انتحار قاض بارز لا يوقف التحقيق في قضية فساد كبرى بمصر

يشكل الفساد إحدى المعضلات الرئيسية التي تواجه الحكومة المصرية، وقد بدا مؤخرا أن هناك توجها للضرب وبقوة على يد المتورطين في ملفات فساد، ومنهم شخصيات نافذة في الدولة، وتؤكد أوساط مسؤولة أن انتحار أحد كبار القضاة المتهم في قضية رشوة، لن يحول دون استمرار الحملة، التي تحاول من خلالها الحكومة تحسين صورتها ونسف تلك الصورة النمطية التي طبعت في أذهان المصريين بأن الدولة تتعامل بانتقائية حيال هذا الملف.
الثلاثاء 2017/01/03
القضية تثير ضجة بمجلس الدولة

القاهرة - أكدت مصادر لـ“العرب”، أن انتحار أحد قضاة مجلس الدولة في مصر، الاثنين، لن يوقف سير قضية الرشوة الكبرى التي كشفت عنها الأجهزة الرقابية مؤخرا، وأشارت إلى أن الحكومة المصرية لن تتوقف عن كشف أي مسؤول ارتبط بالقضية، في إطار حملتها التي بدأتها لتعقب جرائم الفساد.

وكان أمين عام مجلس الدولة المصري المستقيل، وائل شلبي، المتهم في قضية فساد كبرى، انتحر داخل سجنه فجر الاثنين، بعد التحقيق معه لخمس ساعات متواصلة أمام نيابة أمن الدولة العليا، وصدور قرار بحبسه 4 أيام على ذمة التحقيق.

وقال مصدر قضائي لـ“العرب”، إن المستشار المستقيل، كان قد هدد أمام نيابة أمن الدولة بالانتحار في أثناء التحقيق معه، وأن حالته النفسية كانت “سيئة للغاية”، وانخرط في البكاء عدة مرات خلال الساعات التي استغرقها التحقيق معه.

وتعد القضية المتهم فيها أمين مجلس الدولة (أعلى سلطة إدارية في القضاء)، الأكبر من نوعها في تاريخ القضاء المصري، لا سيما وأن المبالغ المضبوطة بحوزة المتهم الأول، جمال اللبّان مدير عام المشتريات بذات الهيئة، بلغت نحو 150 مليون جنيه، إضافة إلى مجموعة من الشقق والفيلات والسيارات الفارهة.

وواجهت النيابة القاضي المنتحر بالتسجيلات التي حوت مكالمات له مع المتهم المضبوط بالرشوة (اللبان)، واثنين آخرين من أصحاب الشركات الخاصة، والمحبوسين حاليا بصورة احتياطية على ذمة القضية، ووجهت له تهمة تلقي رشوة للقيام بعمل من أعمال وظيفته بالمخالفة للقانون، إلا أن القاضي المستقيل أنكر جميع الاتهامات.

وفور الوفاة، أعلن المستشار نبيل صادق، النائب العام المصري، حظر النشر في القضية برمتها أو ما يتعلق بحالة الانتحار وأبعادها، مع الالتزام فقط بنشر البيانات الرسمية الصادرة عن النيابة محل التحقيق، في حين تم عرض الجثة على خبراء الطب الشرعي الذين أكدوا انتحاره. وقال مصدر بالنيابة العامة لـ“العرب”، إن النائب العام “مستاء” من طريقة تناول الإعلام ومواقع الإنترنت للقضية، والتلويح بأن الفساد يعج في مجلس الدولة، ووصل الأمر إلى التشكيك في أسباب الوفاة، ما استدعى وقف النشر في القضية لعدم التأثير على سير التحقيقات، وحتى لا تهتز صورة المؤسسات القضائية.

مصر مصنفة من قبل منظمة الشفافية الدولية بأنها واحدة من الدول التي تعاني مستوى كبيرا من الفساد

وأكدت مصادر أمنية لـ“العرب”، أن القاضي كان محبوسا في سجن إداري تابع لهيئة الرقابة الإدارية، التي كشفت واقعة الرشوة، وليس في أيّ من سجون وزارة الداخلية، ما يدحض مزاعم المشككين.

وأوضحت المصادر ذاتها، أن القضية لن تغلق بوفاة أمين عام مجلس الدولة المستقيل، لا سيما وأن جهات التحقيق لديها تسجيلات عديدة تخص شخصيات أخرى مازالت أسماؤهم مدرجة في القضية، كما أن المتهم الأول، وهو مدير إدارة المشتريات، مازال على قيد الحياة، ولديه نية للاعتراف بكل المشتركين في الرشوة، أملا في تخفيف العقوبة عنه بنص القانون، باعتباره “شاهدا رئيسا في القضية”.

وتخوض الحكومة المصرية حربا شرسة ضد الفساد خلال الأشهر الأخيرة، في محاولة لتحسين صورتها، بعد تنامي الغضب المجتمعي من تشعب الفساد في مختلف المؤسسات الحكومية، وفي نفس الوقت تسعى لتخفيف الاحتقان في الشارع، بعد سلسلة القرارات الاقتصادية الأخيرة التي اتخذتها وتسببت في رفع الأسعار لأرقام قياسية.

ورأى مراقبون أن ما يميز معركة الحكومة ضد الفساد، وإن كانت معركة استثنائية ونادرة، أنها لا تميّز بين مسؤول كبير وصغير، لا سيما وأن القاضي المنتحر يعد الثالث الذي يجري إلقاء القبض عليه في عام 2016 في تلقي رشوة، فضلا عن ضبط مسؤولين آخرين في جهات حكومية مهمة بذات التهمة، ما يمكن اعتباره ظاهرة حسنة لم يعتد المصريون عليها.

وكان الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، قد صرح الأسبوع الماضي، أثناء افتتاح عدد من المشروعات بمنطقة قناة السويس، أنه لا أحد فوق المحاسبة، حتى لو كان رئيس الجمهورية نفسه، وسيتم تطبيق القانون على الجميع أيّا كانت مناصبهم والهيئات التابعون لها، وذلك في سياق تعقيبه على قضية الفساد في مجلس الدولة.

وجدد السيسي تذكير الشارع بأنه منذ عدّة أشهر توصلت الجهات الرقابية إلى واقعة فساد بمكتبه الشخصي، وعندما سألوه “ماذا نفعل؟” أجاب، بأنه لا أحد فوق المحاسبة، وجرى القبض على المتهم من داخل مؤسسة الرئاسة.

ورأت دوائر سياسية أن انتهاج الحكومة لهذه السياسة الجديدة في التعامل مع قضايا الفساد، من شأنه أن يغير نظرة الشارع إلى النظام الحالي، ويزيد من شعبيته كمحارب للفساد، باعتبار الفساد إحدى أدوات تخريب المؤسسات، بعد سنوات طويلة من ترسخ قناعة لدى الناس بأن هناك “جهات سيادية ممنوع الاقتراب منها”، خاصة وأن الحكومة حاليا تسعى جاهدة إلى إثبات حسن نواياها لدى الشعب بأنها تعمل صالحه.

وقال اللواء محمد أبوحسين، وكيل هيئة الرقابة الإدارية سابقا، إن النظام يدرك تماما أن الفساد يمثل بالنسبة إليه العائق الأكبر، وأنه لا مكاسب تذكر من حماية الفاسدين تحت أي ظرف، وبالتالي فإن القضاء على المرتشين والفاسدين يفسح المجال أمام الحكومة للمزيد من التنمية وتحسين الصورة.

وأضاف لـ“العرب”، أن توافر الإرادة السياسية، وعدم وجود مظلة لحماية الفاسدين في مختلف الهيئات الحكومية، بغض النظر عن حصانتها أو اسمها، سهّل من مهمة الجهات الرقابية في الكشف عن العشرات من القضايا، وفي جهات لم يكن أحد يقترب منها في السابق.

واعتبر متابعون أن قضايا الفساد والرشوة المضبوطة مؤخرا، من شأنها تحسين صورة مصر دوليا، لا سيما وأنها مصنّفة من قبل منظمة الشفافية الدولية بأنها واحدة من الدول التي تعاني مستوى كبيرا من الفساد، ولم تكن لدى الحكومات السابقة وقائع جادة تدافع بها عن نفسها، أما الآن فإنها ستظهر على أنها تسير في طريق تطهير المؤسسات من كل ما يعيق التنمية التي تتحدث عنها طوال الوقت.

2