّر. وفي المنشأة تقوم الأُم – الروبوت بخزن أجنة مجمّدة وبين الحين والآخر تستخرج أحدها لكي ينشأ ويتطوّر كما يحصل مع الابنة التي تكبر وهي لا تعرف شيئا عمّا يدور من حولها سوى علاقتها القوية بالأُم الروبوت التي تعنى بها أشد العناية. ومع ذلك الانقطاع عن العالم الخارجي تتسلل امرأة جريحة إلى أبواب المنشأة (الممثلة هيلاري سوانك)، لتكتشف الابنة أن هناك عالما مخيفا في الخارج تم فيه إبادة البشر ولم يبق منهم إلاّ القليل، وتكتشف الفتاة أيضا أن أمها الروبوت كانت تقتل البنات والأولاد الذين يكبرون من الأجنة المجمّدة لأنهم لم يتوافقوا مع المعايير وتكتشف رماد أجساد كل أولئك.

لا شك أن واحدة من ميزات هذا الفيلم هي محدودية المكان، وكان ذلك اختيارا فيه الكثير من الجرأة، فغالبا ما تقع الأفلام المحدودة الأماكن في نطاق أجواء المسرح لجهة تكثيف الحوارات والإكثار منها بسبب فقر المكان ومحدودية أماكن التصوير، وتاليا يظهر ذلك حتى مونتاجيا، لكن هذا العائق هنا لم يقلّل من قيمة الفيلم.

هنا شهدنا مكانين، مكان أول ذاك الذي داخل المنشأة المقفلة المعزولة والمحكومة بالروبوت الأُم وبالذكاء الاصطناعي، والمكان الآخر المخيف الذي جرى تدميره وإفناء البشر فيه وتم إظهاره في مشاهد لاحقة مع اقتراب الفيلم من نهايته، بشكل متميز خاصة شاطئ البحر الذي توزعت عليه حاويات البضائع الضخمة الغارقة في الرمل والسفن شبه الغارقة.

{أنا أُم} فيلم خيال علمي عن انقلاب الروبوتات التي صنعها الإنسان عليه، وفتكها به وبالأرض بعد صراعات دامية ومدمرة
"أنا أُم" فيلم خيال علمي عن انقلاب الروبوتات التي صنعها الإنسان عليه، وفتكها به وبالأرض بعد صراعات دامية ومدمرة

وتضاف إلى ذلك الأشجار المحروقة والأرض القفراء التي تنقلت عبرها المرأة والابنة – حيث لا اسمين لهما دون ذاك الوصف- ومن ثم الانتقال لحاوية البضائع الملقاة على الرمال والتي تعيش فيها المرأة، وستلقى حتفها مجددا على أيدي الروبوت.

وعن المكان الداخلي الأول، وهو الذي تعيش فيه الابنة منذ ولادتها مع أُمها الروبوت فمن الملاحظ أن محدودية المكان لم تجعل الفيلم رتيبا ولا المشاهد مملة كما يمكن أن يقع، بل تم الحرص على إبراز عمق المكان في اللقطات واستخدام الزوايا المتنوعة ومساقط الضوء ممّا ساعد في كسر الرتابة، وكل ذلك كان مصحوبا بموسيقى ومؤثرات على درجة عالية من الإتقان ودقة الاختيار بما يتناسب مع كل مشهد من المشاهد.

وأما على صعيد الشخصيات فقد تم بناء شخصية المرأة الأرضية الناجية من الإبادة على أساس أنها ضحية الهجوم الروبوتي الماحق، ولهذا نفهم حذرها من تلك المخلوقات العدوانية، وهي بدورها تحذر الابنة المطيعة للأًم الروبوت من كارثة الغدر التي قد ترتكبها المرأة الروبوت انتقاما منها في أي لحظة.

وهناك في ذلك المسار السردي نقطة الكشف التي تفتح للابنة نوافذ عن وجود مجهول، وتمثل ذلك في رسوم وتخطيطات رسمتها المرأة على صفحات كتاب قديم، ومن خلالهما اكتشفت الابنة أن هناك كائنات أخرى حية وأن لكل منها مرحلتها العمرية ما زاد من اندهاشها، وهو حل مقنع تماما بدل تقديم الشخصيات والتعريف بها بموجب صيغة أخرى.

وفي مقابل ذلك، بدت النهاية المفتوحة بمثابة حل موضوعي للأحداث مع عدم بث حبكات ثانوية، من قبيل ظهور كائنات بشرية أخرى أو اشتعال صراع حياة أو موت مع الروبوتات، وتمثل ذلك في مقتل الأُم الروبوت وولادة شقيق للابنة، وربما ولادة المزيد من الأشقاء لها من تلك الأجنة المجمّدة التي لا تحصى أعدادها والتي شاهدتها الابنة واختارت واحدا منها.

العالم الديستوبي الذي شاهدناه في العديد من أفلام الخيال العلمي يكتسب هنا شكلا آخر، وقد تمثل في الأماكن الخارجية التي تم بناؤها بعناية وحققت الهدف المطلوب ومنحت أبعادا جمالية إضافية، ثم الظهور المفاجئ لجيش من الروبوتات المتطوّرة التي تحرس المنشأة، لتدرك الابنة مصداقية ما قالته المرأة، أن “الأرض تم غزوها وتدميرها وأن جيشا من الروبوتات سيطر على كل شيء”.

15