انتخابات تركيا وتهديد عرش أردوغان

السبت 2015/06/06

يبدو الهدف الذي يطرحه حزب العدالة والتنمية التركي في الانتخابات البرلمانية القادمة طموحا للغاية، إذ يعتزم إجراء تعديل دستوري عبر امتلاك غالبية ساحقة في مجلس النواب الجديد تكون أقوى من الغالبية التي حصل عليها في العام 2011 والتي بلغت 50 في المئة. يحق لرجب طيب أردوغان أن يطرح تحقيق هذا الهدف الكبير فيما لو مثلت السنوات الأربع الماضية فترة ذهبية للحزب رفع فيها من رصيده السياسي والشعبي، لكن الحال ليس كذلك.

إذ شهدت الفترة الماضية أكبر التحديات لحزب العدالة والتنمية على المستوى الأمني والسياسي والاقتصادي، إلى درجة باتت تهدد، للمرة الأولى، حكم الحزب الواحد الذي تمتع به أردوغان لمدة 13 عاما متواصلة.

وبعكس الانتخابات السابقة التي كان فوز حزب العدالة والتنمية فيها بحكم المحسوم، تبدو الانتخابات الحالية قلقة، حيث يحتدم التنافس بصورة أكبر من المعتاد. وفي حين لا يبدو حصد حزب العدالة والتنمية للعدد الأكبر من الأصوات موضع شك كبير، لكن حصوله على 367 مقعدا من أصل 550، كما يخطط أردوغان لتعزيز قبضته على السلطة، يبدو هدفا بالغ الصعوبة.

دون ذلك الهدف الطموح والسلطوي عقبات كثيرة يبدو أنها زادت من منسوب القلق والتوتر عند الرئيس التركي، جعلته يفقد أعصابه ويخاطب معارضيه باعتبارهم “دعاة رذيلة ومناصري مثليين”، في لحظة لافتة من الجنون والخوف على السلطة.

العقبة الأولى تتمثل هي بروز حزب الشعوب الديمقراطية الكردي كأول تشكيل سياسي يمثل الأكراد منذ تأسيس الجمهورية التركية، وسوف يشكل نجاحه في الانتخابات خطرا مباشرا على خطط أردوغان. ففي حال تجاوز الحزب الجديد العتبة الانتخابية البالغة 10 بالمئة من أصوات الناخبين، سوف يتمكن من دخول البرلمان، وسيؤدي ذلك إلى حرمان حزب العدالة التنمية من تلك الأصوات التي كان يحصدها دوما في الانتخابات السابقة. ومن المتوقع أن يطيح هذا التحول بأحلام حزب العدالة والتنمية في الحصول على غالبية ساحقة ويجعل التغيير الدستوري مستحيلا.

يضاف إلى السبب الأول تنامي الاستقطاب في المجتمع التركي على أساس عرقي وإثني بفعل تداعيات أزمات المنطقة وخصوصا الحرب في سوريا. على سبيل المثال، باتت تجمعات الأتراك العلويين تناهض حكم رجب طيب أردوغان بصورة أكبر بفعل موقف الأخير المعادي للنظام السوري. وفي ظل تنامي ذلك الاحتقان، لا يتوقع أن تتسرّب أصوات كثيرة إلى جعبة حزب العدالة والتنمية كما جرت العادة في انتخابات سابقة، حيث كان الحزب يستقطب أصوات من جماعات إثنية ومذهبية متعددة على قاعدة وعوده الاقتصادية وفي ظل هدوء حدة الاستقطاب المذهبي والإثني.

الوضع الاقتصادي المتدهور لا يساعد حزب العدالة والتنمية على الترويج لحملته الانتخابية كما كان يفعل في ما مضى

وأخيرا، لا يساعد الوضع الاقتصادي المتدهور حزب العدالة والتنمية على الترويج لحملته الانتخابية كما كان يفعل في ما مضى. فمن المنتظر أن يؤثر تراجع النمو الاقتصادي في تركيا من أكثر من 4 بالمئة إلى 2.9 بالمئة على حسابات الناخبين الأتراك. الأهم من النمو الاقتصادي هو معدلات الفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي التي ارتفعت بدورها خلال السنوات الماضية. كما تصاعدت الاحتجاجات العمالية ضد الحكومة التركية وتزايد عدد الإضرابات التي تطالب بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل في ظل دخول الاقتصاد التركي فترة ركود صناعي، وتوقف العديد من مصانع السيارات الأجنبية في تركيا عن الإنتاج.

من جهته، يدرك أردوغـان تلك العقبات التي تحول دون تعزيز قبضته على السلطة، ويضع نصب عينيه إفشال وصول حزب الشعوب الديمقراطية الكردي إلى عتبة 10 بالمئة.

وفي حال نجحت مساعي أردوغان في هذا الصدد، سوف يتم توزيع أصوات الحزب الجديد على الأحزاب الكبرى، ما سيسمح بزيادة عدد مقاعد حزب العدالة والتنمية بنحو 40 مقعدا، وهي الطريقة الوحيدة لتحقيق أحلام أردوغان بالتغيير الدستوري.

كما يعلق أردوغان أزمة الاقتصاد التركي على مشجب الخلل الدستوري، ويدعي في حملاته الانتخابية بأن نظاما رئاسيا سيكون قادرا على إعادة الاقتصاد إلى سكة النمو المستمر، في حين أن بقاء النظام عرضة للمحاصصة والتوافقات الحزبية الضيقة، سوف يمنع إقرار سياسة اقتصادية فعالة وطويلة الأمد.

الحملة الانتخابية الحالية لحزب العدالة والتنمية ليست مدفوعة بقوة الحزب ووعوده الاقتصادية التي كانت رافعة حقيقية في وصوله إلى السلطة في المرات السابقة، بل تتمثل قوة الدفع اليوم في طموح أردوغان الشخصي، واندفاعه إلى تعزيز صلاحياته وإدامة حكمه للبلاد.

أيام قليلة تفصلنا عن معرفة فيما إذا كانت هذه الانتخابات سوف تكرس صلف واستبدادية أردوغان، وتجاهله المتزايد للحريات المدنية بحصول حزبه على الأغلبية المطلقة وتنصيب نفسه رئيسا بصلاحيات استثنائية. أم أنها ستعيد الرجل، الذي يسير نحو الاستبداد بخطى متسارعة، إلى سياسة ديمقراطية متوازنة تحفظ تركيا، كما تحفظ حزب العدالة والتنمية من جنون أردوغان وهوسه المدمّر بالسلطة.

كاتب فلسطيني سوري

8