انتخابات تونس: مشهد منقسم وغياب مرشح بارز

لا أحد يعلم إلى أين ستقود الموجة المعادية للمؤسسية، بالنظر إلى الصفوف المقسمة والتنافس الشرس بين المرشحين الأكثر تقليدية، وخاصة في المعسكر الحديث.
الثلاثاء 2019/09/03
الرؤية ضبابية

في منتصف سبتمبر، يتوجه الناخبون التونسيون إلى صناديق الاقتراع لانتخابات رئيسهم القادم. ويؤثر في هذه الانتخابات الانقسام الذي حدث في انتخابات 2014 وافتقاد الحضور الجذاب للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي بما يفسح الطريق أمام مشهد منقسم مع عدم وجود مرشح بارز واضح يمكنه الفوز بأغلبية الأصوات في الجولة الأولى.

وقد يعتمد فوز المرشح للانتقال إلى تصفيات الجولة الثانية على فارق ضئيل في النسب المئوية. كما لا يوجد من يتميز على المرشحين الـ26 والذي يمكن ملاحظة تفوقه في المعركة الانتخابية. لا يوجد قادة تاريخيون ولا شخصيات جذابة، رغم أن الكثيرين يشعرون بأن لديهم القدرة على “إنقاذ تونس”.

الكثيرون، بمن فيهم أولئك الذين خدموا في السنوات الأخيرة في مناصب حكومية عليا، بعيدون تماما عن المؤسسة السياسية. وقد يواجه أي مرشح مرتبط بالحكومة تحديا صعبا في إقناع الناخبين بأنه قد يكون جزءا من الحل.

وفي السنوات الأخيرة، فقد الكثيرون الثقة في المؤسسات التونسية، باستثناء الأجهزة الأمنية والجيش بسبب حربها ضد الإرهاب. وكنتيجة لذلك، تظهر الشكوك حول قدرة السياسيين على إخراج البلاد من مأزقها الاقتصادي. حيث تنعدم الثقة في قدرتهم على معالجة مشكلة الفساد المزمنة.

وبالنظر إلى النتائج الضئيلة التي حققتها الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011 وتعقيد المشكلات القائمة، فإن ظهور مثل هذا الشك يعتبر أمرا طبيعيا.

وعلى الرغم من أن الخطابات المعادية للمؤسسية التي تعدّ جزءا من المناظرات الشعبوية للعديد من المرشحين تبدو واهمة إلا أنها تجتذب بالفعل العديد من الناخبين الذين لا يحبّذون الفروق الضئيلة.

وعلى النحو الذي حدده كاس مود، الأستاذ في جامعة جورجيا، في صحيفة الغارديان، فإن الشعوبية هي “أيديولوجية ترى أن المجتمع ينقسم في نهاية المطاف إلى مجموعتين متجانستين وعدائيتين، وهما ‘الشعب النقي’ مقابل ‘النخبة الفاسدة'”.

وعد قيس سعيد، المرشح البارز، بعملية سياسية جديدة تدعم “الانتفاضة غير المكتملة” للشباب الثوري. ويتطلع أنصاره إلى دعمه من أجل أن ينتصروا على العناصر “الفاسدة” من النظام السابق والقوى الأجنبية التي تحرم تونس من مواردها الطبيعية. ويقدّم سعيد نفسه على أنه مدافع عن “الهوية”.

في المقابل، يقول نبيل القروي، المرشح الشعبوي ورئيس حزب “قلب تونس”، إنه يتحدث إلى الفقراء من قلبه. وهو يرى نفسه أفضل من غيره في قدرته على “الوصول إلى قلوبهم”، ويعد بتصحيح علل النظام الذي هو أصل الكثير من الفقر والتهميش.

وقد هيّأت استطلاعات الرأي للقروي وضعا جيدا بين المرشحين. وعلى الرغم من أنه محتجز بتهمة التهرب الضريبي وغسيل الأموال، إلا أن موظفي حملته الانتخابية يبدون واثقين من أن سجنه سيزيد من فرصته الانتخابية.

وتشارك عبير موسي، رئيسة حزب الحركة الدستورية، الشعبويين بعض سماتهم، وكذلك سمات المرشحين التقليديين. حيث تعبئ موسي حشود الناخبين لينضموا إلى حزبها كلما تصطدم مع المنافسين. وإلى الآن، هي قادرة على اجتذاب الناخبين الذين لا يشعرون بالرضا عن نوعية حياتهم المتدهورة أو الذين يتوقون إلى استعادة حياتهم من جديد.

ومن بين العديد من المرشحين، وليس فقط موسي، يمثّل إرث أول رئيس تونسي، حبيب بورقيبة، رمزا قويا للرؤية والقيادة، حيث أسطورة الأب المؤسس في هذه الأيام تعتبر ملجأً للعديد من المرشحين في هذا السباق الانتخابي.

وتحت نفوذ الشعوبيين والمرشحين الآخرين المعادين للمؤسسية، لا ينظر الناخبون إلى البرامج، ولكن إلى الإرضاء العاطفي في السباق الانتخابي مع المتنافسين الآخرين. وبدلا من إصلاح ما لا يعمل، فهم يعدون بإجراء إصلاح شامل في ما يخص الدستور التونسي وكل شيء. ويبحث مؤيدوهم عن التعزيز وليس عن مناقشة القضايا في وسائل التواصل الاجتماعي.

وقالت كلوديا ألفاريس، أستاذة مشاركة في جامعة لوسوفونا في لشبونة، إن “حالة الغضب التي ينشرها السياسيون الشعبويون تتأجج من خلال منشورات التواصل الاجتماعي لأن وسائل التواصل الاجتماعي تساعد على الانتشار السريع للمشاعر، والنتيجة هي زيادة في انقسام الخطاب السياسي والصحافي”.

ربما اكتسبت الشعوبية دلالة سلبية في السياسة الحديثة، حتى أنها ارتبطت بانتخاب رئيس أميركي وانتصار حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. إنها المكافئ السياسي للثقافة الشعبية وتقع على النقيض من الثقافات رفيعة المستوى. وتجذب السياسة الشعوبية والمعادية للمؤسسية جمهورا متزايدا لا يمكن استبعاده باعتباره مدفوعا بالعاطفة والجهل.

في الانتخابات التونسية، يبحث الكثير من جمهور الناخبين عن جاذبية شخصية لوجوه جديدة تلقي خطابات مريحة وبرامج مقنعة. وفي دولة تحكمها سياسة العرض والطلب، تفي الشعوبية والخطاب المعادي للمؤسسية بضرورة أن يعبّر الناخبون عن استيائهم من السياسيين وسياساتهم.

لا أحد يعلم إلى أين ستقود الموجة المعادية للمؤسسية، بالنظر إلى الصفوف المقسمة والتنافس الشرس بين المرشحين الأكثر تقليدية، وخاصة في المعسكر الحديث. علاوة على ذلك، إذا قلل المرشحون الذين يتمتعون بالقدرة الحقيقية على “إنقاذ تونس” من جاذبية الشعبويين، فقد يواجهون مفاجأة.

7