انتحار امرأة

الأربعاء 2015/05/13

كتبوا عنها خبرا عابرا.. لكن انتحارها كان غريبا فأثار فضولي.. ربما اختارت بطريقة أو بأخرى تلك الميتة الرومانسية التي ختم بها شكسبير مسرحيته “روميو وجوليت”.. ولم تختر ذلك الانتحار الصاخب الذي صارت تتميز به شعوبنا حين يقرّر الانتحاري ألا يذهب للموت بمفرده فيصر على ارتكابه وقد جمع حوله مظاهرة من الضحايا الأبرياء الذين لابد وأن يكون معظمهم، إذا لم نقل كلهم، متشبثين بحياتهم ولا توجد لديهم أدنى رغبة بالموت.

لكنها لم تكن في مقتبل العمر مثل أبطال شكسبير فيبرر انتحارها كمراهقة.. كانت في منتصف العمر.. في أربعيناته التي تخيف النساء حين يتسلل إلى مسامعهن عبارة: سن اليأس، بدل سن النضج.. وكأن حياة المرأة تنحصر في الإنجاب فقط.. (لابد أنه وصف أطلقه رجل.. فللرجال أيضا سن يحدّد قدراتهم الجنسية وقدرتهم على الإنجاب.. ولكن لم يفكر أحد بإطلاق صفة اليأس على أعمارهم!)..

لكن سن اليأس لم يكن السبب.. ولا حياتها في الغرب.. الذي سجلت بلدانه الباردة أعلى نسب انتحار في العالم بسبب البرد والرفاهية والملل.. فهي لم تنتحر يأسا من الإنجاب ولا مللا أو ترفا.. وهي ليست امرأة غربية.. هي عربية خبرت الانقلابات وزلازل الحياة في عالمنا العربي.. وقد احتار في موتها المحققون بعد أن حللوا جثتها ولم يجدوا أثرا لعقار أو مشرط أو ضربة أو كدمة أو حتى مرض.. وأخيرا عثروا على قصاصة تركتها عند سريرها وقد زادت من غموض موتها المفاجئ الذي قرّرتـه مع سبق الإصرار والترصد.. تقول القصاصة:

“لا أتقن فنّ العزف على الموت.. لكنني أتقن رسم هواجسي.. ولذا سأرسمها حتى آخر نقطة يأس.. وأرى: هل سيجيئني الموت حقا كما طلبت منه؟.. لأنني أخاف الله.. ولا أريد أن أرتكب معصية قتل النفس.. لكنني أرجوه وأتوسل إليه ألا يخذلني وأن يتركني أمضي لموتي راضية مرضية لأنتهي من حياة لم تعد جديرة بأن تعاش.. حياة استشرى فيها الظلم والقتل والشر والكذب.. إني لأشعر بالاحتقار لكل شيء حولي.. نعم أنا إنسانة.. أنا أحس.. وإذا فقد العالم حولي الإحساس فهذا لا يعني أنني على خطأ.. أنا عاشقة.. فهل يمكن لعاشقة أن تحتقر حبيبها وتاريخ حبها؟.. وحده الغدر كفيل بإشعال نار الفتنة العاطفية!.. وحدها الخيانة كفيلة بأن تجعلنا نموت ألما وإحساسا بالقهر.. الخديعة هي الأسوأ حتى من الموت.. خدعونا فسرقوا بلادنا.. طعنونا في ظهورنا وسلموا للغرباء أعز ما نملك.. وصديقتي طعنها حبيب عمرها وتركها ليقع في حب عاهرة!.. لا تتعجبوا.. فعقول الرجال أصغر حتى من عقولنا نحن ناقصات العقل والدين.. والعاهرات هنّ الأشطر في الإيقاع بالرجال.. تماما مثل المناضلين والثوريين المثاليين الزائفين الذين يجيدون تخدير العقول وكسب المريدين وهم فاسدون.. وإذا عكسنا الصورة فغواية العاهرات تشبه غواية الكراسي!.. رباه إني فوّضت لك أمري.. وأنا أجبن من أن أقوى على إنهاء حياتي بيدي.. فخذ إليك أمانتك.. فقد عيل صبري من حياة لم يعد للصدق فيها من مكان”..

الانتحار صرخة بوجه العالم.. لكنها لم تنتحر.. وقد قرر المحققون بعد بحث طويل أن يقيدوا الحالة ضد موت مجهول السبب.. موت قرّرته امرأة في الأربعين.. مرهفة المشاعر.. تنتمي لزمن مثالي لم يعد موجودا..

21