املؤوا المدارس تفرغوا السجون

السبت 2014/08/23

الظلامية التي تجتاح الوطن العربي اليوم، عاشت أوروبا في القرون الوسطى أشنع منها، حيث انتشرت الأمية، وعمّ التفكير الساذج المؤمن بالسحر والشعوذة وبمقولات رجال دين متزمتين يزعمون أن الرب استخلفهم في الأرض يحكمون باسمه. وظلت القارة كلها ترزح تحت الجهل حتى نهض من أبنائها مفكرون ومبدعون شكلوا تيارا واسعا سعى إلى تنوير الأذهان، وإزالة غشاوة تكلست على البصائر قرونا طويلة. اعتمد فلاسفة الأنوار في مقاومة الأفكار البالية على فكرة مركزية مفادها أن تطور الإنسان في شتى المجالات، بما في ذلك المجال السياسي، مرهون بنشر المعارف. من أجل هذا وضع ديدرو ودالمبير مثلا موسوعة العلوم والفنون والصنائع ما بين 1751 و1772. فيما قام فولتير عام 1765 بوضع نص عنوانه “خطر القراءة الفظيع” لمقاومة الظلامية. فالظلامية في تصورهم هي قرينة الجهل، لا تزول إلا بزواله.

والجهل كما يعرفه الفلاسفة هو تفاوت بين الواقع وإدراك ذلك الواقع، ينجم في الغالب عن معتقد أو فكرة مسبقة أو وهم أو عدم معرفة، أي أمية مستحكمة لا يميز معها الفرد بين الحق والباطل. وإذا كانت البوذية تعتبره مرحلة أولى في سلسلة أسباب العذاب وواحدا من السموم الثلاثة، فإن الهندوسية تعدّه جهلا بطبيعة النفس المغلّفة بتعتيمات متتالية على الذات أو ما تسميه الضمير الصافي، تراكمها الرغبة وحب التملك.

أما الفلسفة اليونانية فترى في الجهل موقفا مضاعفا، حيث يعيش المرء على وهم المعرفة، والحال أنه جاهل بها. ويصنف أعلامها الجهل إلى جهل عارف، أي جهل الذي يعرف أنه لا يعرف. وجهل عميق، أي جهل من لا يعرف أنه لا يعرف. وهو ما نجده لدى الفلاسفة الألمان الذين يميزون بين الجهل الطارئ والجهل العمد، أي ذلك الذي يصرّ فيه المرء على تخلفه ويتمسك بعدم معرفته ويغلف ذلك بالتعصب والظلامية. وذلك ما نلمسه اليوم في خطاب المتشددين، الذين يعادون كل شيء، ويدمرون كل شيء، لأن الجهل أعمى بصيرتهم. وأسباب الجهل في مجتمعاتنا معروفة لا تحتاج إلى تفصيل القول، وطرق علاجها أسالت حبرا كثيرا لم تأت من ورائه جدوى.

وإذا كان فيكتور هوغو في قوله: “املؤوا المدارس تُفرغوا السجون” قد ثمّن دور التعليم في مقاومة الانحراف والجريمة، فإن إيراسموس (1466 – 1536) كان قد حذّر قبله من الجهل ووصفه بعدوّ الجنس البشري، وأبي الأدواء جميعا، لأنه، في رأيه، يولّد التعصب والعنصرية والعنف.


كاتب من تونس مقيم في باريس

17