انتخابات ليبيا والمتربصون بها

الخميس 2018/01/25

رغم أن هناك تحديا مهما في طريقه إلى التحقق، وهو وصول عدد المسجلين في قائمة الناخبين المفترضين إلى ثلاثة ملايين، تبقى أمام الاستحقاق الانتخابي المنتظر في ليبيا تحديات أخرى لعل أبرزها التحدي الأمني، حيث لم يعد خافيا أن ميليشيات مسلحة تعمل منذ أسابيع على الانطلاق نحو طرابلس، في محاولة جديدة للسيطرة عليها، تماما كما حصل في صيف 2014 من خلال عملية فجر ليبيا التي أتت على الأخضر واليابس، فدمرت البنيان وشردت السكان، وسيطرت على مؤسسات الدولة، وأدخلت العاصمة في دوامة من الفوضى لا تزال تأثيراتها على حياة الناس راسخة إلى اليوم.

والساعون للهجوم على طرابلس يقولون إنهم من أتباع المفتي المعزول الصادق الغرياني، وتمثلهم حكومة الإنقاذ المتكونة بالأساس من بعض فلول المؤتمر الوطني العام، ويرأسها خليفة الغويل الذي يعتبر نفسه مؤتمنا على ثورة 17 فبراير 2011، أما المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق فلا يعنيان شيئا للمسلحين، وما حدث مؤخرا من هجوم على قاعدة معيتيقة بقلب طرابلس، لم يكن غير مران أولي على الهجوم الأكبر، أو كما يراه البعض اختبارا للقوات الحامية للعاصمة كقوة الدرع الخاصة بقيادة عبدالرؤوف كارة، وكتائب ثوار طرابلس بقيادة هيثم التاجوري.

ولكن لماذا الهجوم على طرابلس؟ المعطيات المتوفرة تشير إلى أن ميليشيات من عدة مدن، توافقت على أن تسيطر على العاصمة للانقلاب على مخرجات الحوار السياسي، وعلى ما تبقى من اتفاق الصخيرات، وكذلك على ما تعد له بعثة الأمم المتحدة من استحقاق انتخابي في النصف الثاني من العام الجاري، وهو على ما يبدو استحقاق لا يروق لأغلب الأطراف المتصارعة، خصوصا منها قوى الإسلام السياسي التي لا ترى لنفسها أملا في الفوز بنتائج الانتخابات، نظرا لفقدانها شرعية الشارع ولفشلها السابق في انتخابات 2014، وكذلك لظهور مارد مهم خلال فترة التسجيل في قوائم الناخبين، ويتمثل في أنصار النظام السابق ممن يرون في فريق الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة عدوا عقائديا وسياسيا، يتحمل مسؤولية ما وصلت إليه البلاد منذ عام 2011، من سفك دماء وتخريب للعمران وهدر للثروات وإذلال للشعب وتمزيق للنسيج الاجتماعي وارتهان للقرار الأجنبي.

يضاف إلى ذلك أن طرفين إقليميين مؤثرين في المشهد الليبي هما قطر وتركيا لا يريدان للانتخابات أن تتم، حتى لا تفاجئهما النتائج بما لا يتمنيان. إذ لا أنصار النظام السابق، ولا أنصار المؤسسة العسكرية يمكن أن يضمنوا مصالح هذين البلدين اللذين طالما حاولا أن يجعلا من ليبيا نهبا لهما من خلال أتباعهما المفروضين بقوة السلاح وبسياسة الأمر الواقع التي كرستها القوى الغربية على إثر الإطاحة بنظام القذافي، عندما تم إسقاط الدولة وعزل القائمين عليها، ثم استبعاد القوى العلمانية والتقدمية واستبدالها بأدوات إخوانية، كانت تنفذ أوامر مستشارين قطريين وأتراك مرتبطين بمصالح بلديهما.

وقصة السفينة التركية الحاملة للمتفجرات والتي أوقفتها البحرية اليونانية عندما كانت في طريقها إلى الساحل الليبي، لا تخرج عن سياق مخطط بث الفوضى في البلاد، لمنع تنظيم الانتخابات. فتركيا لا تخفي دعمها الكامل للإسلاميين، وهي التي فتحت لهم أبوابها لنقل ثروات الليبيين إلى أراضيها دون حسيب أو رقيب، وأطلق عبدالحكيم بالحاج شركة طيران خاصة لنقل المليارات المنهوبة إلى أنقرة وإسطنبول.

وتبقى قطر من الرافضين بقوة للاستحقاق الانتخابي، وعندما أعلن أحد أبرز تابعيها، محمد القنيدي، القيادي في ميليشيات البنيان المرصوص دعمه للهجوم على قاعدة معيتيقة، ولأي هجوم آخر على طرابلس، لم يكن ينطق عن هوى أو يتكلم من فراغ، وإنما كان يكشف عن وجهة نظر الدوحة التي زارها في أغسطس الماضي مع وفد كبير، ليجد حظوة الاستقبال من أمير البلاد، ووزيري الدفاع والخارجية، ولينال الدعم والمساندة، قبل أن يخرج للعلن مسبّحا بحمد قطر، معربا عن استعداده لتنفيذ عمليات إرهابية داخل مصر والسعودية والإمارات.

وتلك التهديدات وإن كانت لا تخرج عن دائرة الحذلقات اللفظية والإدعاءات الجوفية، إلا أنها تكشف عن جزء من تفاصيل المشهد الميداني في ليبيا، فأتباع الدوحة يرفضون تنظيم الانتخابات، لأنهم يدركون جيدا أن حظهم قليل أو يكاد يكون منعدما في الفوز من خلال صناديق الاقتراع، كما حدث مع عبدالحكيم بالحاج عندما اكتفى في انتخابات 2014 بصوته لا غير.

نحن إذن أمام تهديدات فعلية بأن تعود الفوضى إلى طرابلس والمنطقة الغربية، قبل الاستحقاق الانتخابي، وهو ما يتطلب من المجلس الرئاسي التفطن لكل ما يدور حوله، وأن يدرك أن الحزم أكثر من ضروري في هذه المرحلة، وإلا فإنه سيستيقظ ذات صباح على الميليشيات الخارجة عن القانون، وقد وصلت إلى غرفة نوم رئيسه، وقد حدث ذلك سابقا، فالمسألة بالنسبة لأعداء الحل السياسي مسألة حياة أو موت.

كاتب تونسي

9