انتخابات جوبالاند: معركة بين الفيدراليين ومؤيدي الحكم المركزي

هجوم حركة الشباب في كيسمايو عشية الانتخابات المحلية يربك حسابات الرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجو.
الثلاثاء 2019/07/16
إصرار على الغرق في الفوضى

يربك الهجوم الذي شنّه الناشطون الإسلاميون في حركة الشباب على فندق في مدينة كيسمايو الساحلية في جنوب الصومال، عشية الانتخابات المحلية، أوراق الرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجو، الذي يواجه دعوات متصاعدة بعدم التدخل في الشؤون المحلية للولايات والأقاليم الصومالية.

كيسمايو (الصومال) – في وقت كان فيه سكان إقليم جوبالاند، في جنوب الصومال، يترقبون انطلاق الحملات الانتخابية، هاجم مسلحون من حركة الشباب فندقا في كيسمايو، العاصمة المؤقتة لإدارة الإقليم (على بعد 500 كم جنوب مقديشو)، في عملية انتحارية مركبة استغرقت قوات الأمن 11 ساعة لإنهائها.

يضع البعض الهجوم الأخيرة لحركة الشباب في خانة انتقام الحركة من حالة التضييق عليها في الجنوب، وفي إقليم جوبالاند تحديدا، فيما يؤكد آخرون أن للعملية حسابات أخرى أكبر ترتبط بالانتخابات والمصالح كما بقضية أكبر وهي المعركة بين الاتحاديين الفيدراليين ومؤيدي الحكم المركزي للبلاد.

تنافس بين العشائر

تنكّر مسلحون حركة الشباب، وفق شهود عيان، في زي رجال الشرطة، واقتحموا الفندق، بعد وقوع تفجيرات، بينما كان شيوخ قبائل ونواب مجتمعين، لمناقشة الانتخابات المحلية المزمع إجراؤها في أغسطس المقبل.

ويجمع هذا الإقليم أغلب العشائر الصومالية، لذلك تحمل انتخاباته أهمية كبرى من حيث التحالفات السياسية، والمصالح المتبادلة بينها وبين الحكومة المركزية في مقديشو. وتشير صحيفة صومالي أفيرز إلى أن المنطقة تشهد سباقا قويا بين مختلف العشائر والتحالفات السياسية. لكن، تجمع المنافسة الأكثر حدة قبيلة أوغادين التي ينتمي إليها حاكم الولاية، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي، أحمد مدوبي، وعشيرة مريحان‎ التي ينتمي إليها الرئيس الصومالي محمد عبدالله فارماجو.

هجوم حركة الشباب الأخير ضد معقل الإدارة المحلية في كيسمايو يوحي بوجود خرق أمني مكّن الحركة من تنفيذ الهجوم

وتلفت الصحيفة إلى أنه بعيدا عن التنافس بين العشائر، يتصارع فارماجو ومادوبي حول النظام الحكومي في البلاد. يساند مادوبي فكرة نظام الحكومة الفيدرالية الاتحادية، بينما يريد الرئيس فارماجو عودة الحكومة المركزية الموحدة التي حلّت عندما أطيح بالرئيس محمد سياد بري سنة 1991. وبدأ الصراع بين الطرفين فور انتخاب فارماجو رئيسا للبلاد.

ويبذل فارماجو جهده في دعم مرشحين موالين له أو يمكن الضغط عليهم في المستقبل. وفي حالة خسارة مرشحه، يستطيع الرئيس الصومالي رفض نتائج الانتخابات وإعادة تنظيمها من جديد. لكن ذلك لن يضمن له فوز مرشحه أيضا.

من هنا لا يستبعد النائب في البرلمان الصومالي حسن عبدي، أن تكون حكومة فرماجو وراء العملية الأخيرة لحركة الشباب. وكان عبدي قال، في تصريحات إعلامية، إن رئيس الوزراء حسن علي خيري على صلة بحركة الشباب. وأوضح أنه لا يشك للحظة في أن هذا الهجوم من تدبير جهات حكومية متعددة من أجل خلق قلاقل أمنية في مدينة كيسمايو لإضعاف حاكم الولاية، أحمد مدوبي.

واستند البرلماني الصومالي في اتهامه إلى أن عناصر حركة الشباب الذين نفذوا الهجوم كانوا يرتدون زي الشرطة، موضحا أن الحكومة وزعت هذا الزي في أكاديمية الشرطة بالعاصمة مقديشو.

يبذل فارماجو جهده في دعم مرشح من عشيرة أحمد مدوبي لتقسيم أصوات أوغادين. وعبّر عن دعمه لأربعة مرشحين، سيتراجع ثلاثة منهم في النهاية ليعلنوا تأييدهم للمرشح المتبقي.

وتتمثل هوية هؤلاء المرشحين العضو في البرلمان الاتحادي ووزير الداخلية السابق عبدالرشيد حيدج، ووزير النقل الجوي والبري الحالي محمد عمر، والناطق الرسمي السابق لإقليم جوبالاند عبدالناصر سرار، ومحمد يوسف الظاهر الذي يعمل مع منظمة الأغذية والزراعة.

جوبالاند

ورغم أن انتخابات إقليم جوبالاند محلية إلا أنها تمثّل اختبارا للمجتمع الدولي لأهمية المنطقة في العملية السياسية الصومالية الشاملة وفي الصراع بين الأنظمة التي تريد أن تؤسس حكومتها في البلاد.

وتقول صحيفة صمالي أفيرز إنه “نظرا إلى أن المجتمع الدولي يراقب جهود فارماجو الرامية إلى تفكيك النظام الفيدرالي في البلاد بصمت، يرى العديد من الصوماليين أنهم يدعمونه في هذه المسألة”.

وتشير الصحيفة الصومالية إلى أن فارماجو يفضّل محمد يوسف من بين الأربعة، لأن والدته وزوجته تنتميان إلى قبيلة مريحان. وهو رجل يستطيع فارماجو الضغط عليه ليدعم القبيلة. وفي حالة خسارة مرشح فارماجو، يستطيع الرئيس رفض نتائج الانتخابات وإعادة تنظيمها من جديد.

ومنذ انتخاب أحمد مدوبي رئيسا له، قبل سنوات، تمتع الإقليم باستقرار أمني حيث وأقام مدوبي نظاما مكن قوات الأمن من إحباط هجمات عديدة لحركة الشباب، ومنع تسلل عناصرها إلى الإقليم، لشن هجمات أو اغتيال شخصيات سياسية.

اختراق أمني

جوبالاند

يكشف الهجوم المفاجئ في المدينة الهادئة نسبيا، وفق الخبراء، عن قصور أمني تمكّن مسلحو حركة الشباب بسببه من اقتحام الفندق الواقع وسط عاصمة الإقليم. وقال الشافعي أبتدون، الباحث في مركز الصومال للدراسات، إن “رئيس الإقليم حقق، في السنوات الماضية، تقدّما نحو تحقيق أمن مستتب في كيسمايو”.

وأشار إلى أن مدوبي “كثّف عملياته لمطاردة أتباع حركة الشباب وطردهم من المناطق والبلدات المجاورة لكيسمايو، لكن الهجوم الذي قلب أمن كيسمايو رأسا على عقب، أثار تساؤلات بشأن ملابساته والجهات الضالعة فيه”.

وشكلت منطقة جوبالاند بدءا من 2008 ولأربع سنوات، معقلا لحركة الشباب التي كانت تستفيد من عائدات مرفأ المدينة. واستعادت قوات خاصة محلية بمساندة الجيش الكيني المنطقة في 2012. وتدير المرفأ الواقع على بعد نحو 500 كم جنوب غرب مقديشو وجوبالاند المحيطة به حكومة محلية مرتبطة بالسلطات الفيدرالية الصومالية. وبعدما فقدوا السيطرة على كيسمايو، واصل الشباب شنّ هجمات على الجيش وقوة الاتحاد الأفريقي في المنطقة. لكنها المرة الأولى التي يشنّون فيها هجوما داخل المدينة.

وقال عبدالناصر عثمان، المختصّ بشؤون الجماعات الإسلامية، إن قوات الأمن في جوبالاند تمكّنت من طرد حركة الشباب، وأحبطت هجمات عديدة، لافتا إلى أن الهجوم الأخير ضد معقل الإدارة المحلية في كسمايو يوحي بوجود خرق أمني مكن الحركة من تنفيذ الهجوم، مستغلة الظرف السياسي الذي تعيشه كيسمايو حاليا وهو الانتخابات الرئاسية.

ولا يستبعد عثمان وجود عناصر من الحركة داخل كيسمايو، في ظل الانتشار الأمني الكثيف في المدينة الإستراتيجية، الواقعة على الساحل الصومالي.

ولا يبدو أن هذا الهجوم سيكون في صالح فرماجو الذي يواجه ضغطا شعبيا كبيرا من أجل مواجهة حركة شباب الصومال والدفع بالبلاد نحو دائرة التغيير في القرن الأفريقي. ومؤخرا، شهدت مقديشو مظاهرة شعبية عبر فيها الصوماليون عن غضبهم من عدم قدرة الرئيس على الحد من هجمات حركة الشباب المتشددة، وارتفعت الأصوات المطالبة بتنحيته عقب التأكد من فشله في حفظ الأمن، واتهامه بالصمت على فساد بعض معاونيه، وتهاون القطاع الأمني في العمل على وقف الهجمات الإرهابية وتعميق الخلافات بين المركز والأقاليم واعتباره سببا رئيسيا في الأزمة التي بدأت تنخر في جسد الحكومة الفيدرالية.

احترام النظام الفيدرالي

جوبالاند

يرفض أبناء الولايات الصومالية المختلفة محاولات حكومة فرماجو للتدخل في شؤونهم؛ إذ شهدت مدينة عدادو بإقليم غلغدود، وسط البلاد، في الثاني من يوليو الماضي، مظاهرات حاشدة ضد سياسات حكومة الرئيس، لتدخلها في شؤون انتخابات ولاية غلمدغ الإقليمية، فيما يشتد الخلاف بين جمهورية أرض الصومال، وهي إقليم في شمال البلاد، أعلن استقلاله عن جمهورية الصومال في مسعى إلى تفادي الغرق في الفوضى المزمنة التي يشهدها الصومال، وتطلع نحو اللحاق بركب دول المنطقة الصاعدة.

حذّر حزب الآفاق الوطني، الذي يتزعمه الرئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد، حكومة الرئيس محمد عبدالله فرماجو، من مغبّة التدخل في شؤون ولاية غلمدغ الخاصة.

وحذر الحزب من العواقب الوخيمة التي تنتج عن تجاوز القانون الفيدرالي، مطالبا في الوقت ذاته الرئيس فرماجو بوقت كافة التدخلات في شؤون الولايات الإقليمية الفيدرالية في البلاد عموما.

كما نددت ولاية بونتلاند بتدخل الحكومة الفيدرالية في شؤون انتخابات الإدارات الإقليمية. وقالت إنه “انتهاك سافر في المواثيق والمعاهدات السياسية السابقة للمجتمع الصومالي”.

وحذرت وزارة الداخلية وشؤون الفيدرالية والمصالحة في ولاية بونتلاند، في شمال شرق الصومال، في بيان لها من أن “التدخل السافر الذي تمارسه الحكومة الفيدرالية في شؤون انتخابات الإدارات الإقليمية يؤدي إلى أزمة سياسية”.

ودعت بونتلاند الحكومة الفيدرالية إلى إيقاف التدخل في شؤون جوبالاند وغلمدغ واحترام النظام والمبادئ الفيدرالية المتفقة عليها سابقا.

7