انتخابات الكويت تجتر قضايا مستهلكة وتفتح على عهد جديد من صراع السلطتين

الوضع المالي والتركيبة السكانية وملف البدون من ثوابت الحملات الانتخابية.
السبت 2020/12/05
كثيرون ومتشابهون

الانتخابات البرلمانية التي تجرى السبت في الكويت تستمد أهميتها الاستثنائية من طبيعة الظرف الذي يحف بها كأول استحقاق انتخابي في عهد أمير البلاد الجديد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح وولي عهده الشيخ مشعل الأحمد، بالإضافة إلى الأزمة المالية الناجمة عن تراجع أسعار النفط وجائحة كورونا. وبينما يُفترض نظريا أن يكون البرلمان الذي ستفرزه صناديق الاقتراع مكرّسا للوفاق والاستقرار الضروريين لمواجهة المصاعب وتخطيها، تذهب التحليلات الواقعية إلى اعتبار الانتخابات مجرّد محطّة لإعادة توزيع النفوذ استعدادا لاستئناف الصراعات والتجاذبات اللصيقة بالحياة السياسية الكويتية.

الكويت - يدلي الناخبون الكويتيون السبت بأصواتهم لاختيار أعضاء جدد لمجلس الأمة (البرلمان) في انتخابات ألقت فيها جائحة كورونا بظلالها على قضايا الحملات الانتخابية وربما يكون لها تداعيات على النتائج النهائية.

ويتنافس في هذه الانتخابات أكثر من ثلاثمئة مرشح، من بينهم قرابة الثلاثين امرأة، في خمس دوائر انتخابية للوصول إلى المقاعد الخمسين للبرلمان الكويتي.

ويتمتع مجلس الأمة بسلطات تشريعية ورقابية على عمل الحكومة، بيد أن هناك من يرى أن البرلمان يشكّل عائقا أمام محاولات الإصلاح الاقتصادي والانضباط المالي في واحدة من أغنى دول العالم بموارد النفط.

فبسبب “إدمان” النواب الكويتيين على استخدام حقهم الدستوري في مراقبة عمل الحكومة، ولجوئهم بشكل مبالغ فيه إلى استخدام آلية استجواب أعضائها، فقد تميّزت علاقة السلطتين التشريعية والتنفيذية بالصراع الدائم الأمر الذي كان يؤدي في أغلب الأحيان إلى اللجوء إلى حلّ البرلمان وإقالة الحكومة وإعادة تشكيلهما في متوالية عبثية أثّرت على الأداء العام للدولة التي فوجئت أخيرا بأزمة مالية حادّة جرّاء تراجع أسعار النفط وانتشار وباء كورونا.

وفي السنوات الأخيرة من عهد أمير البلاد الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، اتّجه التفكير في أكثر من مناسبة لإجراء تعديلات دستورية بهدف الحدّ من سلطة البرلمان لوقف اشتباكه الدائم مع الحكومة، لكن المشروع ظل قيد الحوارات النخبوية، ويبدو أن فرصة الدفع به مجدّدا تكاد تكون معدومة في عهد الأمير الحالي الشيخ نواف الأحمد الذي لا يضاهي سَلَفه في الكاريزما وما يمتلكه من سلطة اعتبارية إضافية كانت ناجعة في ضبط مراكز النفوذ وتطويق الصراعات لاسيما بين أفراد أسرة آل الصباح الحاكمة.

وعلى هذه الخلفية يُخشى أن تكون إعادة تشكيل البرلمان عبر الانتخابات الحالية، مجرّد إعادة توزيع للنفوذ بين مراكز القوى استعدادا لحلقة جديدة من الصراعات والتجاذبات التي لا تسمح بها أوضاع الكويت في الوقت الراهن.

ورغم أن الحملات الانتخابية جاءت هذه المرة ضعيفة وباهتة بسبب كورونا، فإن القضايا التي أثارتها الجائحة هيمنت عليها وأعادت إنتاج القضايا القديمة مثل الصحة والتعليم ومعالجة خلل التركيبة السكانية وتضخم أعداد الوافدين، وفئة عديمي الجنسية المعبّر عنه بـ“البدون”، وحقوق المواطنة الكويتية المتزوجة من غير كويتي والوضع الاقتصادي المتردي.

كما خلقت الجائحة قضايا وتحديات جديدة مرتبطة بالقضايا القديمة مثل التعليم عن بعد، وحقوق العاملين في الصفوف الأمامية بمواجهة المرض، وتوزيع اللقاح وتوقيته ومشاكل أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

ويقول حمد العتيبي وهو موظف حكومي يبلغ من العمر 43 سنة إنّ “القضايا هي هي؛ الصحة والتعليم والإسكان”، ويضيف متحدّثا لوكالة رويترز “نحن ليس لدينا قضايا جديدة لأنه لم يتم حل القضايا القديمة أصلا”.

وبسبب الجائحة ومنع السلطات الصحية لأي تجمعات كبيرة لجأ المرشحون إلى وسائل التواصل الاجتماعي بالدرجة الأولى للوصول إلى قواعدهم الشعبية بالإضافة إلى وسائل الإعلام من قنوات فضائية وصحف ومواقع إلكترونية كبديل لا غنى عنه عن المهرجانات والمآدب الكبيرة وزيارات الديوانيات وإقامة المخيمات.

وأتاح تلفزيون الكويت الرسمي للمرشحين المجال للدعاية لأنفسهم في مقاطع فيديو صغيرة لدقائق معدودة ووضع شعارا واحدا لهذه الفقرة “مرشح أمة.. معا نصنع المستقبل”.

وأعلنت وزارة الصحة عددا من الإجراءات الواجب اتباعها خلال عملية الإدلاء بالأصوات وأهمها الالتزام بوضع الكمامات ومنع التجمع خارج اللجان الانتخابية وقياس درجات الحرارة وتحديد مسارات للدخول وأخرى للخروج والتزام الجميع بالتباعد البدني كما تم تخصيص عيادات طبية للحالات الطارئة.

انتخابات البرلمان الثامن عشر

  • عدد مقاعد المجلس: 50 مقعدا
  • عدد المرشحين: 326 بينهم 29 امرأة
  • عدد الناخبين: 567 ألفا و694
  • عدد الذكور 273940
  • عدد الإناث 293754

ونافست اللافتات الإعلانية التي تحمل صور المرشحين وأسماءهم وشعاراتهم في الشوارع، الإعلانات التجارية عن الساعات الفاخرة والسيارات الجديدة وأدوات التجميل ومحلات الوجبات السريعة.

وحرص الكثير من المرشحين على تسجيل مقاطع فيديو احترافية من خلال شركات إنتاج، ولجأ بعضهم للقطات العفوية وتصوير الهواة حتى يكون أكثر قربا من الناخبين، وكان لموقع تويتر النصيب الأكبر من الدعاية الانتخابية.

وفي حين اختار النواب المخضرمون عرض “إنجازاتهم” في البرلمانات السابقة، لجأ المرشحون الجدد إلى الهجوم على البرلمان السابق، وركز بعضهم على انتقاد خصومه ومنافسيه بشكل أكبر.

ويتوقّع ناصر العبدلي المحلل السياسي أن تقل المشاركة في هذه الانتخابات بنسبة عشرة في المئة على الأقل مقارنة بالسنوات الماضية بسبب كورونا التي تكهن بأن تأثيرها سيكون جذريا على الانتخابات.

وقال إن التسويق السياسي للمرشحين تأثر بسبب الجائحة لاسيما بالنسبة للمرشحين الجدد الذين “لم يأخذوا فرصة كاملة في التواصل مع الناس بشكل مباشر واضطروا للذهاب إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي لا يستطيع الإنسان أن يقول فيها كل أفكاره”.

ورغم منع التجمعات إلا أن بعض المرشحين خاطروا بالدعوة العامة لافتتاح مقارهم الانتخابية مع تذييل الدعوة بضرورة “الالتزام بتعليمات وزارة الصحة”. وهذه هي الانتخابات الأولى في عهد أمير الكويت الجديد الشيخ نواف الأحمد الذي تولى زمام الحكم في سبتمبر الماضي بعد وفاة الشيخ صباح الذي طبع الحياة السياسية الكويتية بطابعه “الأبوي” الخاص لما يقرب من عقدين.

وتشارك كل أطياف المعارضة في الانتخابات، لكن يغيب عنها أشخاص أثاروا الضجيج في العشرية الأخيرة مثل النائبين السابقين مسلم البراك (ليبرالي متحالف مع التيارات الإسلامية) الذي سجن في قضية اقتحام مجلس الأمة سنة 2011، وجمعان الحربش (إخوان مسلمون) الملاحق في نفس القضيّة والفارّ إلى تركيا.

ويرى مراقبون أن الضعف المتوقع في عملية التصويت سيكون في نهاية المطاف لصالح مرشحي القبائل والتيارات الإسلامية نظرا لارتفاع قدرتها على الحشد.

وتجري الانتخابات وفق نظام الصوت الواحد (صوت فقط لكل ناخب بدلا عن تعدّد الأصوات للناخب الواحد) والذي أثار جدلا واسعا عند إقراره في 2012 واعتبرت المعارضة أنّه يستهدف إضعاف تمثيلها وقوّتها في البرلمان.

وفي المقابل رأى النائب في برلمان 2016 محمّد الدلال أن هذا النظام “يؤدي إلى تعظيم الأداء الفردي في المجلس على حساب العمل الجماعي الذي هو الأصل في العمل البرلماني وهذا لا يساهم في الإنجاز. كما أن هذا النظام يساهم في تمزيق المجتمع لأنه يجعل التمثيل البرلماني يأتي من مكونات صغيرة وليست كبيرة”.

وأضاف “هذا الأمر يجعل الناس ترجع إلى القبيلة والطائفة والعائلة والعرق للفوز بالمقعد، ويكون النسب الاجتماعي أكثر تأثيرا. ويصبح تمثيل النواب لهذه التكوينات الاجتماعية وليس للأمة كلها وهو ما يضعف سلطة الدولة المركزية. وبالتالي فإن النائب يركز على أداء المعاملات والخدمات لمن أوصله إلى البرلمان وليس على الأمة وقضاياها الرئيسية”.

والمدة الدستورية للبرلمان الكويتي أربع سنوات، لكن برلمانات قليلة أتمت مدتها كاملة خلال الثلاثين سنة الأخيرة، بسبب الصراعات الممتدة بين الحكومة التي يسيطر عليها أبناء الأسرة الحاكمة والبرلمان الذي يتسم عادة بوجود معارضة قوية.

وقال المواطن حمد العتيبي “الخوف الأكبر هذه المرة لدى المرشحين هو إشاعات كورونا يوم الانتخابات”، وأضاف مشيرا إلى اللجان الانتخابية التي تقام في المدارس “أي مدرسة تطلع عنها إشاعة بوجود كورونا سيعزف الناس عن الذهاب إليها، وهذا قد يغير النتائج النهائية.. وكل مرشح سيحاول أن يدفع بمؤيديه منذ الصباح قبل أي تطورات سلبية في دائرته”.

3