انتخابات إثيوبيا: الأكثر حرية في تاريخها ودموية أيضا

انعدام الأمن الإقليمي في بعض المناطق إثيوبيا يحرم الناخبين من التصويت لكنه قد يسمح لرئيس الوزراء أبي أحمد وحزب الرخاء الحاكم بالفوز بأغلبية مريحة وتشكيل حكومة.
السبت 2021/06/19
ضراوة العنف تلطخ سجل آبي أحمد الانتخابي

إذا أجرت إثيوبيا انتخاباتها التي تأجلت ثلاث مرات الاثنين القادم، ستصبح سابع انتخابات رئاسية أو عامة تشهدها أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى منذ عام 2018 دون أن يتمكن ناخبون في بعض المناطق من الإدلاء بأصواتهم فيها، ما من شأنه أن يثير المخاوف بشأن نزاهتها ومصداقية نتائجها، وعلى الرغم من أنها الانتخابات الأكثر حرية في تاريخها إلا أن ضراوة الصراع والعنف في تيغراي يلطخان السجل الانتخابي للبلاد تماما كتجاربها السابقة، ويشوهان أيضا سمعة رئيس وزرائها آبي أحمد كإصلاحي وصانع سلام.

أديس أبابا- تشهد إثيوبيا الاثنين انتخابات توصف بأنها الأكثر حرية في تاريخها، لكنها تأتي في ظل حرب ومجاعة في الشمال وشكوك جادة في نزاهتها.

وعند وصوله للسلطة وعد رئيس الوزراء آبي أحمد بتنظيم انتخابات تكون الأكثر ديمقراطية في تاريخ ثاني أكبر بلد أفريقي لجهة عدد السكان، حيث لطخ القمع واتهامات التزوير سجله الانتخابي في الماضي.

ويسعى رئيس الوزراء، الحائز جائزة نوبل للسلام والذي أطلق سراح المئات من المعتقلين السياسيين، للحصول على تفويض شعبي كبير بعد ثلاث سنوات من إحداثه تغييرا كبيرا في البلاد صاحبته اضطرابات عنيفة أيضا.

ووصل القيادي الأربعيني إلى السلطة إثر احتجاجات مناهضة للحكومة، وتمت الإشادة ببرنامجه للإصلاح الديمقراطي والذي تضمن تعهده بإجراء أكثر انتخابات تنافسية في تاريخ البلاد.

وتأجلت الانتخابات مرتين، مرة على خلفية جائحة كوفيد – 19 والثانية لإتاحة المزيد من الوقت للجنة الانتخابات، لكنّ آبي دعا الناخبين إلى المشاركة في “يوم تاريخي” في 21 يونيو.

وفي العاصمة أديس أبابا، تزدحم الشوارع بلافتات الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، فيما عقدت الحركات السياسية من كافة الأطياف السياسية تجمعات في اليوم الأخير للحملات الانتخابية الأربعاء، في مشاهد نادرة غير مسبوقة.

وقال إينيو يهوالو في مسيرة معارضة صاخبة في ميدان رئيسي في العاصمة “في الماضي لم يكن بوسعنا فعل ذلك أبدا”، وذلك على مرأى عدد قليل من عناصر الشرطة.

جود ديفيرمونت: انعدام الأمن يقوض قدرة الإثيوبيين على المشاركة في الانتخابات

لكن خارج العاصمة، الصورة أقل وردية في البلد الكبير ومتعدد العرقيات في القرن الأفريقي الذي يعد 110 ملايين نسمة. وبالنسبة للملايين من الإثيوبيين، ستُجرى الانتخابات في أرجاء البلاد اسميا فقط، حيث لن تُجرى في نحو خمس من الدوائر الانتخابية البالغ عددها 547.

وعدت بعض المناطق غير آمنة لعقد الانتخابات، كونها تشهد اضطرابات مسلحة وعنفا عرقيا تفاقم في عهد آبي، مع سعي بعض المناطق للحصول على قدر أكبر من الحريات.

وفي حالات أخرى، لم تكن لجنة الانتخابات جاهزة، مع وجود أخطاء في الطباعة على أوراق الاقتراع، ومشكلات لوجستية أخرى، ما يجعل إجراء انتخابات عامة في الوقت المناسب أمرا مستحيلا.

مخاوف حول المصداقية

ستعقد دورة ثانية من الاقتراع في 6 سبتمبر لاستيعاب العديد من الدوائر الانتخابية التي لن تشهد اقتراع الاثنين. لكن لم يتم تحديد موعد لإجراء الانتخابات في إقليم تيغراي الذي تمزقه الحرب، أقصى شمال البلاد، حيث تقول وكالات الأمم المتحدة إن 350 ألف شخص يواجهون المجاعة وتم توثيق فظائع بحق سكان.

وتمثل منطقة تيغراي 38 مقعدا في البرلمان الوطني، لكن مصيرها السياسي يلقى اهتماما دوليا أقل من المحنة القاسية التي يواجهها سكانها البالغ عددهم ستة ملايين نسمة.

ويتفشى الجوع في الإقليم بعد سبعة أشهر من إرسال آبي لقوات فيدرالية واعدا بحملة سريعة للإطاحة بحزبها الحاكم المعارض. وتم تكريم آبي في الغرب وعبر القارة، لكن سمعته كإصلاحي وصانع سلام تضررت بشدة، حتى مع صمود إدارته بمواجهة الانتقادات الدولية.

وقالت المتحدثة باسمه بيلين سيوم هذا الأسبوع “لا يحتاج رئيس الوزراء إلى أن يكون محبوبا من الغرب أو الشرق أو الجنوب أو الشمال”. وتابعت “يكفي أنه يدافع عن شعب إثيوبيا وتنمية الأمة. وفي 21 يونيو سيقرر شعب إثيوبيا”.

وحتى في المناطق التي تُجرى فيها عملية التصويت، تقاطع بعض أحزاب المعارضة الاقتراع احتجاجا على سجن قادتها، مع مخاوف أخرى بشأن نزاهة العملية.

وقال كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية وليام دافيسون إن الاقتراع غير الكامل قد يسمح لآبي وحزب الرخاء الحاكم بالفوز بأغلبية مريحة وتشكيل حكومة. وأضاف “لكن في ظل هذا السيناريو ستظل هناك شكوك كبيرة حول مصداقية العملية في نظر العديد من الإثيوبيين وكذلك المراقبين الدوليين”.

وبالنسبة لأولئك القادرين والراغبين في التصويت، لا تشكل المصداقية مصدر قلق. وكشفت بيثيل وولدميكل، 37 عاما من أديس أبابا، أنها وأصدقاءها وعائلتها سيشاركون في التصويت. وتابعت عاملة البيع بالتجزئة “آمل أن تكون الانتخابات سلمية ولا يتم تزويرها وأن يسير كل شيء بسلاسة في البلاد يوم 21 يونيو”.

انعدام الأمن

بالنسبة إلى الملايين من الإثيوبيين ستُجرى الانتخابات في أرجاء البلاد اسميا فقط، حيث لن تُجرى في نحو خمس من الدوائر الانتخابية البالغ عددها 547
بالنسبة إلى الملايين من الإثيوبيين ستُجرى الانتخابات في أرجاء البلاد اسميا فقط، حيث لن تُجرى في نحو خمس من الدوائر الانتخابية البالغ عددها 547

يشير متابعون ومحللون إلى أن انعدام الأمن الإقليمي يحرم الناخبين من التصويت في إثيوبيا بصفة خاصة وأفريقيا جنوب الصحراء ككل.

وأوضح جود ديفيرمونت مدير برنامج أفريقيا في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأميركي في واشنطن في تقرير نشره المركز أن تقييما افتراضيا قبيل الانتخابات من المعهد الجمهوري الدولي والمعهد الوطني الديمقراطي، أشار إلى أن انعدام الأمن واسع الانتشار “يقوض قدرة الإثيوبيين على المشاركة في العملية الانتخابية ويهدد بتقويض التصويت في يوم الانتخابات”.

وبينما تعتبر أسباب أزمة إثيوبيا بالنسبة إلى المشاركة في الانتخابات فريدة من نوعها، أصبحت النتيجة شائعة بشكل مثير للقلق. ومن المرجح أن تؤثر التحديات الأمنية المتكررة سلبا على الانتخابات المستقبلية في بؤر ساخنة إقليمية أخرى وتفاقم حالة الديمقراطية والحرية محفوفة المخاطر في أفريقيا جنوب الصحراء.

وبرأي ديفيرمونت أن إثيوبيا هي الأحدث ضمن مجموعة من الدول الأفريقية شهدت إغلاق مراكز اقتراع بشكل استباقي أو غير متوقع نتيجة لتهديد بالعنف، وفي أحد الأمثلة، بسبب وجود جماعات مسلحة أو تفشي فايروس إيبولا.

وفي أشد الحالات خطورة، تم منع 10 في المئة من الناخبين من الإدلاء بأصواتهم. ومن الأمثلة التي لم يتمكن خلالها بعض الناخبين من الإدلاء بأصواتهم، انتخابات جمهورية أفريقيا الوسطى عام 2020 وبوركينا فاسو عام 2020 ونيجيريا عام 2019 وجمهورية الكونغو الديمقراطية عام 2018 ومالي عام 2018 والكاميرون في العام نفسه. ويتوافق هذا الاتجاه لإغلاق مراكز الاقتراع من ناحية مع تصاعد أعمال عنف المتطرفين وانعدام الأمن في المنطقة.

بينما تعتبر أسباب أزمة إثيوبيا بالنسبة إلى المشاركة في الانتخابات فريدة من نوعها، أصبحت النتيجة شائعة بشكل مثير للقلق

وأشار مركز أفريقيا للدراسات الإستراتيجية إلى أن هناك زيادة بنسبة 43 في المئة في أعمال العنف الناجمة عن جماعات إسلامية متشددة في أفريقيا في عام 2020. وقال التقرير إن هذه النسبة تمثل ارتفاعا قياسيا في مستوى العنف وتأتي “استمرارا للاتجاه التصاعدي منذ عام 2016”.

وتزامنت هذه الزيادة في الصراع مع أكثر السنوات ازدحاما بالانتخابات في المنطقة، حيث أجرت 31 دولة انتخابات رئاسية أو عامة في الفترة بين يناير 2018 وحتى مايو 2021، ومن بينها كل دول الساحل وحوض بحيرة تشاد.

وبين ديفيرمونت أن مشكلة إغلاق مراكز الاقتراع وعدم إجراء انتخابات بها، كانت أقل حدة في العقود السابقة، حيث كان أي صراع سببا أكثر قبولا لإجراء الانتخابات.

وهناك تداعيات عديدة لإغلاق مراكز الاقتراع. أول هذه التداعيات أنها ربما تثير احتجاجات والمزيد من العنف، ومن بين التداعيات الأخرى أنها تسهم في دائرة مفرغة، حيث لا يتمكن الناخبون الذين يرغبون في أن يكافح القادة انعدام الأمن من المشاركة في الانتخابات نتيجة لانعدام الأمن ويشعرون بشكل متزايد أنه تم تجاهل مخاوفهم بشأن هذه القضية.

وسيراقب الحلفاء الغربيون لإثيوبيا الانتخابات عن كثب مثل الولايات المتحدة التي أعربت عن قلقها البالغ إزاء استبعاد مثل هذا العدد الكبير من الناخبين من الاقتراع. كما ستراقب مصر والسودان الانتخابات باهتمام أيضا.

ويعارض البلدان سد النهضة الإثيوبي، وهو مشروع ضخم للطاقة الكهرومائية على النيل الأزرق ومصدر للفخر الوطني في إثيوبيا، قائلين إنه يهدد إمدادات المياه الخاصة بهما.

وأوضح الاتحاد الأوروبي في مايو أنه لن يرسل مراقبين إلى صناديق الاقتراع، مشيرا إلى عدم التوصل إلى اتفاق مع الحكومة الإثيوبية بشأن قضايا أساسية مثل الاتصالات واستقلال المراقبين.

وسيختار الناخبون ممثليهم في البرلمان الوطني والبرلمانات الإقليمية. وينتخب نواب البرلمان الوطني رئيس الوزراء وهو رئيس السلطة التنفيذية، وكذلك الرئيس وهو منصب شرفي إلى حد كبير.

منطقة تيغراي تمثل 38 مقعدا في البرلمان الوطني، لكن مصيرها السياسي يلقى اهتماما دوليا أقل من المحنة القاسية التي يواجهها سكانها البالغ عددهم ستة ملايين نسمة

 

6