امنحتب الثالث يقطع 3 ألاف عام ليعود الى معبده جنوب مصر

الاثنين 2014/12/29
العمل استغرق أكثر من شهرين لضخامة التمثال

القاهرة – تخطى التأثير الجغرافي والسياسي والديني الذي حاذ عليه المعبد الجنائزي للملك أمنحتب الثالث معبد أمون رع ذاته في قلب الكرنك، وعقب مرور 3 ألاف سنة يعود أحد أهم تماثيله مجددا لتزيين اطلاله المتناثرة على قارعة الطريق المؤدية إلى وادي الملوك في الأقصر جنوبي مصر.

لم يأت الملك المصري أمنحتب الثالث، والد اخناتون فرعون التوحيد، بالشيء الجديد عندما قرر تشييد معبده الجنائزي على مساحة واسعة من الأراضي بلغت 385 ألف متر مربع في منطقة البر الغربي لنهر النيل بمدينة الأقصر، التي تعرف بمدينة الموتى.

ونهض ملوك الدولة الحديثة في مصر بالنشاط المعماري وأولوا مجموعاتهم الجنائزية اهتماما خاصا، ارتباطا بالمعتقد الديني الذي جاء منذ آلاف السنين وتجسيدا لمفهوم البشر عن الآخرة بشكل خاص والحساب والعقاب بصفة عامة في الوقت الحالي.

لكن معبد أمنحتب الثالث الجنائزي تخطى كل طموح الملوك الفراعنة وقتذاك، ونجح في تشييد أكبر معبد جنائزي في مصر والعالم القديم.

ولم يتبق الكثير من هذا المعبد بالنظر إلى ما أقدم عليه الملك مرنبتاح ابن رمسيس الثاني لاحقا من تحويل المعبد إلى مصدر للحجر الجيري، في خطوة أثارت استياء علماء آثار وتفهم علماء آخرين.

فقد بني المعبد على ضخامته في مستوى منخفض من الأرض، كان يسمح كل عام لمياه فيضان النيل بالنيل من غرفه ومقصوراته وألوانه دون إحداث أي ضرر بأسس التشييد المتينة لأعمدته، وارتأى الملك مرنبتاح (من الأسرة التاسعة عشرة) أن يشيد معبده الجنائزي الخاص معتمدا على الأحجار من معبد أمنحتب الثالث.

التمثالان توقف عن "الغناء" منذ أن حاول الإمبراطور الروماني سيبتميوس سيفيروس لاحقا ترميمهما

لكن هذا لم يكن كل شيء. فقد ضرب مصر زلزال قوي عام 27 ق.م أدى إلى انهيار أجزاء واسعة من المعبد وتصدع التمثالين العظيمين اللذين يزينان مدخله الرئيس.

ولطالما عُرف هذان التمثالان بـ”تمثالي ممنون”. وقد أدى الزلزال إلى تصدع جسمي التمثالين، ودأبا منذ ذلك الحين على إصدار أصوات تشبه الصفير مع مرور الرياح بين الشقوق التي أحدثها الزلزال في جسميهما تزامنا مع شروق الشمس كل صباح. وتوقف التمثالان عن “الغناء” كما كان يقول المصريون منذ أن حاول الإمبراطور الروماني سيبتميوس سيفيروس لاحقا ترميمهما.

لكن تمثالا آخر كان يقف يوما ما بجوار تمثالي ممنون، ويقول علماء الآثار إن ذلك التمثال لم ينج من آثار الدمار التي تركها الزلزال عليه وسقط بعد ذلك بوقت قصير.ونجحت وزارة الآثار المصرية، منتصف هذا الشهر، في إعادة تركيب تمثال الملك أمنحتب الثالث في معبده بمدينة الأقصر الجنوبية التي كانت عاصمة لعصر يطلق عليه علماء المصريات عصر الإمبراطورية المصرية (1567-1085 قبل الميلاد).

ولأمنحتب الثالث، الذي حكم البلاد بين عامي 1417 و1379 ق.م، وتولى عرش الإمبراطورية في الثانية عشرة بعد وفاة والده تحتمس الرابع، عدة تماثيل في مجموعته الجنائزية.

والتمثال الذي أعيد تركيبه منحوت من حجر الكوارتزيت ويبلغ ارتفاعه 13 مترا ويجسد الملك واقفا يقدم ساقه اليسرى عن اليمنى “كما لو كان يستقبل القادمين من جهة الشمال”.

وكان التمثال مقسما إلى أربع كتل ضخمة ومئات القطع الصغيرة منذ تعرضه للتدمير في الزلزال الذي ضرب البلاد منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام.

وقالت البعثة المصرية-الألمانية التي عملت على إعادة تركيب التمثال إنها “تمكنت من ترميمه وإعادة تركيبه من جديد”، واستغرق ذلك نحو شهرين نظرا لثقل وزن التمثال الذي يبلغ نحو 50 طنا.

وأمنحتب الثالث كان الملك التاسع من ملوك الأسرة الثامنة عشرة من عصر الدولة الحديثة التي تمتعت بنفوذ سياسي واسع على أغلب ممالك العالم القديم، وكانت أمه زوجة ثانوية للملك تحتمس الرابع تدعى موت إم ويا. وشهد عهده رخاء وازدهارا كبيرين.

ولم تسجل السنوات العشر الأولى من حكم أمنحتب الثالث كثيرا من الآثار التي تعود إلى تلك الفترة؛ نظرا لحداثة سنه.

أمنحتب الثالث كان الملك التاسع من ملوك الأسرة الثامنة عشرة من عصر الدولة الحديثة التي تمتعت بنفوذ سياسي واسع على أغلب ممالك العالم القديم

وتشير المصادر إلى أن أمنحتب الثالث أمر بإنشاء معبد وقلعة إلى الجنوب قليلا من جزيرة ساي في صولب، العاصمة الإدارية في بلاد النوبة، وكذلك بنى معبدا لزوجته المحبوبة والمفضلة الملكة تي في بلدة سدينجه القريبة من منطقة صولب، وأيضا بنى مقرا لحكمه على البر الغربي لشاطئ النيل في طيبة (الأقصر) في منطقة الملقطة الحالية.

والملكة تي هي الزوجة الرئيسة للفرعون أمنحتب الثالث. وقد تزوج منها في العام الثاني من حكمه. وكانت تي ابنة لعائلة من إحدى عائلات نبلاء البلاط الأثرياء وتحديدا من مدينة أخميم في صعيد مصر (محافظة سوهاج).

ولعبت تي دورا كبيرا في حياة وفترة حكم زوجها، وأنجبت له وريثه وولي عهده الفرعون الفيلسوف أمنحتب الرابع (اخناتون) وعددا من الأبناء والبنات.

وطبقا للعقيدة الدينية والملكية لفترة حكم أمنحتب الثالث، اعتبرت الملكة تي إلهة السماء الأم، بينما اعتبرت بنات الملك بنات إله الشمس، مما يؤكد على رغبة الملك العارمة في اقتباسه صورة إله الشمس في شخص الملك المؤله في حياته لنفسه.

ويعد أمنحتب الثالث من الملوك المصريين القلائل الذين قدسوا في حياتهم، لذا فقد حرص على تجسيد صورته في أسلوب معماري نموذجي ترفع فيه النحات عن الأخطاء في ملامح البشر العاديين وتعمد تصوير الملك في صورته المثالية، وهو ما يظهر بوضوح في التمثال الذي أعيد بناؤه هذا الشهر قرب معبده الجنائزي، وأيضا في تمثاله العملاق مع زوجته تي الذي يزين الصالة الرئيسية للمتحف المصري في القاهرة.

12