انتخابات برلمان الصومال على المحك

تقليص نفوذ شيوخ القبائل يؤجج حالة الاحتقان السياسي في مقديشو.
الاثنين 2021/09/20
أزمة تنذر بالعودة إلى مربع العنف

تعيش القبائل الصومالية حالة من الاحتقان والغضب رفضا لقرار تحجيم دور الشيوخ في انتخابات الغرفة البرلمانية الأولى، في أزمة جديدة تضاف إلى الأزمة السياسية المشتعلة بين الرئيس محمد عبدالله فرماجو ورئيس الوزراء محمد حسين روبلي، ما من شأنه أن يساهم في المزيد من تعقيد الأوضاع السياسية في البلاد.

مقديشو - تسير الأزمة السياسية في الصومال نحو المزيد من التعقيد حيث ينذر قرار بتقليص نفوذ شيوخ القبائل الصوماليين في اختيار المندوبين الذين ينتخبون نواب البرلمان، بعرقلة إجراء الانتخابات، وتصاعد الاحتقان ليصل إلى نزاع مسلح بين القبائل.

وأبدى مجلس شيوخ القبائل الصومالية، عبر بيان أصدره في 25 أغسطس مخاوفه من تحجيم دوره في انتخابات مجلس الشعب (الغرفة الأولى للبرلمان) وذلك بعد توصيات توصل إليها المؤتمر التشاوري حول إشراك جهات أخرى في عملية اختيار مندوبي العشائر، التي كانت مخصصة لوجهاء القبائل.

ففي 21 و22 أغسطس الماضي، انعقد المؤتمر التشاوري الوطني، برئاسة رئيس الوزراء محمد حسين روبلي، بمشاركة رؤساء الولايات الإقليمية الخمسة (بونتلاند، وغلمدغ، وجوبالاند، وهيرشبيلى، وجنوب غرب الصومال)، بالإضافة إلى محافظ العاصمة مقديشو (إقليم بنادر)، وتوصلوا إلى آلية جديدة لانتخابات مجلس الشعب.

ونصت الآلية الجديدة، على أن المندوبين سيتم تعيينهم من: شيوخ القبائل، وممثلين من المجتمع المدني، بالتعاون مع لجنة الانتخابات على مستوى الولايات الفيدرالية، بعدما كان ذلك من صلاحية شيوخ القبائل حصرا.

ورأى مجلس شيوخ القبائل في هذه الخطوة تهميشا متعمّدا لدوره في اختيار المندوبين، كما رفضت كتلة اتحاد المرشحين المحتملين للرئاسة، آلية انتخابات مجلس الشعب، باعتبارها خطوة تنافي الدستور المؤقت في البلاد، والاتفاقيات السياسية السابقة بشأن إجراء الانتخابات.

ووفق عرف عشائري، تولى شيوخ القبائل خلال العقدين الأخيرين مهمة تحديد المندوبين، الذين يختارون نواب مجلس الشعب (275 عضوا)، والذين بدورهم ينتخبون رئيس البلاد، وفق عرف عشائري.

قرار مرفوض

قرار شيوخ القبائل مقاطعة الانتخابات من شأنه عرقلة مسيرة إجرائها، نظرا للنفوذ الذي يتمتعون به على الأرض مقارنة بالأحزاب السياسية
قرار شيوخ القبائل مقاطعة الانتخابات من شأنه عرقلة مسيرة إجرائها، نظرا للنفوذ الذي يتمتعون به على الأرض مقارنة بالأحزاب السياسية

رأى مجلس شيوخ القبائل أن تحجيم دوره في اختيار مندوبي العشائر أمر غير مبرر، واعتبر أن المؤتمر التشاوري سيضع عراقيل جديدة أمام انتخابات مجلس الشعب، والذي يمثل القبائل، التي تتقاسم فيها المناصب السياسية بقاعدة 4.5 (أربع قبائل كبرى وقبائل أخرى صغيرة) المعمول بها منذ تشكيل أول حكومة انتقالية عام 2001.

وتم استحداث هذه القاعدة في مؤتمر المصالحة الصومالية بجيبوتي عام 2000 لتكون معيارا لتقاسم السلطة، وهي تعطي 4 قبائل صومالية رئيسية حصة كاملة، في حين تتقاسم القبائل الباقية مجتمعة نصف حصة.

وفي اجتماع عقد في العاصمة مقديشو، نهاية أغسطس الماضي، رفض شيوخ القبائل آلية الانتخابات التي توصل إليها المؤتمر التشاوري لإجراء انتخابات مجلس الشعب.

مجلس شيوخ القبائل الصومالية أبدى مخاوفه من تحجيم دوره في انتخابات مجلس الشعب (الغرفة الأولى للبرلمان) وذلك بعد توصيات توصل إليها المؤتمر التشاوري

ودعا السلطان محمود أحد شيوخ القبائل، الذي تلا بيان المجلس في مؤتمر صحافي بالعاصمة مقديشو‎، المؤتمر التشاوري إلى التراجع عن قراراته حيال انتخابات مجلس الشعب، والتي تهمش دور شيوخ القبائل (135 شيخا مسجلا لدى الحكومة) في العملية السياسية.

وأشار السلطان إلى أن المؤتمر التشاوري يتعامل خلاف العُرف السياسي، والذي يعطي شيوخ القبائل دورا كبيرا منذ 2012، حيث تمت المصادقة على الدستور المؤقت للبلاد.

وشدد على أهمية دور شيوخ القبائل في انتخابات مجلس الشعب، الذي يمثل القبائل.

وأوضح أن شيوخ القبائل لم يتدخلوا في انتخابات مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، التي تعود إداراتها للولايات الفيدرالية المحلية.

ويشكل شيوخ القبائل منذ 2012 مرجعا رئيسيا حول اختيار المندوبين، الذين ينتخبون أعضاء مجلس الشعب، كما يلعبون دورا كبيرا في حل الخلافات والنزاعات المسلحة بين القبائل منذ انهيار الحكومة المركزية في 1991.

تجاذبات متصاعدة 

غصب القبائل من طريقة تسيير الانخابات
غصب القبائل من طريقة تسيير الانخابات

أدخلت آلية الانتخابات الجديدة العملية السياسية في البلاد في منعطف جديد، حيث تكاد نزاعات مسلحة تنفجر بين بطون القبائل التي تشترك في مقعد برلماني واحد، نتيجة محاولة بعض رؤساء الولايات الفيدرالية تزوير مقاعد البرلمان لبعض القبائل على حساب أخرى.

وشهدت مدينة عدلي، شمالي مقديشو، استعراضا عسكريا لأحد بطون قبيلة مدلود، معلنة رغبتها في الحصول على مقعد برلماني خلال الدورة المقبلة، بعدما احتكرت عشيرة منافسة هذا المقعد لسنوات.

ودعا زعماء هذه العشيرة، العشائر الأخرى إلى احترام مبدأ التناوب على المقاعد البرلمانية بين بطون القبيلة، واحترام دورها في هذه المرة، محذرة من أي محاولة تزوير.

ويقول الناشط القبلي أحمد عبدي إن عشيرته التي لم تمثل في البرلمان خلال الدورتين الماضيتين، لن تقبل بهذه الانتخابات إذا حاولت بعض العشائر الأخرى الهيمنة على المقعد البرلماني.

وأكد “سندافع عن حقنا بأي وسيلة يمكن تحقيقه، إذا لم تقبل العشائر الأخرى بتداول المقعد”، مشددا على أن إعطاء دور لرؤساء الولايات الفيدرالية في عملية اختيار المندوبين سيكون بمثابة صب الزيت على الخلافات السياسية بين القبائل حول أحقية أي منها بمقعد برلماني.

ويعدّ الدخول إلى قبة البرلمان بمجلسيه (الشعب والشيوخ) حلما يراود العشائر في كل انتخابات، لكن يظل مدى تأثير العشيرة في العملية السياسية، وقربها من السلطات المحلية، عوامل مهمة قد تساهم بفوزها بمقعد برلماني.

وحذر رئيس حزب “هلدور” عبدالقادر عثمان، من أن إشراك جهات أخرى غير شيوخ القبائل في عملية اختيار المندوبين قد يتسبب في وقوع عملية تزوير كبيرة في انتخابات مجلس الشعب.

وأضاف عثمان أن المؤتمر التشاوري يتحرك بخلاف إرث انتخابات مجلس الشعب، الذي يتيح لشيوخ القبائل دورا أكبر في عملية اختيار المندوبين.
ولفت إلى أن المؤتمر التشاوري، يستغل ابتعاد رئيس الوزراء محمد حسين روبلي، عن “أي خلافات قد ترجئ العملية الانتخابية”.

مقاطعة الانتخابات أمر قد يلغي العملية بأكملها
مقاطعة الانتخابات أمر قد يلغي العملية بأكملها

وأوضح أن انتخابات مجلس الشيوخ التي أشرفت عليها الولايات الفيدرالية شابتها عمليات تزوير وإقصاء متعمد بحق أسماء بعض المرشحين في القائمة النهائية لسباق انتخابات مجلس الشيوخ.

وأثار ذلك مخاوف من أن تتكرر عمليات التزوير في حال اعتماد آلية انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، والتي تعطي رؤساء الولايات الفيدرالية دورا في اختيار المندوبين.

وفي هذا السياق، اعترضت كتلة اتحاد المرشحين المحتملين في سباق الرئاسة، غداة انعقاد المؤتمر التشاوري الوطني، على آلية انتخابات مجلس الشعب التي توصل إليها المؤتمر، حيث رأت أنها قد تؤدي إلى تلاعب وتزوير كبيرين في الانتخابات.

وشددت كتلة المرشحين المحتملين للرئاسة في بيان، على أهمية دور شيوخ القبائل في عملية اختيار المندوبين، على غرار الانتخابات السابقة.

وبدأت الانتخابات الجزئية لمجلس الشيوخ (54 عضوا) في 25 يوليو الماضي، وتنتخب برلمانات الولايات الفيدرالية الخمسة (بونتلاند، وغلمدغ، وجوبالاند، وهيرشبيلى، وجنوب غرب الصومال) أعضاء المجلس، بينما تنطلق انتخابات مجلس الشعب في 1 أكتوبر المقبل، وتستمر حتى 20 نوفمبر.

وينتخب نحو 30 ألف مندوب (ممثلين من القبائل) أعضاء مجلس النواب، وفق نظام قبلي يحوز توافقا سياسيا لا يرتبط بعدد السكان.

ولم يحدد بعد موعد إجراء الانتخابات الرئاسية، رغم انقضاء ولاية الرئيس محمد عبدالله فرماجو، في 8 فبراير الماضي.

وفي حال قرر شيوخ القبائل مقاطعة الانتخابات، فإن من شأن ذلك عرقلة مسيرة إجرائها، نظرا للنفوذ الذي يتمتعون به على الأرض مقارنة بالأحزاب السياسية.

7