انتخابات.. المزمار والطبلة

لا أرى أي اختلاف بين الأمس واليوم، سواء ملل وضجر الناس من انتخابات لا خير يرجى من ورائها وهذا بنظري أشد خطورة من تصويت غير واع.
الثلاثاء 2018/04/24
عرس انتخابي

ارتبط سماع صوت الدبكة والطبلة ممزوجا بالزغاريد في نهاية أسبوع حافل بالعمل في حيي والكثير من الأحياء التونسية، بحفل زفاف أو ختان أو خطوبة.

لذلك حين سمعت أنغاما مبعثرة يتردد صداها من جهة ليست بقريبة ولا بعيدة رددت من فوري “الله يهني ويبارك”، ودفعني فضولي النسوي إلى سؤال أمي عن أصحاب الحفل وأنا أبحث بجد في دفاتر الذاكرة عن أسماء بعض زميلات الدراسة والطفولة الأقرب إلى سني ومن هن دونه، علّي أقف على من تزف، فقالت “لا أدري لكنه على ما يبدو حفل قريب غير بعيد وللغد شأن آخر فلربما ظفرنا بالمعلومات الشافية والكافية”.

ولم يدم تساؤلي كثيرا إذ أن شقيقتيّ كانتا خارج المنزل وعرفتا أصحاب الحفل، وقالتا ضاحكتين “مسكين عازف الزكرة (وهي آلة موسيقية هوائية شعبية، إذا سمع صوتها يرنّ مع إيقاع الطبل فذلك يعني أن هناك حفل عرس أو ختان، فهي آلة لا تعرف إلا الفرح)، لم يتوقف منذ الصباح عن النفخ”.

ضحكت مستهجنة “كيف لأصحاب العرس أن يصلوا النهار بالليل والحال أن جل المناسبات تقترن بالليل”، وسرعان ما جاءتني الإجابة التي أعترف بأنها شكلت لي صدمة لم أتجاوزها إلى الآن ولا أظنني سأفعل، فهو ليس بحفل زفاف ولا نجاح، فالمَخْتُون عذرا أقصد أحد المرشحين للانتخابات البلدية، ركب الإيقاعات الشعبية مطية للترويج لحملته الانتخابية.

وبدل أن يقدم حلولا تخرج أبناء المنطقة المقبورين بين جلادي الفقر والبطالة اختار أيسر الطرق واستمال الأوساط المتمايلة يمنى ويسرى بدل الرقاب، وكرس عازفين يؤثثون جلسته الانتخابية عوضا عن الخطابات الرنانة واستدعى الطبقة البسيطة وغيب عقول المثقفين.

هذا المشهد أعاد إلى ذهني فترة انتخابات الحقبة الأولى من سقوط النظام السابق، حيث امتلأت مراكز الاقتراع بالعجائز فرحين مسرورين بوعود صورت تونس المدينة الفاضلة، يقفون في طوابير الانتظار منذ ساعات الصباح الأولى مجهرين متحيزين لمرشحهم غير عابئين بسرية العملية الانتخابية، متحرقين للحظة جلوسه على عرش الخلافة المجيدة، غير قابلين لأي نقاش، مصوتين تصويتا جماعيا لعودة أعلام الدين الإسلامي مرفرفة بالتراب التونسي، سائطين بسياط ألسنتهم الحادة كل من تخول له نفسه مخالفتهم الرأي.

ولا أرى أي اختلاف بين الأمس واليوم، سواء ملل وضجر الناس من انتخابات لا خير يرجى من ورائها وهذا بنظري أشد خطورة من تصويت غير واع، فعلى الرغم من أن هذا الاستحقاق هو الأول من نوعه منذ الثورة الشعبية، فإن الحملات التي انطلقت الشهر الحالي تعاني فتورا.

وعلى ما يبدو فإن مهمة الأحزاب التي فاقت أعداد مرشحيها الأصوات الناخبة، صعبة للغاية لإبراز أهم برامجها الانتخابية، وإقناع الناخبين بالتصويت في مناخ اجتماعي متفجر، يتسم بترد اقتصادي ووتيرة احتجاجية متصاعدة، فأمامها تحديات كبيرة بدءا من غلاء المعيشة الذي لا بوادر في الأفق بانحساره أو تقهقره، وصولا إلى تعطيل الدروس وتهديد الناشئة برسوب جماعي يجثم كابوسا مرعبا على صدور أولياء الأمور.

وللأمانة فإن التونسيين يحاولون جاهدين مسايرة هذه الحملات والترويج لها عبر صفحاتهم الخاصة على موقع فيسبوك، فظهرت عورات جل الشخصيات أمام الملأ وقبلت بسيل من السباب والاستهجان وأفرط البعض في جعلها تتقمص دور المهرج المضحك للعامة.

والغريب في الأمر ما صحب الحملات من جهل أصحابها بأساليب إغواء وإغراء الشعب، أولا لانتهاجهم نفس الطرق التقليدية القائمة على الرقص على وحدة ونص وثانيا لأنهم لم يواكبوا تطور عقول وزوايا نظر شعوبهم المنفتحة على العالم، لذلك فإن “تدوير الحزام” (كلمة تونسية تعني الرقص) لم يعد يجدي نفعا أمام إعادة تدوير ورسكلة العقول.

21