امرأتنا في الشريعة والمجتمع.. إسهام مبكر في معركة مستمرة

عندما أطلق الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي مبادرته حول المساواة في الإرث بين المرأة والرجل في 13 أغسطس الماضي، وكانت مجرد مبادرة لم ترقَ إلى مستوى القانون أو التشريع أو القرار، وعندما اندلع سجال فكري وسياسي وديني جارف تجاوز المجال التونسي، عادت القضية بمتابعيها إلى القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. فاستحضار الناس لتلك الحقبة لم يكن من قبيل النكوص أو الحنين بقدر ما كان استرجاعا مشروعا لبدايات طرح قضية المرأة العربية عموما، والتونسية بشكل خاص، وانتشالها- أي القضية- من ربقة فهم ديني متحجر. الطاهر الحدّاد، ينتمي بكتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” إلى تلك الحقبة وإلى ذلك السعي: حقبة تتوفر على مفارقة عميقة قوامها هيمنة الفهم التقليدي للدين والتراث بالتوازي مع وجود محاولات فكرية وسياسية حثيثة لتدشين نهضة تطال كل شيء، وسعي يقوم على تقديم تصور عصري للمرأة ودورها يقطع مع أصولية تأبى التجديد، ويقرأ النص الديني بما يتيحه من يسر رفضَ المغالون أخذه في الاعتبار. كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” الصادر عام 1930 من الكتب التي لا تموت، لأكثر من سبب. أولها محتواه الجريء بمنطق الظرفية الفكرية والاجتماعية والثقافية والدينية التي حفت بصدوره، وثاني الأسباب ما أنتجه يومئذ من سجال (مازال مستمرا) تجاوز البعد الفكري الاجتماعي للمسألة، ليتحوّل إلى جدل استعملت فيه كل الأسلحة والحجج الدينية الشرعية.
السبت 2017/11/25
أفكار الحداد مازالت صالحة في ظل مساع للتنكر لمكاسب المرأة التونسية

كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” مازال صالحا للقراءة والتدبر، ومقارعة تصورات الحدّاد في النصف الأول من القرن الماضي، بوضع المرأة العربية اليوم، ورصد مستويات التطور التي يفترض أنها حصلت في حقبة ناهزت قرنا. والكتاب مازال مفيدا لقياس أثر المقاومة الدينية لكل مسعى اجتهادي وتطويري يلجُ مجالات يقدر التصور الأصولي أنها من صميم اختصاصه ولا يحق لأحد منازعته فيها.

الطاهر الحدّاد (1899 – 1935) هو كاتب وصحافي ونقابي ومنظّر تونسي، عاش في مرحلة تقاطعت فيها الاهتمامات الوطنية والفكرية والحضارية والسياسية والأدبية، ولم يكن ثمة من فاصل بين هذه الأغراض والاهتمامات طالما أن المرحلة كانت تقتضي استنفار كل تلك الجهود، في سبيل مقاومة الاستعمار أو لرفع لواء الإصلاح وتحسين مستوى الناس، أو لكل تلك الأهداف مجتمعة. لذا لم يكن غريبا أن يكون الحدّاد، كما أقرانه من رموز تلك المرحلة، مشغولا بكل تلك القضايا بل يراها غير منفصلة، وفي صميم الجهد الوطني والحضاري المنوط بعهدة كل مفكر. كان الحدّاد يومئذ كاتبا صحافيا قريبا من الحزب الحر الدستوري التونسي القديم، حيث أتاحت له كتاباته الصحافية في جرائد “الأمة” و”مرشد الأمة” و”إفريقيا” الاقتراب من الشيخ عبدالعزيز الثعالبي (زعيم الحزب الدستوري القديم) الذي كلفه بمسؤولية الدعاية والإعلام في الحزب.

وكان منظّرا نقابيا قريبا من رؤية محمد علي الحامي للتجربة النقابية وممهدا مؤسسا لتصور فرحات حشاد، وكان أيضا مفكرا إصلاحيا يستلهم أفكاره من خلاصة التجارب العربية السابقة والمعاصرة له.

لكل هذه الأبعاد مجتمعة، كان الكتاب اختزالا وتكثيفا لفكرة الإصلاح بكل ما تحتويه الكلمة من وعي بخصوصيات المرحلة وبضرورة انتشال البلاد والعباد من المنحدر الحضاري والتاريخي والسحيق الذي تردت فيه.

الكتاب صدر في ظرفية تاريخية، تونسية وعربية، موسومة أساسا ببدء هبوب رياح الإصلاح الديني والفكري والاجتماعي والسياسي، أو أقله الدعوة إلى إطلاق إصلاحات تمس هذه المجالات أو إحداها

صدرت الطبعة الأولى لكتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” سنة 1930 عن المطبعة الفنية بنهج الكنيسة بتونس العاصمة، في 140 صفحة. وقد كتب الطاهر الحدّاد تأليفه دفاعا عن المرأة، وتعريفا بدورها في الأسرة والمجتمع. ودعا إلى تعليمها وتربيتها وتمكينها من الحقوق المدنية، والسير بها في تيار المساواة أسوة بمثيلتها في بعض البلاد الأوروبية. الكتاب صدر في ظرفية تاريخية، تونسية وعربية، موسومة أساسا ببدء هبوب رياح الإصلاح الديني والفكري والاجتماعي والسياسي، أو أقلّه الدعوة إلى إطلاق إصلاحات تمس هذه المجالات أو إحداها.

ضروري التذكير بأن كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” ينتمي إلى جنس البحوث التي طرحت سؤال المرأة، بوصفه سؤالا مركزيا في مشاغل النهضة العربية، إلى حد تحول معه سؤال المرأة إلى قرين بأسئلة النهضة كافة. الطاهر الحدّاد هنا لم يكن السبّاق إلى طرح هذا الإشكال إذ سبقه قاسم أمين (1863 – 1908) في التعاطي مع المسألة من خلال جهده الذي تجلى عبر كتابين: “تحرير المرأة” الصادر عام 1899، و”المرأة الجديدة” الذي نشر عام 1900. وهذا ما يعني أن الدعوة لتحرير المرأة العربية وتخليصها من السطوة الذكورية المشتقة من فهم منغلق للنص الديني.

هي دعوة غير مقتصرة على قطر عربي واحد، أو مرحلة زمنية محددة، بل هي جهد متواصل عبّر عن إيمان رواد النهضة العربية بأهمية طرق باب النهوض بالمرأة العربية في سياق البحث عن سبل الخروج من التخلف الشامل الذي هيمن على المنطقة العربية. لكن أهمية كتاب الطاهر الحدّاد، تنبع من أنه صدر في قطر عربي توصل بعد عقود قليلة إلى ترجمة بعض أفكاره في قانون ريادي بمنطق تلك المرحلة، وهو مجلة الأحوال الشخصية التي تم إعلانها يوم 13 أغسطس 1956 ودخلت حيز التطبيق في 1 يناير 1957، (أشهر قليلة بعد استقلال تونس) وهي مجلة وفرت للمرأة التونسية مكانة قانونية وتشريعية هامة من خلال إلغاء تعدد الزوجات وتحديد مسارات قضائية للطلاق وغيرها من الإجراءات التي تم استخلاصها بعد مشاورات مع علماء وشيوخ جامع الزيتونة أمثال محمد الطاهر بن عاشور ومحمد عبدالعزيز جعيط ومحمد الفاضل بن عاشور.

كانت دعوة الطاهر الحدّاد، في كتابه موضوع الدراسة وغيره من التأليفات، غير منفصلة عن دعوات أخرى سميت “النهضة العربية” وكانت متأثرة بعوامل خارجية من قبيل انفتاح الوطن العربي على الفكر الأوروبي، والحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام، وإصلاحات محمد علي في مصر منتصف القرن التاسع عشر، والبعثات التبشيرية التي ساهمت في تنشيط الحركة التعليمية والثقافية. وكانت تلك “النهضة العربية” متأثرة أيضا بعوامل داخلية مثل بدء تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية، وحركات الإصلاح الإسلامي إضافة إلى دور المسيحيين العرب في مقارعة سياسة التتريك. المهم أن جهد الحدّاد، كما غيره من دعاة الإصلاح في العالم العربي، كان ينطلق من وعي بحال التردي الذي أصاب المنطقة العربية، وبوجوب إطلاق إصلاحات عارمة تطال مختلف المستويات الاجتماعية والدينية والسياسية.

كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع″ يحتوي مقدمة طويلة وقسمين: قسم تشريعي حمل عنوان “المرأة في الإسلام”، وقسم اجتماعي ضمنه الحدّاد وسم “كيف نثقف الفتاة”.

تقصّد الطاهر الحدّاد في مقدمة الكتاب وضع الإشكالية، أي إشكالية وضعية المرأة العربية في الشرق (كما يصرّ على القول) في إطارها الاجتماعي والديني، ويرى أن نهوض المرأة مفصل أساسيا في عملية الإصلاح إذ نراه يقول “إن الإصلاح الاجتماعي ضروري لنا في عامة وجوه الحياة. وعلى الخصوص ما كان منه متعلقا بوجودنا في الحياة. وقد رأيت بعين اليقين أن الإسلام بريء من تهمة تعطيله الإصلاح. بل هو دينه القويم ومنبعه الذي لا ينضب. وهذا ما حدا بي أن أضع كتابي هذا عن المرأة في الشريعة والمجتمع لنرى أيهما الهادي وأيهما الضال المضل. وعسى أكون بهذا قد أديت واجبا في عنقي أراه دينا عليّ لجنس أنا أحد أفراده وأمّة أنا واحد من أبنائها”.

توصّل الحدّاد في خاتمة القسم التشريعي لكتابه إلى أنه “إذا تأملنا حق التأمل في نصوص الشريعة الإسلامية ومراميها نجد أنها تريد أن تذهب بالمرأة مع الرجل مذهب المساواة في وجوه الحياة. ولقد أدركت من ذلك في الزمن القصير شأوا بعيدا لم تعرف له امرأة ذلك العصر حدا بل ولا معنى فضلا عن أن تطالب به كحق من حقوقها”، ولعل هذا الاستنتاج المشتق من فهمه ومراجعته للنص الديني سيتيح له تقديم استنتاج آخر لا يقل أهمية عن السابق مفاده أن “لسوء حظ المسلمين – ولا أقول الإسلام – أن غالب علمائهم وفقهائهم لم يراعوا أغراض الإسلام في التدرج بذلك النقص البادي في المرأة واستعداد الرجل نحوها حتى يصير كمالا. بل هم قد أفسحوا لذلك النقص أن يعضم (كذا) ليتّسع الفرق بينهما في الأحكام ويتضخم الخلف بينهما في الحياة. وهنا يظهر جليا أن النفسية التاريخية للعرب وسائر المسلمين في اعتبار المرأة قد تغلّبت على ما يريد الإسلام لها من التقدير والعطف. وليست هذه أول مسألة جرى فيها علماء الإسلام على غير ما يريده”.

وأضاف بأنه “بدل أن يسعى المسلمون لتأهيل المرأة من الوجهة الاجتماعية حتى تستثمر بحق ما يعطيها الإسلام من الحقوق فإن الإصلاح الذي عولجت به هو زجها في أعماق البيوت محجوبة عن العالم أجمع بما جعلها أبلغ مثال للجهل والبله والغبن وسوء التربية لنضع بين يديها وعلى ركبتيها إخراج البنين والبنات من شعبنا”.

وعلّل ذلك بالقول “إن عامّة فقهاء الإسلام من سائر القرون إلا ما شذ يجنحون إلى العمل بأقوال من تقدمهم في العصر ولو وبمآت (كذا) السنين. ويحكمون بأحكامهم مهما تباينت أحوال المجتمعات الإسلامية باختلاف العصور. وهم يميلون في أخذ الأحكام إلى تفهم ألفاظ النصوص وما تحتمل من معنى أكثر بكثير ممّا يميلون إلى معرفة أوجه انطباق تلك النصوص على حاجات العصر وما تقتضيه مصلحة المجتمع الحاضر الذي يعيشون فيه”.

الكتاب صدر في ظرفية تاريخية، تونسية وعربية، موسومة أساسا ببدء هبوب رياح الإصلاح الديني والفكري والاجتماعي والسياسي، أو أقله الدعوة إلى إطلاق إصلاحات تمس هذه المجالات أو إحداها

المقارنة التي توصل الحدّاد إلى بنائها بين وضع المرأة في الإسلام والحالة التي وضعها فيها فقهاء الإسلام، والتي استنتج من خلالها أن المشكلة لا تكمن في نظرة الإسلام للمرأة بل تنبع من فهم الفقهاء الجامد الماضوي للنص الديني، كانت مهمة لنزع كل “الشرعية الدينية” المسبغة على النظرة الذكورية المسلّطة على المرأة العربية المسلمة، والتي لم تكن منفذا لنقدها أو دحض براهينها، لذا انصبّ جهده الفكري على تصحيح الصورة من خلال بيان أن النصوص الدينية “تريد أن تذهب بالمرأة مع الرجل مذهب المساواة في وجوه الحياة”، وتأكيد أن المشكلة نابعة من كون “هيبة الماضي الماثلة في ذهنية أوساطهم قد جعلتهم يميلون عن الصراحة في الحق مفضلين الانكماش كعامة رفقائهم من الشيوخ تحقيقا لعيش هادئ يختارونه من هذا النحو”.

انطلاقا من هذه المقارنة والنتائج التي توصل لها الحدّاد، تيسر له منهجيا أن ينتقل للمبحث الثاني في متنه وهو القسم الاجتماعي الذي لخّص فيه كل تصوره لما يجب أن تكون عليه “امرأتنا” سواء في محيطها المحلي التونسي أو في مجالها العربي الإسلامي العام.

البعد الاجتماعي في تصوّر الحدّاد تركز على محاور محددة أساسها التعليم والزواج والحجاب ووضعية المرأة في العائلة، وكان واضحا أن موقف الكاتب من قضايا معينة مشتقّ من سعة اطلاعه على النص الديني وما قاله الفقهاء، وأيضا على ملاحظته لوقع ذلك على المجتمع إذ تفطن إلى أن المجتمع تأثر بالمدونة الفقهية التقليدية على ما اعتراها من قدامة وجمود أكثر من تأثره بالنص الديني ذاته رغم ما احتواه من رحابة وتحرّر. إذ يقول في فصل الحجاب “ما أشبه ما تضع المرأة من النقاب على وجهها منعا للفجور بما يوضع من الكمامة على فم الكلاب كي لا تعض المارين”.

والملاحظ أيضا في هذا القسم هو تركيز الطاهر الحدّاد الشديد على أهمية تعليم الفتيات، لما يرى فيه من سبيل للنهوض بالمرأة وتعبيد الطريق لها للوعي بحقوقها وبجدارتها بالمساواة.

يجدر بنا أن نشير إلى أن ما يسود كتاب الحدّاد من تحرّر وحداثة، يجعل القارئ لا يشعر أنه بصدد قراءة كتاب ألّف وصدر في ثلاثينات القرن الماضي، فبالإضافة إلى تفطنه إلى زوايا دقيقة في ما يتعلق بوضعية المرأة عموما، فإنه توفر على جرأة نادرة في الإصداع بمواقف يعسر الإصداع بها في تلك الظرفية، بل إننا نجد في بعض مواقفه استشرافا دقيقا لما سيكون عليه المستقبل بالنسبة إليه، والحاضر بالنسبة إلينا “إن الحياة تتجه اليوم بعاطفة المرأة في تيار الحرية الذي لا يردّ. كأنها تستدرك ما فوّتت عليها الأجيال الغابرة، فإذا نحن عرفنا كيف نسوس هذه العاطفة بما نضع لها من التعاليم فقد أدركنا الرشد وعملنا صالحا، وإن نحن وقفنا في وجه التيار نصدّه عن السير فقد خسرنا الموقف لا محالة. وذهب التيار بنا عاديا قويا إلى الهاوية”. ويضيف أننا “لا نقدر أن نحدد خيبتنا في الحياة إلا بمقدار ما خابت امرأتنا فيها”.

يختم الطاهر الحدّاد القسم الاجتماعي من كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع باستفسار كبير، بحجم البون الشاسع بين وضعية المرأة في الإسلام وبين حالة المرأة في متصور الفقهاء فيقول “إننا نحلم لآمالنا في المستقبل، ونأمل من الغبن الفاحش الذي نلقاه في حياتنا الحاضرة. ونشعر في أعماقنا بالحاجة إلى التخلص من قيودها المرهقة. ولا سبيل لهذا التخلص أو بلوغ تلك الآمال إلا متى كان ذلك ثمرة لغرس أصول التربية الفاضلة في أبنائنا. ولا يتم هذا إلا بتربية وتعليم المرأة التي ينشأ الأبناء بين أحضانها. وتنمو أجسادهم ومواهبهم أمامها وبرعايتها فهل نحن مستعدون لذلك؟”.

استفسار الطاهر الحداد مازال ساري المفعول، مثلما تظل أهمية الكتاب قائمة، والاستفسار حول استعدادنا لمصالحة مجتمعاتنا مع العصر وجعلها مواكبة لما يقتضيه الراهن، يصبح أكثر وجاهة وأهمية بالنظر إلى ما يسود الفضاء العربي الإسلامي اليوم من نكوص وارتداد غريبين نحو الماضي، ولعل واضعي مشاريع قوانين المرأة في العراق وفي غيرها من البلاد العربية يجدر بهم الاطّلاع على كتاب الحدّاد الذي نشدد على أنه صدر في العام 1930، ولا نظنهم سيقولون شيئا مخالفا لما قيل في كتاب “الحداد على امرأة الحدّاد”، طالما أنهم يرومون العودة بالمرأة وبالمجتمع إلى أزمنة ما قبل الحداثة.

17