امرأتنا بين الشريعة والمجتمع

الأحد 2015/11/01
حكم الاسلام بتمييز الرجل عن المرأة ليس مانعا أن يقبل بمبدأ المساواة الاجتماعية بينهما عند توفر أسبابها

سعدت حين قرأت مؤخرا خبر قيام رابطة العقلانيين العرب "جمعية أوان" بإعادة طبع كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع -الصادر عام 1930- للمفكر والسياسي التونسي الطاهر الحداد، أحد أهم رجال عصر التنوير العربي. قال عنه طه حسين “هذا الفتى سبق زمنه بقرنين”.

وقانون الأحوال الشخصية الذي تتباهى به تونس ويعد -عن جدارة- من مفاخر الرئيس الحبيب بورقيبة تضمن العديد من أفكار الحداد الواردة في كتابه.من رؤى الحداد الحكيمة: لقد حكم الإسلام في آيات القرآن بتمييز الرجل عن المرأة في مواضع صريحة، وليس هذا بمانع أن يقبل بمبدأ المساواة الاجتماعيّة بينهما عند توفر أسبابها بتطور الزمن ما دام يرمي في جوهره إلى العدالة التامة.

وهو الدين الذي يدين بسنة التدريج في تشريع أحكامه حسب الطوق. وليس هناك ما ينص أو يدل على أن ما وصل إليه التدريج في حياة النبي هو نهاية المأمول الذي ليس بعده نهاية، وفي الإسلام أمثلة واضحة من هذا، ولا نتحدّث عن مسألة كالخمر تدرجت وانتهت في حياة النبي وها هي مسألة الرق، عرف الإسلام أنه دين الحرية الذي لا يعترف بالعبودية لغير الله، لكنه أبقى على رق الإنسان للإنسان، ولم يستطع الإسلام في حينه أن يقرر حكما نهائيا غير إعلانه الرغبة في العتق، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بتشوّف الشارع (المشرع) للحرية، ووضعه في أبواب الكفارات الشرعية للتحلل من المؤاخذة.

من أهم أفكار الحداد أيضا: التمسك بالطلاق القضائي لمنع الغش والغبن، أقر بأهلية المرأة لتزويج نفسها بما يلغي العضل أو إجبارها على الزواج، منع تعدد الزوجات اتفاقا مع الإمام محمد عبده واتكاء على الآية “ولن تعدلوا”، أقر حقها في المشاركة السياسية والتعليم تماما.

كتاب الطاهر الحداد يستحق القراءة، خصوصا حين تعلم أن المؤسسة الدينية (الرجعية) في تونس -آنذاك- اتهمته بالإلحاد والزندقة وجردته من شهادته العلمية وطالبت بمنعه من الزواج وإخراجه من الملة! لم تطل معاناة الطاهر، فقد توفي -بعد صدور الكتاب بخمس سنوات- شابا كصديقه الشاعر أبوالقاسم الشابي.

صدر كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع عام 1930 للمفكر والسياسي التونسي الطاهر الحداد

وكتاب الحداد فاتحة جيدة للتطرق إلى زوايا جديدة في ملف المرأة الذي طواه الإهمال في خضم منطقة مشتعلة، في كتابه "من النهضة إلى الردة" يتحدث المفكر جورج طرابيشي عن مفهوم “الجرح النرجسي” الذي أحبط أوروبا (الرجل الأبيض) وأشعرها بالذل والهوان ومسبباته: الأرض ليست مركز الكون (أي أن موطن الرجل الأبيض مجرد نقطة في هذا الكون المترامي)، نظرية النشوء والارتقاء (هذا الرجل الأبيض كان في الحقيقة قردا). ويبدو أن هذا الجرح النرجسي دفع الرجل الأبيض إلى إشعال الحروب واستباحة البلاد والعباد، وهو ما عرف لاحقا بالاستعمار.

حين نتحدث عن واقع المرأة العربية والمسلمة، وموقف المتطرفين المعادي من تمكينها، لا بد من الإشارة إلى جرح نرجسي سكن العقل الباطن لبعض الرجال وأحبطهم ودفعهم إلى مزيد من العدوانية والتطرف في معاداة حقوق المرأة وتمكينها، الجرح الأول تمثل في مقالتين كتبتهما الأديبة هيفاء عزي في صحيفة “المدينة” في شهر سبتمبر 2003. قالت عزي هناك حور عين رجال في الجنة للمؤمنات كما أن هناك حور عين نساء للمؤمنين، وأن إغفال هذه الرؤية في التراث يعود إلى قراءة ذكورية للنصوص القرآنية مفادها أن الرجل هو الأساس في الدنيا والآخرة وأن النساء خلقن من أجله في الدارين. اعتمدت عزي على منطلقات منطقية، ولا يمكن إثبات رؤيتها أو نفيها إلا في الجنة، ومع ذلك جاءت الردود على مقالتيها قاسية جدا وجارحة، بل إن بعض من انتقد الكاتبة بدا كأنه يكتب من الجنة على الهواء مباشرة.

الجرح الثاني تمثل في مقال نشرته صحيفة “عكاظ” في 1 مايو 2007 للكاتب نجيب يماني بعنوان “دورة الرجل الشهرية” -تزامنا مع موضوع للزميلة هدى الصالح في صحيفة “الشرق الأوسط”- حيث أشار إلى حقيقة علمية مثبتة: توتر مزاج الرجل واضطراب هرموناته في الأيام القمرية (بين 3 و7 أيام). مقال يماني نسف النظرة الدونية للمرأة وكرس للمساواة بينها وبين الرجل، ما استدعى ردود فعل قاسية وجارحة على مقاله أيضا. مرحلة العدوانية التي تتلو الجرح النرجسي هي مرحلة انتقالية، في النهاية لا بد من الاستماع إلى صوت العلم والمنطق، وتلك مرحلة التواضع أو الاعتراف بالحقيقة.

حين تطالب بحقوق المرأة وتمكينها، يقال بأن “مشروعك يبدأ من المرأة ويمر بالمرأة وينتهي بالمرأة بغرض الوصول إليها”. بدأ البعض في ترديد هذا الكلام الذي يزدري المثقف حين يحمل مشروعا ينهض بنصف المجتمع على الأقل، إضافة إلى أنه اعتراف من أعداء تحرير المرأة بأنهم يضعونها في سجن -بدلا من أن تكون حرة نفسها وسيدة قرارها- بدليل صعوبة الوصول إليها. ورحم الله حافظ إبراهيم (شاعر النيل) يوم قال:

الأم مدرسة إذا أعددتها هاجمك المتطرفون

ليست نساؤكم حلى وجواهرا خوف الضياع تصان في الأحقاق

ليست نساؤكم أثاثا يقتنى في الدور بين مخادع وطباق

وهي القصيدة التي احتوت البيت الشهير “الأم مدرسة إذا أعددتها / أعددت شعبا طيب الأعراق”، ومن اللطيف أن نشير إلى أن شاعر النيل كتب قصيدته بتحريض مفتي الديار المصرية محمد عبده لنصرة محرر المرأة قاسم أمين، الطريف أن أعداء تحرير المرأة هم من اخترعوا زوجات المسيار والمصياف والوناسة وحللوا الزواج بنية الطلاق استغلالا لها ووصولا إليها. الرد عليهم نستعيره من الإمام محمد عبده “الرجال الذين يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادة في بيوتهم، فإنهم إنما ينجبون عبيدا لغيرهم”. إذن، الحديث عن قضايا المرأة هو حديث عن المستقبل.

أستعير مقولة أخرى لقاسم أمين تلميذ محمد عبده “البلاد التي تتمتع فيها النساء بحريتهن الشخصية يتمتع الرجال فيها بحريتهم السياسية، فالحالتان مرتبطتان ارتباطا كليا”، ويضيف أمين “الحكومة الاستبدادية لا ينتظر منها أن تعمل على اكتساب المرأة حقوقها وحريتها”. إذن، الحديث عن قضايا المرأة هو انتصار لقيم الحق والعدل والإصلاح الشامل.
من طرائف خصوم تحرير المرأة في السعودية، أنهم يتهمون دعاة تحريرها بعدم الاهتمام بقضايا المرأة الفقيرة، في حين أن دعاة التحرير هم من وقفوا مع المرأة في مجالات العمل التي فتحت لها مؤخرا (كاشير – تأنيث محلات اللانجري) بينما كان موقف أعداء التحرير مناهضا كالعادة.

تشويه دعوة تحرير المرأة ليس جديدا، في أدبيات المتطرفين نلاحظ هجوما شرسا على قاسم أمين، مع أنه صاحب المقولة الشهيرة التي يلوكها الوعاظ ضد دعاة التحرير “الإسلام أنصف المرأة وظلمها المجتمع والفقهاء”. حين نقلب مؤلفات قاسم أمين نلاحظ أنه ناهض النقاب وعدم تعليم المرأة ومنعها من العمل أو الميراث وحبسها في المنزل وإلغاء شخصيتها الاقتصادية المستقلة وطالب بحماية حقوق المطلقات والأرامل، معتمدا في آرائه على نصوص من القرآن والسنة ورؤى فقهية معتبرة. إن الهجوم على قاسم أمين -ودعاة تحرير المرأة- هو في حقيقته موقف معاد من حقها في التعلم والعمل والحياة حرة مستقلة.

ما سنه التاريخ أن يطالب الرجل بداية بحقوق المرأة، فالمرأة المضطهدة لا تسمح ظروفها بالتعبير عن أزمتها، فيبدأ الرجل ثم يسلم راية المرأة إلى المرأة لتكمل الطريق، ولا ننسى هنا مقولة غازي القصيبي “الأم مدرسة إذا أعددتها هاجمك المتطرفون”.

“أترضاها لأختك”، “أترضاها لزوجتك”، جمل تم اجتزاؤها من سياقها لتعكس فكرا يقمع المرأة ويصادر إرادتها بل ويلغي شخصيتها، وإلا كان السؤال “ماذا ترضى أختك أو زوجتك” أو “أترضاه لنفسها”، تلك هي المسألة، حق المرأة في تقرير مصيرها والحياة حرة مستقلة. والمعادين لتحرير المرأة عندنا، تنطبق عليهم -غالبا- مقولة المفكر المصري سيد القمني “حين نركز بين الأفخاذ عيوننا، تكون المشكلة في عيوننا وليس في الأفخاذ”.

20