انتحار اقتصادي لبلد ميت

الاثنين 2014/09/08

تفيد أنباء أروقة مجلس النواب العراقي أن بعض النواب يستعدون للضغط على الحكومة المقبلة، لتوسيع التعيينات الحكومية لملايين الشباب العاطلين، في حين يطالب آخرون بتخصيص مبالغ نقدية لكل عراقي من الموازنة الاتحادية.

غرض تلك المطالب لا يبدو سيئا، وهو يهدف إلى تخفيف الفقر الذي تعاني منه نسبة كبيرة من الشعب، ولكن المطالبين لا يدركون أنهم يدفعون باتجاه انتحار اقتصادي لبلد ميت.

فوزارة المالية أكدت هذا الأسبوع أن عجز موزانة العام الحالي سيبلغ 28 مليار دولار، قبل أن يغرق الاقتصاد في مزيد من الإنفاق والتعيينات الجديدة وقبل التفكير في توزيع أموال على العراقيين.

ومن المرجح أن يرتفع العجز، مع تراجع أسعار النفط، في وقت أصبح فيه العراق أمة عاطلة تأكل وتشرب وتلبس وتتسلح وتعيش من عوائد النفط فقط.

سلاح الحكومات السابقة الوحيد كان التوسع في الإنفاق لإدارة الحرائق التي أشعلها تخبطها واصطفافاتها الطائفية، في وقت تتحدث فيه أطراف حكومية منذ سنوات عن فقدان أثر عشرات مليارات الدولارات في خزانة الدولة.

وتشير التقديرات المتحفظة إلى أن الموازنة التشغيلية تلتهم ما لا يقل عن 80 بالمئة من الموازنة، وإذا تأملنا العجز المتوقع فإنها في الواقع تلتهم أكثر من مئة بالمئة من الموازنة.

فما الذي ستجده الحكومة المقبلة للموازنة الاستثمارية ومشاريع البناء والخدمات، في ظل استمرار تفجّر الموازنة التشغيلية؟

من الخطوات المنتظرة من أي حكومة مقبلة، عزل عشرات الآلاف ممن غزو المناصب الحكومية خلال عهود الحكومات الفاسدة دون حق أو كفاءة، لكن ذلك الإجراء الضروري سيضيف أعباء قاتلة إلى الموازنة عندما تتم إضافتهم إلى سجلات المتقاعدين الطويلة التي ترهق الموازنة.

وسيفرض ذلك مواصلة تفجير الموازنة التي لن تستطيع عوائد النفط مواكبتها. يكفي أن نشير إلى أن حجم موازنة العام الحالي يبلغ نحو 150 مليار دولار مقارنة بنحو 118 مليارا العام الماضي.

ماذا سيحدث لو تراجعت أسعار النفط العالمية بشكل كبير، وهو أمر متوقع في ظل وفرة الإمدادات، خاصة إذا عادت الصادرات الايرانية والليبية إلى سابق عهدها وفي ظل طفرة النفط الصخري في أميركا الشمالية؟

قبل أن يحدث ذلك وقبل أن نتأمل السيناريوهات المظلمة، تطالعنا الأخبار يوميا عن استقطاع جانب من رواتب الموظفين أو عدم تسديد رواتب آخرين لعدة أشهر.

من المرجح في ظل هذه التركة الثقيلة أن يتواصل العجز الحكومي عن تحريك الاقتصاد الراكد، إن لم نقل الميت، ولن يكون أمام الحكومة المقبلة سوى مواصلة الهروب إلى الأمام، بحلول ترقيعية، تزيد تعميق الحفرة التي سقط فيها الاقتصاد.

وفي ظل عدم وجود أي خطط لإصدار سندات للاقتراض من السوق المحلية أو العالمية (ربما لأن الحكومة تدرك عدم وجود ثقة بما يمكن إصداره) فإن “الدولة” يمكن أن تسقط في فوضى عارمة إذا ما تراجعت أسعار النفط.

وقد تلجأ إلى تسريح واسع للعاملين في القطاع العام أو تقليص رواتبهم، أو تلجأ إلى طباعة العملة على نطاق واسع مثلما حدث في زمن الحصار الاقتصادي، وهو سيناريو كفيل بانهيار قيمة الدينار.

هذه السياريوهات لم تعد بعيدة، وهي يمكن أن تحدث خلال وقت قريب إذا انخفضت أسعار النفط. حينها ستعجز الحكومة عن الوفاء بالتزامات الميزانية التشغيلية، ولن تستطيع دفع جميع الرواتب.

لقد أغلقت الحكومات السابقة مستقبل العراق بتفجير الميزانية التشغيلية، التي سقتصم ظهر مستقبل العراق إن لم تكن قد قصمته فعلا.

وحتى لو كان حيدر العبادي أفضل رئيس حكومة في العالم، فإنه لن يستطيع إصلاح كل الخراب في بنية الدولة، ولو حاول إصلاح الأمر فسيواجه احتجاجات من تعيلهم الدولة حاليا، والذين سيدافعون حينها عن مناقب حكومة المالكي!

توزيع المزايا على غير مستحقيها سهل، لكن انتزاعها سيكون في غاية الصعوبة.

11