انتخابات السودان تستنسخ المشهد القديم في ظل مقاطعة واسعة

الأربعاء 2015/04/15
البشير يخوض سباقا انتخابيا أعد العدة لكسبه مسبقا بالتضييق على معارضيه

واشنطن - يسدل الستار اليوم في السودان عن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بعد انتهاء يومها الثالث، وسط موجة متصاعدة من الانتقادات والرفض للطريقة التي انتهجتها الحكومة السودانية في إدارة العملية الانتخابية، بغاية تمكين عمر البشير (وحزبه)، بشكل مُسبق، من عهدة جديدة، يطمح هذا الأخير من ورائها لإضفاء بعض من “الشرعية” على حكمه الذي يبدو أنه فقد الكثير منها داخليا وكذلك على المستوى الدولي.

لا تخضع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية السودانية التي فتحت صناديقها أمام الناخبين منذ يومين وتنتهي، اليوم الأربعاء الـ 15 من أبريل، لأي شكوك محتملة بخصوص نتائجها. حيث أنه من المنتظر أن يحقق الرئيس الحالي عمر البشير، الذي يحكم السودان لأكثر من ربع قرن بعد أن وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري والمطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي، فوزا ساحقا في الرئاسية.

كما أنّ مسار الانتخابات البرلمانية، التي وقع الترتيب لها مسبقا من قبل النظام، يبدو أنّه من غير المرجح أن يستند إلى مزيد من الشّرعية أو يقدم مشهدا جديدا من شأنه أن يجيب عن أسئلة تتعلق بمشاكل السودان المتواصلة.

وتشير دراسة، صادرة عن مركز شاتام هاوس للدراسات، إلى أنّ نتائج الانتخابات السودانية الجارية لن تكون مفاجئة كما أنها لا تُعتبر صادمة، نظرا إلى مقاطعة أحزاب المعارضة للعملية الانتخابية، بالإضافة إلى كون أغلب مرشّحي الرئاسة الآخرين تقريبا غير معروفين، كما أنّ جهاز الأمن القومي السوداني هو الذي يشرف على العملية الانتخابية. وهو ما فتح مجالا شاسعا أمام البشير، ليكون المرشح الوحيد الذي يقوم بحملة انتخابية ويتجول في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ما يتعلق بالانتخابات البرلمانية، فقد أضحى جليا كذلك أنّ نتائجها ستكون مجهزة بصفة مسبقة، وهو ما تؤكّده تصريحات قياديي حزب المؤتمر الوطني الحاكم برئاسة البشير، غداة الإعلان عن أسماء مرشحي الحزب للانتخابات، حيث جرت في سياق أنه سيتم السّماح للأحزاب السياسية الأخرى بالحصول على نسبة 30 بالمئة من المقاعد، ممّا يعني أنّ أي تعددية قادمة ستكون صورية وغير عاكسة لإرادة وتطلعات الشعب السوداني الحقيقية. وهذا يتفق مع نية البشير دعوة حلفاء حزبه إلى الانحياز إلى الحكومة مقابل تقديم مقاعد لهم في البرلمان، ووظائف حكومية وفوائد اقتصادية للمحيطين بنظامه.

وأعرب العديد من المحللين والمراقبين وكذلك عدد من المترشحين للبرلمانية، عن انزعاجهم العميق من إدارة الحملة والعملية الانتخابية برمّتها، حيث يقول المحلل السياسي السوداني، مجدي الجزولي، “إنّ نتائج الانتخابات لن تكون جوهرية، بالنظر إلى أنّ النظام هو من يُدير المنافسة السياسية عبر توزيع الوظائف على الأحزاب الّتي تسبح في فلك الحكومة”.

الهيئات الدولية الّتي راقبت انتخابات عام 2010، بما فيها الاتحاد الأوروبي ومركز كارتر، رفضت المشاركة هذا العام

نوايا مبيتة

لطالما أكّدت الحكومة السودانية على التزامها بدستور البلاد في تسيير العملية الانتخابية قبل إجرائها، وكانت هذه الحجة ستُساهم في إذابة الجليد لو أنّه لم يتمّ تعديل الدّستور لإلغاء انتخابات حكّام المحافظات، والتي كان ينبغي أن تتمّ بالتزامن مع إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، كما كانت الحكومة قادرة على إنجاح هذا الاستحقاق في حال وجّهت جهودها نحو خلق بيئة مواتية من خلال احترام الحريات الأساسية المنصوص عليها أيضا في الدستور.

غير أنّ اعتقادا بدا سائدا لدى الخبراء والمُراقبين مفاده أنّ عمر البشير تقوده نواياه المبيتة في هذا الاستحقاق الانتخابي، وهو حريص على المضي قدما في خيار النجاح بأيّ ثمن كان في هذه الانتخابات للحصول على شيء من “الشرعية” لحكومته ولحماية نفسه من المحكمة الجنائية الدولية من خلال تأمين استمراره في منصبه لخمس سنوات أخرى.

وقد وضع إصرار الحكومة كذلك على إجراء الانتخابات خلال هذا الشهر في خلاف مع أولئك الذين يؤمنون بأنّ مصداقية أيّ عملية انتخابية في البلاد ينبغي أن يسبقها حوار وطني حقيقي وشامل.

وتقاطع أحزاب المعارضة الانتخابات التي تنظر إليها على أنّها صورية. حيث كانت قوى المعارضة السودانية قد أطلقت خلال شهر ديسمبر الماضي تحالفا سياسيا أطلقت عليه اسم “نداء السودان”، بين جبهة السودان الثورية وحزب الأمة القومي وقوى الإجماع الوطني (وهي تكتل من الأحزاب اليسارية) ومبادرة المجتمع المدني. وقد وقعت على إثر ذلك على إعلان يدعو إلى إيجاد حل سياسي شامل لإنهاء الحروب في السودان، والسير نحو الديمقراطية والمساواة في المواطنة ونهاية حكم الحزب الواحد، وأعقبت ذلك بإطلاق حملة لمقاطعة الانتخابات في مختلف أنحاء البلاد.

نتائج الانتخابات السودانية الجارية لن تكون مفاجئة كما أنها لا تعتبر صادمة نظرا إلى مقاطعة أحزاب المعارضة للعملية الانتخابية

ومن الصعب معرفة مستوى مصداقية الانتخابات في السودان في ظلّ المناخ السياسي الحالي، وتواصل الصراع المسلح الجاري في دارفور وولاية جنوب كردفان والنيل الأزرق وما خلفه من معاناة إنسانية، وهو ما يعني أنّ ملايين الناخبين محرومون من الإدلاء بأصواتهم.

وتنضم للمقاطعة أيضا حركات تمرد مسلحة تحارب الحكومة في 8 ولايات من أصل 18 ولاية سودانية 5 منها في إقليم دارفور غربي البلاد وتعمل ضمن تحالف باسم الجبهة الثورية منذ 2011.

وتعتبر حركة العدل والمساواة أقوى الحركات التي تحارب في دارفور ودخلت قواتها العاصمة الخرطوم في 2008 في أجرأ هجوم لها منذ إعلان تمردها في 2003 لكن الحكومة استطاعت التصدي لهجومها.

أما حركة تحرير السودان لا تمتلك نسبيا قوة عسكرية ضاربة على الأرض لكن زعيمها عبد الواحد نور يتمتع بشعبية واسعة قسم كبير منها لاعتبارات قبلية حيث ينتمي إلى قبيلة الفور إحدى أكبر قبائل الإقليم الذي يحمل اسمها.

وثالث حركات دارفور هي حركة تحرير السودان بزعامة أركو مناوي الذي انشق عن نور في 2006 عندما أبرم اتفاق سلام مع الحكومة لكنه عاد للتمرد مرة أخرى في 2010 متهما الحكومة بالتنصل عن الاتفاق ويتمتع بنفوذ عسكري وشعبي في الإقليم الذي يقطنه نحو 7 ملايين نسمة.

استياء دولي

عوامل أخرى خيمت بظلالها على هذه الانتخابات السودانية الجارية، التي يفيد مراقبون بأنها شهدت نسبة إقبال ضعيفة في يوميها الأوّلين، ممّا يضرب حلم اكتساب المزيد من الشرعية الذي يطمح له البشير في مقتل، تبدأ من تقلّص الفضاء السياسي في البلاد منذ انتخابات عام 2010، مرورا بمُصادرة الصّحف والإصدارات بشكل منتظم وإيقاف عمل منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، وليس انتهاء باعتقال زعماء المجتمع المدني والناشطين والطلبة. كما تمّ في الآونة الأخيرة سجن ثلاثة من النشطاء البارزين، وهم كلّ من فاروق أبو عيسى وأمين مكي مدني وفرح عقار، لمدّة أربعة أشهر بعد التوقيع على إعلان نداء السودان من جانب قوى المعارضة، ولم يفرج عنهم إلاّ عشية إجراء الانتخابات.

البشير حريص على المضي في خيار النجاح بأيّ ثمن لحماية نفسه من المحكمة الجنائية الدولية من خلال استمراره في منصبه

ورفضت الهيئات الدولية الّتي راقبت انتخابات عام 2010، بما فيها الاتحاد الأوروبي ومركز كارتر، المشاركة في مراقبة انتخابات هذا العام. وأعربت كلّ من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج عن خيبة أملها من عدم توفر مناخ يفضي إلى إجراء انتخابات تشاركية وذات مصداقية في السودان، في حين عبّر الاتحاد الأوروبي عن أسفه قائلا “إنّه في الوقت الذي تقدّم فيه الحوار، انسحبت بعض القوى ووقع انتهاك الحقوق المدنية والسياسية”.

ولكل ذلك، لا يُمكن أن تفضي الانتخابات الجارية، وفق الدراسة الصادرة عن مركز تشاتام هاوس، عن نتائج ذات مصداقية وشرعية في مختلف أنحاء البلاد، على الرغم من أنّ الخرطوم ستستمدّ شيئا من الراحة ومقدارا من الشرعية من حضور الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية وبعض البعثات الدولية الأخرى المعنية بمراقبة العمليات الانتخابية.

وتخلص الدراسة إلى أنّ حزب المؤتمر الوطني (الحاكم) أضاع فرصة سانحة للعمل من أجل التوصّل إلى حلّ شامل لمشاكل السودان برفضه لدعوة الوسيط، ثابو مبيكي، رئيس جنوب أفريقيا السابق، والاتحاد الأفريقي لحضور الاجتماع التحضيري في أديس أبابا في أواخر شهر مارس الماضي، من أجل مناقشة سبل إجراء حوار وطني حقيقي مع أصحاب المصلحة الآخرين في السودان.

وتفيد أنباء بأنّ عدم مشاركة حزب المؤتمر الوطني كانت ناتجة عن قلقه إزاء الضغوط المتزايدة من أجل تأجيل موعد إجراء الانتخابات. كما يمكن أن يكون ذلك إشارة إلى أنّ النظام بدأ يفقد الاهتمام بالاتحاد الأفريقي، ربما نتيجة لتحسن علاقات السودان الإقليمية، ولا سيما المكاسب الاقتصادية الكبيرة التي تدفّقت على البلاد بعد قرار البشير الانضمام إلى التّحالف العسكري الذي تقوده السعودية ضدّ المتمردين الحوثيين في اليمن (على الرغم من وجود تحالف سابق طويل الأمد بينه وبين إيران التي لا تخفي ممارساتها العدائية تجاه البلدان العربية وعلى رأسها السعودية). وهو ما يعني أنّ احتمالات التوصل إلى حل سلمي للمشاكل المتعددة في السودان تبدو أبعد من أي وقت مضى.

إقرأ أيضا

مقاطعة الانتخابات سلاح المعارضة السلمي إزاء تعنت نظام البشير

6