انتخابات تركيا: من تصفير المشاكل إلى اختلاقها

السبت 2015/10/31

ثلاثة عشر عاما قضاها حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان في حكم تركيا دون أي منغصات على الصعيد السياسي والأمني والاقتصادي. كانت سنوات من سيادة اليقين والاستقرار المترافقيْن مع انتهاج ما عرف بسياسة “صفر مشاكل” التي اقترحها الرجل الثاني في الحزب ووزير الخارجية الحالي داوودأوغلو. لكن العام 2015 كان مختلفا، ففي هذا العام فشل حزب العدالة والتنمية في الحصول على أغلبية برلمانية تمكنه من مواصلة احتكار السلطة، الأمر الذي دفعه إلى التخلي عن سياسة تصفير المشاكل في الداخل، وكان قبل ذلك قد تخلى عنها بما يخص السياسات الخارجية.

انتهجت الخارجية التركية سياسة تصفير المشاكل تجاه دول الجوار بشكل خاص، والدول الإقليمية بصورة عامة. كانت علاقات تركيا مع سوريا وإيران تزدهر عاما بعد آخر، وقد عاشت العصر الذهبي خلال السنوات التي سبقت اندلاع الثورة السورية، وتحديدا بعد الانتخابات العامة للعام 2007 والتي كرست حزب العدالة والتنمية كحاكم مطلق لتركيا.

كما ترتب على سياسة تصفير المشاكل أن تمتنع تركيا عن الخوض في القضايا الداخلية للدول العربية، على عكس ما حدث بعد ثورات الربيع العربي حين اندفعت تركيا إلى الاصطفاف بشكل واضح خلف جماعة الإخوان المسلمين في كل مكان، ولتباشر سجلا جديدا من العلاقات الخارجية مع دول المنطقة أساسه التوتر والمشاكل.

التوتر امتد ليشمل علاقتها مع الولايات المتحدة الأميركية ومع الغرب بشكل عام، وخصوصا مع تكرار الاتهامات بأنها قامت بالتغاضي عن وصول الجهاديين الأجانب إلى سوريا. كما اختلفت تركيا مع أميركا بخصوص الإستراتيجية العسكرية المطلوبة في سوريا لدعم المعارضة والمساعدة في دفع الأسد إلى الحل السياسي، وكان من نتائج ذلك الخلاف منع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من استخدام القاعدة الجوية في تركيا لتوجيه ضربات إلى داعش. ورغم أن تركيا سمحت أخيرا باستخدام قاعدتها العسكرية، ولكن التناقض لا يزال قائما ومحتدما بين الطرفين، وخصوصا إذا ما استذكرنا قيام تركيا بتوجيه ضربات عسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، فيما تقوم أميركا بدعم هذا الحزب بالتحديد باستخدام القاعدة الجوية في تركيا. إنها مفارقة عجيبة وتناقض واضح يعبر في جانب منه عن درجة تعقد الصراع في سوريا ومدى تضارب مصالح اللاعبين، ولكنه يعبر أيضا عن “مشاكل” تركيا المتراكمة والتي لم يعد بالإمكان حصرها.

تركيا اندفعت إلى الاصطفاف بشكل واضح خلف جماعة الإخوان المسلمين في كل مكان، لتباشر سجلا جديدا من العلاقات مع دول المنطقة أساسه التوتر والمشاكل

ذروة المشاكل تمثلت في حدثين بارزين ومترابطيْن، الأول هو اهتزاز الاستقرار الداخلي من خلال التفجيرات الإرهابية المروّعة في مدينتي سروج وأنقرة خلال الأشهر الماضية في سابقة لم تحدث في تركيا منذ زمن طويل، والثاني هو إنهاء العملية السياسية مع حزب العمال الكردستاني والتحول إلى عملية عسكرية بدلا منها.

الحقيقة أن ذلك لا يتعلق بتعثر المفاوضات مع الأكراد والتي كانت تسير بصورة جيدة وبتوافق مع سياسة تصفير المشاكل، بل يتعلق بأزمة حزب العدالة مع الداخل التركي، وبانسداد أفق مواصلة الحكم بطريقة أوتوماتيكية ديمقراطية عبر أصوات الناخبين كما كان يجري طيلة العقد ونيف الماضي.

لقد دفع ذلك أردوغان إلى نقل المشاكل إلى ميدان حزب العمال الكردستاني من بوابة مكافحة الإرهاب، البوابة التي يدخل من خلالها مختلف اللاعبين الدوليين لأداء دور في المنطقة.

لا يمكن توجيه الاتهام لتركيا بتدبير التفجيرات الإرهابية، والتي اتهمت داعش بتنفيذها، رغم أن أحزاب كردية اتهمت الحكومة صراحة بذلك، ولكن شن الحرب من جديد على حزب العمال في هذا التوقيت يهدف، من دون شك، إلى إشاعة حالة من عدم الاستقرار يأمل أردوغان أن تؤثر على الرأي العام التركي لصالح حزبه.

تنطلق المراهنة الأردوغانية من أن شن الحرب لن يجعل الحزب يخسر أصوات مؤيديه، ولكن قد يجعله يربح أصوات القوميين التي ذهبت للحركة القومية في الانتخابات السابقة وهي تعاني اليوم من انشقاقات واستقالات متعددة. كما يراهن أن الحرب قد تغير مواقف شريحة من الأكراد وتجعلها تحجم عن دعم حزب الشعوب الديمقراطي في بعض الدوائر الانتخابية مفضلة “الاستقرار”.

تحمل إستراتيجية أردوغان بعض فرص النجاح بسبب طبيعة النظام الانتخابي التركي والذي لا يعتمد على عدد الأصوات الكلي، والتي لا يتوقع أن تختلف بشكل كبير عن الانتخابات السابقة، بل على الأصوات في الدوائر الانتخابية. وهنا يمكن لأي تغير مهما كان بسيطا أن يزيد من عدد مقاعد جهة ما ويحرم جهة أخرى من مقاعد اكتسبتها في الانتخابات الماضية بفارق بسيط من الأصوات. هذا ما يراهن عليه حزب العدالة وليس إخراج حزب الشعوب الديمقراطي من البرلمان، إذ من شبه المؤكد أن يتخطى حزب الشعوب عتبة العشرة في المئة المطلوبة للدخول إلى البرلمان ولكن ليس مؤكدا أن يحصل على نفس عدد المقاعد.

غير أن احتمالا آخرا يبقى قائما، وهو أن ينحدر حزب العدالة والتنمية عما حققه في الانتخابات الماضية وهو ما قد يضع الحزب أمام الأمر الواقع. واقع القبول بالشراكة السياسية والتخلي عن الانفراد بالحكم وتحجيم الطموح الشخصي للسلطان أردوغان. عندها، قد تعود تركيا مجددا إلى الاستقرار السياسي وتستعيد سياسة تصفير المشاكل على المستوى الداخلي.

كاتب فلسطيني سوري

8