انتحار روبن وليامز حول الموت العاصف إلى قهقهة

الأربعاء 2014/09/03
انتحار وليامز المهرج، هو مشهد تهريج يحيا حالته القصوى

يطلق موريس بلانشو في كتابه “كتابة الكارثة” جملة تصلح لتفسير ما أقدم عليه روبن وليامز، يقول بلانشو: “أنت لن تقتل نفسك، لأن الانتحار سيسبقك”.

لم يقتل روبن وليامز نفسه كان الانتحار أسبق وأسرع، كان سياقا ممتدا موصولا بالقسوة والفظاظة، وكان يطلق عليه اسم الحياة. الساخرون الكبار غالبا ما يكونون ممتلئين بالحياة، لدرجة أنها تفيض منهم وتحيا خارجهم وضدهم، السخرية أنثوية، والعالم ذكوري، يسعى دائما في كل معاييره إلى اغتصابها مرارا وتكرارا، السخرية عقلنة حنونــة وشفافة، والعالم فوضى لئيمة لا ترحم.

كونديرا وصف بدقة فعل الدخول إلى العالم في لحظتنا الحالية، فأعلن بوضوح “أن الرصاصة التي تدخل في قلب الرجل تدخلك إلى العالم”. العالم للقتلة إذن، فماذا سيفعل المهرجون غير أن يمدوا ألسنتهم ساخرين من القاتل، ويرمون في وجهه قنابل النكات فيتقزم ويتقزم حتى يختفي.

هذه هي وظيفة الضحك، إنه يفكك سلطة المقدس ويلغي الخوف. إمبرتو إيكو يروي في “اسم الوردة”، كيف كانت الكنيسة تسعى إلى منع كتب الضحك وتسميمها كي يموت من يلمسها، لأن من شأنها تدمير الخوف، وتاليا تدمير الإيمان كله.

الإيمان هو الخوف إذن والشك هو الضحك، لا أرى في روبن وليامز شيئا آخر سوى أنه ابن الشك الساخر الصانع لرؤية نقدية، اجتهدت في أن تطال حشدا كبيرا من المقدسات أبرزها العسكر وفكرة النظام.

كامل مشروع وليامز السينمائي كان يقوم على الاصطدام الساخر بالمنظومات الجامدة واختراقها، فالأب الذي يتنكر في زي امرأة كي يستطيع رؤية أولاده في فيلم “السيدة داوتفاير”، إنما يقدم نموذجا ساخرا لمفاهيم الأبوة كسلطة والأسرة والعلاقات. نجاح الأب المتنكر في القيام بما لم يستطع إنجازه وهو في شخصيته الفعلية يطرح سؤال الأدوار الاجتماعية للشخصيات، والتي تخضع لمواصفات ثابتة تفترض في كل شخصية أن تلغي ذاتها وتتحول إلى آلة تنفذ ما كتب في دفتر الوصايا من تعليمات.

الساخرون الكبار غالبا ما يكونون ممتلئين بالحياة، لدرجة أنها تفيض منهم وتحيا خارجهم وضدهم

الأب الفاشل يتحول إلى مربية ناجحة، الفكرة التي تكمن وراء هذا المسخ الساخر لشخصية الأب وفعل التربية، يعلن أن الأب المتنكر في دور مربية لم ينجح في مهمته إلاّ لأنه أب في الأساس، وأن المربية ليست سوى الأب المنشود.

ورقة المواصفات الاجتماعية والتربوية لا تسمح بالانتقالات والتحولات، لذا فإن الأب يموت حين يقبل ارتداء ثوب المربية.

الفعل الخطير الذي قام به وليامز في هذا الدور، هو أنه قتل الأب المنحوتة صفاته بإزميل العادات والتقاليد، ولكنه جعل صفاته البسيطة التي تختصر في الحنان تنتصر بشكل كامل على سلطات الأب، وعلى الصورة التي يجب عليه أن يتقمصها اجتماعيا وسلوكيا.

وليامز بقي خارج التكريس، فقد كان معترفا به كممثل كبير، ولكن لم يتم الاعتراف به كنجم، بحيث أن مسيرته الطويلة والناجحة لم تتوج سوى بأوسكار أفضل ممثل في دور ثانوي عن دوره في فيلم “غود ويل هانتينغ”، وأربع جوائز “غولدن غلوب”، لأن الأوسكار ومن وراءه لا يرغبون في منح الأوسكار لفيلم كوميدي، كما كان يصرح في المقابلات التي تجرى معه.

إذا تابعنا تاريخ جوائز الأوسكار لوجدنا أن الأفلام الكوميدية لم تدخل في جنتها. هذه المفارقة تطرح أسئلة حادة حول العقل الذي يدير البناء الهوليوودي، فالفكاهة من حيث هي ممثلة لروح نقدية صافية غير مرحب بها.

هوليوود ليست إذن سوى مؤسسة سلطة قد يدخلها أمثال روبن وليامز ويقطنون فيها طويلا، ولكنهم لا يستطيعون أبدا أن يكونوا منها، إنهم يبقون ضيوفا.

روبن وليامز ربما يكون هذا العابر الشريد الذي ينطبق عليه وصف ستيفان تسفايج للإنسان الشريد الذي “يغدو حرا بمعنى جديد، إذ أن من يفقد صلاته كلها، هو الوحيد الذي لا يلزمه أي تحفظ فكري”.

أعتقد أن جوهر تجربة وليامز، تكمن في كونه شريدا وناجيا من كل التحفظات الفكرية، فيلمه الأشهر والأبرز “مجتمع الشعراء الموتى” يقتل التحفظ الفكري لصالح الـ”كاربي ديم”، وهي كلمة لاتينية تعني قطف النهار وعدم الانشغال بيوم غد.

الأستاذ كيتينغ الذي يقوم وليامز بدوره في هذا الفيلم يدخل إلى الصف، ويقرأ تعريفات للشعر لباحث أكاديمي مرموق، يسعى إلى جعل الشعر عبارة عن معادلات رياضية، يمكن تحديدها وقياسها وتحديد جودتها انطلاقا من معطيات تقنية معينة.

يقرأ كلام الباحث وتعريفاته ويرسم على اللوح خطوطا بيانية أفقية وعمودية، قبل أن يلتفت إلى الطلاب ويفاجئهم بالقول إن هذا الكلام ليس سوى هراء. لعلّ رباعية السخرية، الرعب، الانحطاط، الغائط التي يواجه بها الطلاب، رباعية المدرسة العسكرية الطابع، التي تؤمن بالتقاليد والشرف والانضباط والتفوق، تختصر رؤية وليامز لنفسه وفنه، وتمثل دفاعه الأكثر أصالة ضد المدرسة الهوليوودية، ومدرسة الحلم الأميركي الصانعة لروح العسكرة المسيطرة على منطق العيش المعاصر.

من هنا نستطيع أن نقول إن وليامز لم يقدم على الانتحار للتخلص من الحياة، بل لكي يمتص جوهرها، ليس الانتحار سوى محاولة لإيصال السخرية إلى أقصى حدودها، حيث يتحول الموت إلى تجربة، مجرد تجربة لا يستطيع أحد سواه أن يحياها.

انتحار المهرج، هو مشهد تهريج يحيا حالته القصوى، حيث ينضم نقيضه الموت إلى غابته الملونة.

انتحر وليامز فصار الموت قهقهة.

16