انتحار العشاق في مصر بين فرط الرومانسية والبعد عن الواقع

على طريقة مشاهير المحبين المحبطين في تاريخ العشق، اختار بعض الشباب المصري إنهاء حياتهم بالانتحار، حزنا على رفض الأهل ارتباطهم بمن يحبون، فرأينا مؤخرا إقدام حبيبين شابين من محافظة البحيرة، إحدى محافظات دلتا مصر، على إنهاء حياتهما تباعا، اعتراضا على رفض أهلهما إتمام إجراءات ارتباطهما.
الاثنين 2015/08/24
الاعتراض بدون أسباب وبطرق مهينة يدفع إلى التفكير في الانتحار

محمد إمام، ويبلغ من العمر 26 عاما ألقى بنفسه في النيل ليموت غرقا من أجل أن يلحق بحبيبته التي قفزت من شرفة منزلها قبل أيام من انتحاره، بعد أن تقدم لخطبتها، إلا أن أهلها قابلوا طلبه بالرفض.

تكررت نفس الواقعة بمحافظة سوهاج جنوب مصر، في اليوم التالي، وانتحرت الفتاة الجامعية سارة محمد، بعد أن رفضت أسرتها ارتباطها بزميلها الجامعي، وقطع الحبيب شرايين يديه، حزنا على وفاتها وقرر عدم الزواج بأخرى طيلة حياته.

الظاهرة التي بدأت تنتشر بشكل ملحوظ بعد انتحار 5 شبان خلال يومين فقط، بسبب فشل قصص الحب ورفض الأهل إتمام علاقات الزواج بينهما، طرحت سؤالا عما إذا كانت هذه الرومانسية المفرطة نوعا من الانفصال عن الواقع الذي يوفر للشباب الكثير من الأزمات الحياتية، بحيث لم يعد الاكتئاب والمرض النفسي والظروف المالية أسبابا كافية في حد ذاتها لإقدام الشباب على الانتحار، حتى تنضم لها أسباب مترفة مثل فراق الحبيب.

خبراء الاجتماع والأسرة يعتبرون أن الخطر الأكبر يتمثل في أن غالبية الأسر تتعامل مع تهديدات أبنائها بالانتحار في حال رفض الزواج من شخص معين، بطريقة ساخرة، تصل إلى حد الاستهزاء، دون أن تأخذ كلام الأبناء على محمل الجد، ما ينذر بعواقب وخيمة قد تتسبب في اتساع دائرة الانتحار في المجتمع، إضافة إلى تدخلات الأسر بطريقة غير معتدلة في مناقشة الأبناء لأسباب رفض الزواج، بل وإجبارهم على الارتباط بشخصيات بعينها، بناء على اختيارات الأسر وليس الأبناء.

الدكتورة زينب حبيب، أستاذ علم الاجتماع الأسري قالت لـ”العرب” إن ظاهرة الانتحار بسبب الزواج باتت خطيرة على المجتمع المصري، حيث لم تكن موجودة سابقا بمثل هذا الانتشار الذي يحدث خلال الآونة الأخيرة، ما يضاعف من جهود الأسرة في احتواء الأبناء والاستماع إليهم وعدم التعامل معهم بدكتاتورية قد تفضي بهم إلى مصير مؤلم، خاصة أن حالات الانتحار الأخيرة أظهرت أن الشباب مازالوا في سن المراهقة، وبعضهم تخطاها بسنوات قليلة.

الانتحار بسبب الزواج ليس بجديد على المجتمع العربي لكنه تطور في الآونة الأخيرة لغياب التحاور داخل الأسر
لكن بالبحث عن الأسباب تبين أن رفض الأسر للزواج كان بدعوى أن شريك الحياة فقير أو ليس من أسرة كبيرة، بالإضافة إلى حاجة بعض الأسر لزواج الفتاة من أحد أقاربها، وهذه كارثة اجتماعية، أن يكون رفض الزواج بسبب التفرقة الطبقية أو العرقية.

أضافت حبيب، التي عايشت بنفسها حالة انتحار لفتاة كانت تسكن بالمنطقة التي تعيش فيها منذ أشهر، أنه من السهل إقناع الفتاة أو الشاب برفض الزواج، مثل إبداء الخوف على المستقبل، والتأني في التفكير والمماطلة في الرفض بأساليب حضارية.

لكن الاعتراض بدكتاتورية، ودون أسباب، وبطرق مهينة أحيانا، يدفع الشاب العاطفي للتفكير في إنهاء حياته، بل إنه في أحيان كثيرة يفكر في الانتحار للانتقام من أسرته، تحت مبرر أن الأسرة ستندم بعد رحيله على أنها فرقته عن محبوبته.

وقال أحمد سعد أستاذ الطب النفسي إن غياب التحاور بين الآباء وأبنائهم يعتبر من أسوأ العادات التي تنتشر في المنازل، حيث من النادر تكوين صداقات بين الفتاة ووالدتها، وبين الشاب وأبيه وأخواته، لمعرفة ما يدور في عقل الأبناء.

كما أن تكوين علاقات عاطفية مع شخصيات منبوذة من الأسرة نفسها، أمر يمكن حصاره ومن ثم علاجه، إذا كانت هناك علاقة صداقة بين الآباء والأبناء، حتى لا يصل الموقف إلى عناد بين الأب والابن، للاستمرار في هذه العلاقة.

خبراء يعتبرون أن الخطر الأكبر يتمثل في أن غالبية الأسر تتعامل مع تهديدات أبنائها بالانتحار بطريقة ساخرة

وأضاف لـ”العرب” أن الانتحار بسبب الزواج ليس بجديد على المجتمع العربي بشكل عام، لكنه تطور في الآونة الأخيرة لغياب التحاور وثقافة الرأي والرأي الآخر داخل الأسر، وذلك يتحمله الآباء وحدهم، إضافة إلى أن أولياء الأمور يتعاملون غالبا مع أبنائهم باعتبارهم أصحاب عقول ضعيفة لا يستطيعون تحديد مستقبلهم، حتى لو تجاوزوا سن المراهقة، بما قد يعرض الشاب أو الفتاة لمعاداة الأهل أو هجرتهم أو التفكير في التخلص منهم.

من هنا فإن تربية الأولاد على احترام الرأي ونشر ثقافة الحوار والإقناع وغرس الوازع الديني في المنزل والمدرسة، وعدم التحكم في مصائر الأبناء بهذا الحد، كلها تعتبر أسبابا كفيلة بالقضاء على هذه الظاهرة قبل أن تتفاقم في المجتمع.

وشهدت مصر خلال الفترة من يناير حتى بداية أغسطس من العام الحالي 157 حالة انتحار مكتملة، بخلاف حالات أخرى لم تكتمل، وفقا لرصد قامت به المنظمة التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، وهي جهة غير حكومية، كان الذكور أصحاب العدد الأكبر في حالات الانتحار بـ128 حالة، مقابل 29 حالة فقط للإناث، وبلغت النسبة الأكبر لحالات الانتحار في شريحة الشباب والمنحصرة في الفئة العمرية بين 18 و35 عاما، وكانت 83 حالة.

وبحسب إحصائية لمنظمة الصحة العالمية، فإن مصر تشهد حوالي ثلاثة آلاف محاولة انتحار سنويًا لمن هم أقل من 40 عامًا، بمعدل 1.7 حالات بين كل 100 ألف نسمة، بما يعني أن انتحار الشباب تحول من حوادث نادرة فردية إلى ظاهرة تستحق التوقف عندها، ورصد متغيراتها وأسبابها ووضع تصورات لمواجهتها.

21