انتخابات "طوارئ" في تركيا.. هل تنجح المعارضة بإبعاد أردوغان؟

جميع أحزاب المعارضة التركية في هذه المرحلة بحاجة إلى فعل ما يلي:طرح الكثير من المرشحين في الجولة الأولى، واختيار المرشح الديمقراطي في الجولة الثانية.
الخميس 2018/05/03
حزب الشعوب الديمقراطي يؤرق أردوغان

مع الإعلان عن إجراء انتخابات مبكرة، أو بالأحرى انتخابات “طوارئ” في تركيا في الرابع والعشرين من يونيو المقبل، بدأت أحزاب المعارضة تبحث عن وسيلة لتكرار الأداء الذي ظهرت به في الاستفتاء الدستوري الذي أجري في 16 أبريل 2017، بل تأمل أيضا في تحقيق أداء أفضل، تحول به بين الرئيس رجب طيب أردوغان وبين الفوز بأغلبية خمسين بالمئة زائد واحد في الجولة الأولى.

ويتحقق ذلك عبر حشد أكبر عدد ممكن من الأصوات، بحيث إذا كان هناك إغراء بارتكاب مخالفات يكون هامش التقدّم كبيرا على نحو يبدّد الأثر الناتج عن تلك المخالفات.

ويبدو أن أحزاب المعارضة ستتعاون في ما بينها من أجل مراقبة فرز الأصوات مساء الرابع والعشرين من يونيو. وترجّح التعديلات التي أُدخلت في الآونة الأخيرة على قانون الانتخابات (ومن أمثلتها إعادة توزيع قوائم التصويت، وتعيين مسؤولين حكوميين رؤساء للجان الاقتراع، وإضفاء المزيد من الطابع الأمني على عملية التصويت) فضلا عن احتجاز الآلاف من المنتمين إلى حزب المعارضة الرئيسي حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، أن المخالفات ستظل مبعث قلق خاصة في المحافظات الكردية.

لكن بالنسبة لحزب الشعوب الديمقراطي وغيره، فإن مسألة “المخالفات المشينة” لا تقتصر على يوم الانتخابات والليلة التالية. فستكون الحملة نفسها مهدّدة باستمرار بتدخلات قوات الأمن والحكومة المحلية والدهماء ممن نصّبوا أنفسهم حماة للعملية الانتخابية.

في غضون ذلك، من الممكن أيضا استهداف الفعاليات الانتخابية التي يقيمها حزب الشعب الجمهوري الرئيسي المعارض والحزب الصالح القومي المؤسس حديثا، خاصة من قبل مسلحين قوميين تربطهم صلة بحزب الحركة القومية المتحالف مع حزب العدالة والتنمية الحاكم.

وبالنسبة للمعارضة تعدّ المشكلة القادمة معقّدة. فهناك ثلاثة انتخابات مختلفة قد تحتاج إلى استراتيجيات مختلفة. وبالتأكيد، يجب تنسيق الاستراتيجيات، لكن العملية بطبيعتها متغيرة وكل عملية انتخابية من الثلاث تفرز مشكلة مختلفة بحاجة إلى معالجة. والانتخابات الثلاثة هي الانتخابات البرلمانية، والانتخابات الرئاسية وجولة الإعادة فيها، والتي ستجرى بعد أسبوعين من الجولة الأولى، أي في شهر يوليو، في حالة عدم فوز أي من المرشحين بأغلبية 50 بالمئة زائد واحد.

وخيارات الانتخابات البرلمانية واضحة. فقد يخوض كل حزب من أحزاب المعارضة الانتخابات بشكل مستقل، وبذلك لن يواجه فقط عقبة عتبة العشرة بالمئة، ولكن أيضا سيكون قد تخلى عن هبة الأربعين مقعدا إضافيا التي ستذهب للتحالف أو الحزب الفائز.

أما الخيار الآخر فهو أن تتحد القوى في تحالف “صفري العتبة”، وفي هذه الحالة لن يكون ذلك التحالف فقط يُحقق العدالة التمثيلية من خلال تسهيل دخول جميع أعضاء التحالف إلى البرلمان، ولكنه سيحصد أيضا عطية المقاعد الإضافية.

والاستراتيجية الثانية هي استراتيجية مثمرة وسائدة ليس بها جوانب سلبية للأحزاب التي تنضم إلى تحالف أحزاب المعارضة.

في ظل هذه الانتخابات أضاعت المعارضة وقتا ثمينا في محاولة إقناع غول بالترشح

بيد أن السياسة ليست مسعى عقلانيا خالصا. ويبدو أن الحزب الصالح يصرّ على إقصاء حزب الشعوب الديمقراطي من تحالف أحزاب المعارضة هذا. ومثل تحالف المعارضة “الصفري العتبة” الأبتر هذا قد يكون معناه الاستسلام للحظر الكردي الذي وضعه الرئيس رجب طيب أردوغان وزعيم حزب الحركة القومية دولت باهجلي، كما أنه سيكون أقل تأثيرا.

أما الحديث عن الانتخابات الرئاسية فهو أكثر تعقيدا، إذ يتعلق السؤال من جديد بالاختيار بين الكثير من المرشحين أو مرشح تحالف واحد في مواجهة أردوغان. وبالنسبة لمؤيدي فكرة طرح مرشح معارضة واحد في الجولة الأولى، فإن الاسم الذي ارتبط بهذا الرأي هو عبدالله غول، ولكن غول أعلن عدم رغبته بالترشح.

فقد كان الطرح الأساسي بشأن غول هو أنه إذا أمكن لحزب السعادة وحزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح دعمه، فإن الأكراد وبعضا من ناخبي حزب العدالة والتنمية غير الراضين عن حزبهم سيصوّتون له أيضا. لكن تبيّن أن من كانوا يريدون طرح غول كمرشح مشترك للمعارضة فشلوا في إقناع ميرال أكشينار؛ زعيمة الحزب الصالح، التي أصرّت على التصدي لهذا الأمر بنفسها. كما تبيّن أنهم فشلوا في إقناع قطاعات كبيرة من حزب الشعب الجمهوري كانت قد رفضت دعم شخصية يرونها “صورة مصغرة من أردوغان”، بل وعلى ما يبدو غول نفسه الذي لم يستطع أن يجد في نفسه الرغبة السياسية لاتخاذ الخطوة والدفاع عن ترشحه.

في ظل هذه الانتخابات أضاعت المعارضة وقتا ثمينا في محاولة إقناع غول بالترشح. وعند هذه النقطة يبدو أن نافذة الاحتشاد خلف مرشح واحد في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية قد أُغلقت.

لكن الخبر الجيد هو أن أكثر ما لا يفضل فكرة طرح مرشح واحد للمعارضة في الجولة الأولى، كان دائما وأبدا القيمة الجوهرية لوجود البديل. فإذا طرح كل حزب سياسي مرشحه وحشد قاعدته الانتخابية في الجولة الأولى، فإن هذا لن يعزز أداء المعارضة في الانتخابات البرلمانية فحسب، بل سيغيّر أيضا معنى الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية.

وتعدّد المرشحين والمواقف السياسية في الانتخابات الرئاسية يفتح الآفاق أمام وضع رؤية “الرجل الواحد” الأردوغانية في إطار مرض الرغبة في قمع التعددية. كما أن جموع المقموعين في تركيا بحاجة إلى نافذة للتعبير عن معارضتهم وتأكيد إرادتهم من دون حاجة إلى إجراء حسابات انتخابية. وحقيقة إمكانية امتداد الانتخابات الرئاسية إلى جولتين تجعل هذه الفرصة متاحة. وفي أي حالة من الحالات، فإن مصير الجولة الثانية، وما إذا ستكون هناك مثل هذه الجولة أم لا، يعتمد على الحشد الناجح لهذه الجموع.

على الجانب الآخر فإن الجولة الثانية تفرز مشكلة أخرى، لكنها مشكلة لها متغيّرات ستختلف اختلافا جذريا على أساس العمليتين الانتخابيتين السابقتين. وعلى الرغم من أن هناك رغبة في تطوير إستراتيجية انتخابية تكون على أفضل ما يمكن في الانتخابات الثلاثة، فإن السياسة ليست عملية حساب تفاضل وتكامل بسيطة. فالسياسة عملية أداء تتغير اتجاهاته ومعالمه وفقا لما يتخذه مختلف اللاعبين على الساحة السياسية من إجراءات.فضلا عن ذلك فإن القانون الجديد يُجيز للمرشح الذي يحصد المركز الثاني أن يقرر التخلي عن ترشحه لمن يحلّ ثالثا. وبالنظر إلى هذه المساحة من الحرية، فإن جميع أحزاب المعارضة في هذه المرحلة بحاجة إلى فعل ما يلي: طرح الكثير من المرشحين في الجولة الأولى، واختيار المرشح الديمقراطي في الجولة الثانية.

9