امرؤ القيس الحقيقي

الأربعاء 2016/01/13

لست من محبذي إنكار شخصية امرئ القيس، كما فعل بعض الباحثين العرب، جريا على منهج بعض المؤرخين الغربيين، بدعوى وجود تناقضات كثيرة فيها، مستلهمين ذلك التناقض من روايات الإخباريين المسلمين المضطربة، والمتناقضة في أحيان كثيرة. ولو كانت هذه القاعدة صحيحة لجاز لنا أن ننكر حقيقة شخصيات تاريخية وازنة، كزنوبيا، وماوية، والحارث بن جبلة، والمنذر بن الحارث، والنعمان بن المنذر، المنصوص عليها في كتب التاريخ الرومانية والبيزنطية.

امرؤ القيس التاريخي ذكره المؤرخ مالكوس الفيلادلفي في تاريخه الكنسي، وسماه أمركايسوس وقال: إنه كان يقيم في الأصل في الأرضين الخاضعة لسلطان الفرس، ثم ارتحل عنها ونزل في أرضين قريبة من حدود الفرس، وتوغل في الولاية العربية حتى بلغ البحر الأحمر، واستولى على جزيرة “أيوتابا”، وهي جزيرة مهمة كان الروم قد اتخذوها مركزا لجمع الضرائب من المراكب الآتية من المناطق الحارّة أو الذاهبة إليها، فتصيب الحكومة أرباحا عظيمة جدا. فلما استولى على تلك الجزيرة، طرد الجباة الروم، وصار يجبيها لنفسه، فاغتنى.

وأراد امرؤ القيس، الاتصال بالروم، والتحالف معهم، والاعتراف به عاملا رسميا على العرب الذين خضعوا له وعلى العرب المعترفين بسلطان الروم عليهم في الولاية العربية، فأوفد رجلا من رجال الدين اسمه بطرس إلى القسطنطينية يعرض رغبته هذه على القيصر ليو. فأظهر القيصر رغبته في مقابلة امرئ القيس للتحادث معه. وقصده امرؤ القيس، فاستقبله استقبالا حسنا، وعامله معاملة طيبة، وأجلسه إلى مائدته، ومنحه لقب بطريق، وجالس رجال مجلس السناتو، ولما قرر العودة أعطاه القيصر صورة ثمينة وهدايا نفيسة، وحث رجال مجلس الدولة على أن يمنحوه هدايا سخية، ثم منحه درجة “فيلارخ” على الجزيرة وعلى جميع ما استولى عليه، وعلى أرضين أخرى جديدة لم يكن قد أخذها من قبل، إلا أن الروم لم يرتاحوا لهذه المعاملة، وانزعجوا من إسراف القيصر في إكرامه ومنحه تلك الأرضين، ولا سيما تلك الجزيرة التي استرجعوها بعد ذلك بمدة ليست طويلة، في مدة حكم القيصر أنسطاس، كما يقول مالكوس الفيلادلفي الذي عرّب نصه العلامة جواد علي.

إذن، ثمة أصل تاريخي لرحلة امرئ القيس إلى القسطنطينية، والتي خلدت بقصيدة طويلة مطلعها:

سما لكَ شوقٌ بعدما كان أقصرا/ وحلتْ سليمى بطن قو فعرعرا

وربما تشير مأساة امرئ القيس وفقده ملكه، على يد حاكم ولاية فلسطين الثالثة، كما يذكر المؤرخ البيزنطي ثيوفان، إلى صدى بعيد لمأساته التي ضجت بها بلاد العرب في ذلك الزمن.

لا شك في أن الخيال الأدبي، والمخيال الحكائي قد عبثا كثيرا بالأصل التاريخي لهذه الشخصية الإشكالية، يضاف إلى ذلك، تلفيق بعض الرواة قصصا في فترة متأخرة، وربط امرئ القيس بها، كتلك القصة التي ذكرها أبوالفرج الأصفهاني حول دروع امرئ القيس وإيداعها لدى السموأل، والتي رأى الأصفهاني أنها من تلفيق شخص يدعى دارم بن عقال، كان يدّعي الانتساب إلى السموأل.

وثمة دليل مادي يحتاج، ربما، إلى بحث مستفيض، يتعلق بنقش امرئ القيس الشهير الذي عثر عليه في النمارة، أواخر القرن التاسع عشر، فهذا الأثر المادي ينسب إلى أواخر القرن الرابع الهجري، بناء على الأرقام النبطية التي تؤرخ له بتقويم بصرى، ولكن تطور عربيته لا يدل على نسبته إلى تلك الحقبة المتقدمة، فالعربية في القرن الرابع الهجري كانت تجنح نحو النبطية أكثر مما هو حال النقش، الذي ينسجم مستواه اللغوي مع أواخر القرن الخامس الميلادي، ولعل خطأ ما وقع، فضاع خط من خطوط فئة المئات بالترقيم النبطي، فنقص التأريخ قرنا كاملا عن تاريخ امرئ القيس الحقيقي. وهذا، كما أسلفت، يحتاج إلى بحث معمق على الحجر الأصلي.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14