"امرأتان" للسعودية هناء حجازي رواية مواجهة القدر

الأحد 2016/04/03
المرأة بين صورتين وقدرين ومواجهات كثيرة

تعالج السعوديّة هناء حجازي في روايتها “امرأتان” صوراً من حياة المرأة، ومفارقات وجوانب من العنف الأسريّ الذي تتعرّض له في بلدها. ترصد الضغوطات التي تتعرّض لها المرأة في ظلّ منظومة أسريّة اجتماعيّة تحجبها عن حقوقها الحياتيّة الأساسيّة، وتقوم بتجريمها وتأثيمها حين محاولتها المطالبة بأيّ حقّ من تلك الحقوق.

تصوّر حجازي في روايتها (الصادرة عن دار الساقي، بيروت 2015) مفارقات امرأتين؛ ليلى ومرام، تتبادلان السرد فيما بينهما، تتحدث كلّ واحدة منهما عن واقعها الذي يبدو انعكاساً لواقع الأخرى. ليلى التي تستهلّ السرد، تقدّم مأساة التسمية بداية، يكون لاسمها أثر سلبيّ عليها، وكأنّه أثر موروث تاريخياً من ليلى المعشوقة التي جنّ بها عاشقها، وأصبح يعرف بمجنون ليلى.

تقلب حجازي الدور في الرواية، تكون ليلى العاشقة والمعشوقة في آن، المجنونة بدورها بمعشوقها أحمد، الساعية لاقتراف المجازفات من أجل الوصول إليه، وإكمال رحلتها الحياتية معه. لكنها تصاب بخيبات أمل، تعاندها الظروف، يعاندها أهلها، تقع في فخّ الفرض الأسريّ، لتزوّج بأحدهم تحت الضغط، ومن غير رغبة أو حبّ.

مرام هي صورة ليلى المنشودة، هي نصفها الأنثويّ الآخر، تتمرّد على التقييد الذي يفرض عليها، تحاول ممارسة حريتها، تصطنع اللامبالاة، لكنها تتألم بعمق لحكايات ليلى وقصة حبها المغدور، واضطرارها للرضوخ لسلطة والدها، وقراره بتزويجها، وكأنه يسلب منها حياتها بعد سلبه حريتها.

تشير حجازي إلى جانب التمرّد الذي يجتاح شخصية ليلى بعد قرارها بالطلاق من الزوج الذي اختير لها، ثمّ مسعاها للاقتران بحبيبها، ومحاولتها إثبات كينونتها المستلبة، عبر تحدّي قيود أهلها، ونزع لبوس الإذعان الذي وجدت أمّها مرهونة له، لدرجة دفعتها إلى كره أنوثتها وأمومتها في الوقت نفسه.

تلفت حجازي إلى تواطؤ المرأة ضدّ بنات جنسها، والانقياد لسلطة الرجل بهذه الحجة أو تلك، وكأنّه مكتوب على النساء أن يتوارثن القهر والإذلال والقمع والضغط والسجن، ويتخلّين عن رغباتهنّ لصالح الرجل الذي يرسم لهنّ حيواتهنّ ويختار لهنّ السبل التي يفرضها عليهنّ، ويعتبر نفسه الوصيّ الدائم من دون أن يمنحهنّ أيّ هامش لبناء الذّات واتّخاذ القرارات المصيرية لحياتهنّ.

الراوية تعتقد أن تحديها للقيود التي تفرض عليها قد يضع نهاية لفجيعتها، ويمهد لها درب الاقتراب من حلمها، والاقتران بحبيبها، لكن إحسانها الظن لا يلبث أن يودي بها إلى مشقة جديدة أكثر إيلاماً من سابقاتها. وذلك حين تقرر، بعد مناقشات ومداولات وأخذ ورد، مع حبيبها

تعتقد الراوية أنّ تحدّيها للقيود التي تفرض عليها قد يضع نهاية لفجيعتها، ويمهّد لها درب الاقتراب من حلمها، والاقتران بحبيبها، لكنّ إحسانها الظنّ لا يلبث أن يودي بها إلى مشقّة جديدة أكثر إيلاماً من سابقاتها. وذلك حين تقرّر، بعد مناقشات ومداولات وأخذ وردّ، مع حبيبها أن ترفع دعوى في المحكمة على أبيها الذي يظلمها، ويسطو على راتبها، ويؤذيها، ثمّ تكون الفاجعة أنّ القاضي الذي يفترض به الانتصار لقضية المرأة المظلومة، يتحوّل إلى خصم لها، ويرجعها إلى حظيرة الأسرة، لتنال عقابها جرّاء الذنب الذي اقترفته، وكادت أن تتسبّب بفضيحة لها، بحسب زعمهم.

تُعاد ليلى إلى بيت أهلها، تلقى عذاباً شديداً على أيدي أبيها وأخيها، تقيّد إلى السرير، توصف بالمعتوهة، ويتمّ الانتقام منها، والتعامل معها كوباء يهدّد سلامة الأسرة وأمانها وسمعتها، وهي التي طلّقت من زوجها السابق، وسعت إلى المحكمة لتشوّه سمعة أبيها، ثمّ حاولت الاقتران بأحدهم سرّاً، وكلّ ذلك أسباب كافية لأهلها كي يقنعوا أنفسهم أنّها تلوّث سمعتهم وشرفهم ولا بدّ من استئصالها، أو التخلّص منها، أو وقفها عند حدّها، وسجنها وتقييدها.

بعد وقت مرير عصيب من التعذيب الوحشيّ القاسي، بدأت ليلى بتمثيل مسايرة أهلها، وصوّرت أنّها تذعن لإملاءاتهم وشروطهم، وادّعت تندّمها على ما اقترفته من شرور ومساوئ، وحين تمّ جلب عريس لها، مثّلت موافقتها، كي تتخلّص من واقعها، وتجد منفذاً إلى الخارج لتهرب إلى مرام وأحمد. وبالفعل تغافل أختها في اليوم المحدّد لزفافها، وتهاتف مرام التي تقوم بإنقاذها وتخرجها من سجنها وتعاستها.

تشدّد حجازي على حالات من العنف الأسريّ الممارس بحقّ المرأة، وتلفت إلى أنّ التعنيف لا يكون لفظيّاً فقط، بل يتعدّى ذلك إلى درجات خطيرة، فقد يتمّ قتل المرأة بحجج واهية، وبناء على الشكوك لا غير، ويتمّ تقييد الجرائم ضدّ مجهول، مع أنّ الجميع يعرف القاتل الحقيقيّ. كما تشير إلى حالات الفقد، والحبس التي يمارسها بعض الأهل بحقّ بناتهم، فقد تصادف أحدهم يسجن ابنته أو زوجته أو أخته لسنوات في قبو بيته، مانعاً إيّاها من التنفّس والحياة، بحجّة خشيته على شرفه من أن يدنّس بسبب تصرّفاتها.

تختار الروائيّة نماذج ذكوريّة تدور في خانة الاستبداد بأكثر من معنى، تكون الفحولة المُستهجنة المرَضيّة هي الرابط المشترك بين معظم شخوص الرواية من الرجال. فالوالد ظالم، قاسٍ، متوحّش، لا يني يعذّب الأمّ والبنات، ويتساهل مع الشباب، والإخوة يرثون عن أبيهم طباعه وعاداته، يكونون قساة القلوب غلاظاً على أخواتهم وزوجاتهم.

أنثى تتمرّد على التقييد

بالإضافة إلى تلك النماذج، هناك نموذج المثقّف المتعالي على مجتمعه، يجسّده سامي، الذي يتقن عدّة لغات، ويختار طرائده من النساء بطريقة خبيثة، يستدرجهنّ إلى فخاخه، يتقنّع بشعارات ومقولات فضفاضة عن الحرّيّة، ويكون ذلك مجيّراً من أجل تلبية غرائزه، وإيقاع الفتيات المخدوعات بأفكاره الزاعمة للتحرّر في حبائله.

يفلح سامي في الإيقاع بمرام، يبتزّها بطريقة مناقضة لما يزعمه من تفكير متحرّر، ينال منها، ثمّ يتخلّى عنها بذرائع سخيفة، ويكشف عن وجهه الحقيقيّ، بحيث أن القناع الذي يتستر به لا يدوم طويلاً في الواقع، ويعود إلى استبداد الرجل المحكوم بأفكار بائسة، والمنساق وراء إملاءات الجهلة ومراضاتهم ومسايرتهم. وتراه يعود إلى استغلاله وابتزازه لها حين قصدته ليستعلم عن مصير ليلى التي اختفت من المحكمة، ولم تفلح في معرفة شيء عنها برغم محاولاتها المتكرّرة لذلك.

يكاد يفلت شخص وحيد من هذه المعمعة الذكورية التي تختارها حجازي في روايتها، وهو أحمد، الحبيب العاشق لليلى، مجنونها الواقعيّ، وضحية المجتمع وأعرافه وعاداته من جهة أخرى، يظلّ الحلقة الأضعف في دائرة العبث التي يجد نفسه وليلى غارقين فيها. لا يستطيع إنقاذ حبيبته من براثن أهلها، ولا ينجح في مسعاه في المحكمة برفقتها، لأنّ القاضي يتخلّى عن دوره لتسييد العدالة، ويدين الضحية، بدلاً من إدانة الجلّاد.

في مشهد مأساويّ تتكاتف المرأتان الضحيّتان معاً، تحدّدان طريقهما ونهايتهما بدقة وعزم، تثقلان عباءتيهما بالأوزان كي لا يخونهما الخوف ويثنيهما عن مرادهما وما ستقدمان عليه من مغامرة مجنونة، تلجآن إلى البحر لتبوحا له بهمومهما، وتلقيا بجسديهما إليه، ليكون ملاذهما الأخير، وموطن حرّيتهما، وقبرهما المشترك.

تختار حجازي نهاية مؤلمة لبطلتيها؛ ليلى ومرام، فكلّ واحدة منهما بعد أن انقطعت بها السبل في واقعها، وصلت إلى طريق مسدود، وتعبت من التحدّي والتمرّد، بلغت حدّاً من القهر والهدر بحيث تجد معه أنّها تدور في حلقة مفرغة، وأنّ جدراناً نارية مكهربة تفصل بينها وبين حرّيتها المنشودة، فتلوذ بالبحر لتنقذ أملها، وحلمها.

وهنا يكون السؤال عن الحلّ والعقدة، وعن جدوى التحدّي والتمرّد، وما إن كان الطريق مسدوداً، وإن كان الاختيار يؤدّي إلى هذه النهاية التعيسة، وهل هكذا يكون الحلّ بتوجيه صفعة انتحاريّة إلى كلّ مَن يرفض منح المرأة حريّتها، بأنّها تستطيع، بطريقتها الخاصّة، منعهم من التعامل معها كأسيرة أو تابعة ذليلة مقموعة..؟

كاتب من سوريا

12