انتخابات تشريعية ومحلية مبكرة لترقيع شرعية المؤسسات المنتخبة بالجزائر

الرئيس الجزائري يعتزم تحقيق مبدأ الفصل بين المال والسياسة عبر استحداث قانون جديد للانتخابات وتشكيل لجنة جديدة من المختصين في القانون.
الأربعاء 2020/09/23
انتخابات مبكرة للتخلص من رموز النظام السابق

الجزائر – وسط غموض يخيم على المشهد الجزائري، تستحث السلطة الجديدة في البلاد خطاها للتخلص من تركة نظام الرئيس السابق، في إطار حزمة إصلاحات سياسية تعهدت بها، بدأت بدستور جديد سيعرض للاستفتاء الشعبي في الفاتح من نوفمبر القادم، وتتوجه إلى انتخابات تشريعية ومحلية مبكرة.

وأعلن الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، خلال لقاء له بوسائل إعلام محلية، عن نية السلطة تنظيم انتخابات تشريعية ومحلية مبكرة قبل نهاية العام الجاري، من أجل استكمال ما أسماه بـ”مسار الإصلاحات” التي تعهّد بها للجزائريين أثناء حملته الانتخابية للرئاسيات التي جرت في ديسمبر الماضي.

ورغم الريبة في قدرة السلطة على تنظيم الاستحقاق المذكور في الموعد الذي كشف عنه تبون، فإن اللافت أن حل المؤسسات المنتخبة الموروثة عن نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، بات في حكم المحسوم، وأن السلطة الجديدة عازمة على المضي في مخطط التخلص من المرحلة السابقة بوجوهها وممارساتها.

وظل حل المجالس المنتخبة أحد أبرز المطالب السياسية المرفوعة من طرف الحراك الشعبي، غير أن تداخل الحسابات وزخم الأجندة عززا الشكوك لدى المعارضين للسلطة حول نيتها في تحقيق التغيير المنشود، ويستدل هؤلاء بتوظيف السلطة لتلك المجالس في تمرير قوانين مهمة، رغم شرعيتها المهزوزة.

وزكى البرلمان الحالي الذي أسندت رئاسته بإيعاز من قيادة الجيش السابقة إلى شخصية تنحدر من كتلة نيابية محدودة لتحالف إسلامي، العديد من القوانين المهمة خلال الأشهر الماضية، على غرار الاستثمار والطاقة والدستور، رغم عدم أهليته بسبب شرعيته المطعونة.

وكان البرلماني المسجون بهاءالدين طليبة، قد كشف في إفادته للقضاء، بأن “رؤوس القوائم والمراتب الأولى فيها، كانت تباع وتشترى قبيل انتخابات 2017، في حلقة ضيقة تتشكل من مسؤولين كبار في حزب جبهة التحرير الوطني الحائز على أغلبية البرلمان (160 مقعدا من 462) وعدد من الوزراء والمسؤولين في العهد السابق”.

وهي الإفادة التي شكلت منعرجا في نعش البرلمان الذي مرر الدستور الجديد منذ أيام فقط، رغم الانتقادات التي وجهت للرئيس تبون، وطعنت مبكرا في شرعية الدستور المذكور، مما يزيد من شكوك المعارضين حول توظيف المؤسسات المنتخبة في تمرير أجندتها ثم التخلص منها، للظهور في ثوب الإصلاحات والاستجابة لمطالب الحراك الشعبي.

ويعتزم الرئيس الجزائري تحقيق مبدأ الفصل بين المال والسياسة، عبر استحداث قانون جديد للانتخابات من خلال تشكيل لجنة جديدة من المختصين في القانون، وأوكل رئاستها لرئيس لجنة تعديل الدستور الخبير أحمد لعرابة، الذي طالته العديد من الانتقادات حول النسخة النهائية للدستور الذي أعدته لجنته.

Thumbnail

وفيما يجري الترويج لخطاب التخلص من تركة نظام الرئيس السابق، والذهاب إلى “إصلاحات عميقة وجزائر جديدة”، فإن العودة القوية للمخزون البشري لنظام بوتفليقة إلى الواجهة من خلال تصدر مؤسسات أهلية استحدثت للقيام بالحملة الدعائية للدستور، واستنفار أحزاب الموالاة للحضور القوي في الاستحقاق المذكور، يجعلان خطاب التغيير مجرد ذر للرماد في العيون، بحسب تصريح رئيس جبهة العدالة والتنمية عبدالله جاب الله.

ويبدو أن تأخر صدور أي تعليق من القوى السياسية في البلاد حول قرار الانتخابات التشريعية المبكرة، هو وليد حالة الارتباك الذي يخيم على المشهد السياسي في البلاد، واستمرار القبضة الحديدية بين السلطة وفواعل الحراك.

وأفرزت الاحتجاجات السياسية المعلقة حالة من الاضطراب حتى داخل أحزاب الموالاة، كجبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي، الجبهة الجزائرية الشعبية وتجمع أمل الجزائر التي يقبع قادتها في السجون. فبينما يبدو أن أحزاب المعارضة غير مستعدة لخوض مثل هذا الاستحقاق، لا تزال أحزاب أخرى تنتظر الترخيص الرسمي من وزارة الداخلية.

ويبدو أن غياب التشاور بين السلطة والطبقة السياسية حول القرار وتوقيته سيولد حالة من التنافر، وقد تذهب السلطة إلى انتخابات تشريعية مبكرة من دون قوى تمثيلية للمجتمع، مما يبقي أزمة الشرعية قائمة في المؤسسات الجديدة، خاصة في ظل عدم استعداد قطاع عريض من الأحزاب السياسية، فضلا عن الظروف السياسية والصحية التي تحول دون بلورة مشاريع حزبية وانتخابية بديلة لقوى لا زالت محل رفض شعبي. وذهب البعض إلى حد المطالبة بسحب شعار جبهة التحرير التاريخية من الحزب الحالي، على اعتبار أنها موروث جماعي لكل الجزائريين، حسب ما ورد في وثيقة حزب جيل جديد التي أرسلها للجنة تعديل الدستور في إطار عملية الإثراء.

وفيما تعول السلطة الجديدة بقيادة تبون على قانون انتخابات جديد يراجع العديد من المسائل البنيوية التي أفرزت مؤسسات لا تمثل الشارع بقدر ما تمثل المصالح والحسابات، لا زالت الأوضاع السياسية والحريات محل تضييق غير مسبوق، ولا زالت العديد من الأحزاب غير مرخص لها بالنشاط لأسباب مختلفة، على غرار الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي المعارض بقيادة الناشط كريم طابو، الذي تعرض للسجن والمتابعات القضائية.

4