انتخابات مجلس الشيوخ المصري منزوعة الدسم السياسي

قناعة قطاع كبير من المصريين بأن مجلس الشيوخ مجرد "ديكور سياسي" في المنظومة التشريعية يفشل الحملات الانتخابية التي تبدو باردة على المستوى الشعبي.
الأربعاء 2020/08/05
حملات انتخابية سخية أخفقت حتى الآن في إقناع المواطنين

القاهرة- تكثفت في الفترة الأخيرة حملات الدعاية الانتخابية لمجلس الشيوخ المصري بصورة لافتة، ما يشي بأن الاقتراع الذي سيجرى يومي 8 و9 أغسطس للمصريين بالخارج، و10 و11 أغسطس للمقيمين بالداخل، يحظى باهتمام كبير من قبل الحكومة والمرشحين والأحزاب، حيث يريد هؤلاء أن يجعلوا منه عنوانا مصيريا في مسار استكمال الشكل السياسي الذي حدده الدستور للمؤسسات المختلفة.

ويقلل مراقبون من أهمية مجلس الشيوخ، الذي ورث مجلس الشورى في التعديلات الدستورية الأخيرة، في ظل قناعة قطاع كبير من المواطنين بأنه لا يعدو كونه مجرد “ديكور سياسي”، وبلا جدوى حقيقية في المنظومة التشريعية، حيث الأولوية لمجلس النواب الذي يصل عدد أعضائه لضعف الشيوخ.

ونجحت القوى الرئيسية في تقسيم المقاعد بصورة ودية، حيث قاد حزب مستقبل وطن، صاحب الأغلبية في مجلس النواب، عملية فك وتركيب الكثير من الهياكل الحزبية، بما يمنح انتخابات الشيوخ طعما تفاهميا يبعدها عن الصراعات التقليدية.

مخاوف من مشاهد لجان تصويت شبه فارغة، في ظل عدم اقتناع شريحة من المواطنين بأهمية الغرفة الثانية للبرلمان المصري

وجاء تقسيم المقاعد مناسبا لحجم كل حزب في العملية السياسية التي فقدت سخونتها في الآونة الأخيرة، نتيجة حبسها في قوالب جامدة لا تأخذ من الحياة الحزبية سوى لونها، ففي مصر أكثر من مئة حزب بلا طعم سياسي، ويكاد لا يلمس المواطن العادي أثرا لأي منها في الشارع، فقد قبلت قياداتها أن تصبح أثرا بعد عين، وارتضت دور “الكومبارس” في مشهد سياسي كان حافلا بالتجاذبات.

ويتوقع المراقبون عدم تسجيل إقبال كبير على مراكز الاقتراع، لأن الحملات الانتخابية السخية أخفقت حتى الآن في إقناع المواطنين بأن هناك منافسة جادة بين المرشحين، وجرى تقسيم الدوائر في نظامي القوائم والفردي وفقا لآلية مكنت كل حزب مسبقا من معرفة عدد المقاعد التي سوف يستحوذ عليها.

ويشير المراقبون إلى أن انتشار فايروس كورونا سيحد تلقائيا من الإقبال على مراكز الاقتراع، ويخشى البعض أن تصبح لجان التصويت شبه فارغة، في ظل عدم اقتناع شريحة من المواطنين بأهمية الغرفة الثانية للبرلمان المصري.

وحملت قوائم المرشحين للأحزاب المختلفة أسماء رجال أعمال، وشخصيات محسوبة على الحزب الوطني (المنحل)، الحاكم خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، بجانب عدد من كبار ضباط الجيش والشرطة السابقين، وخلت تقريبا من أي مرشح يمثل صوتا معارضا للحكومة، ما جعلها أشبه بمنافسة معلبة.

وحاول بعض المرشحين الإيحاء بأن لهم شعبية كبيرة في المناطق التي ترشحوا فيها، فعقدوا مؤتمرات انتخابية حاشدة، بما يخالف تعليمات الهيئة العليا للانتخابات التي شددت على التباعد الاجتماعي وتطبيق الإجراءات الاحترازية، لكن لم تتخذ إجراء فعالا ضد هؤلاء، ما دفعهم للتمادي في سلوكهم.

وعزز هذا النوع من الممارسات التقديرات السلبية للانتخابات، وحصرها في إطار أن الحكومة تريد تمريرها للتدليل على نجاحها في التغلب على أزمة كورونا والتعايش مع الفايروس بأقل أضرار ممكنة، والوفاء باستحقاق دستوري، بصرف النظر عن جدواه أو تأثيره على الحياة السياسية، وكي تبدو هياكلها العامة مكتملة الأركان.

وتبدو انتخابات مجلس الشيوخ باردة على المستوى الشعبي، لكنها مليئة بالمعاني والدلالات السياسية البعيدة والتي تحدد جانبا من أطر المرحلة المقبلة، وهل تسير على المنوال الراهن، أم يمكن إدخال تعديلات تضبط الخلل الواضح الذي تعاني منه قوى سياسية متباينة، وهل تحمل إشارة بعدم استبعاد تدشين إصلاحات طال انتظارها؟

وكشفت مصادر لـ”العرب” أن الحكومة لم تشأ التفكير في تأجيل انتخابات مجلس الشيوخ حتى تنقشع غمة كورونا، كما فعلت بعض الدول، وصممت على عقدها في هذا التوقيت ليكون لديها المبرر المنطقي لتفسير عدم الإقبال الجماهيري المتوقع.

وأضافت أن هذه الأجواء مثالية من الناحية السياسية، حيث تعد تجربة عملية لانتخابات مجلس النواب المقبلة، الغرفة التشريعية الأولى، والمنتظر إتمامها في نوفمبر المقبل، وهي ذات أهمية كبيرة كجهة منوط بها صياغة القوانين قبل التصديق عليها من رئيس الجمهورية، تحظى بمزيد من الاهتمام الشعبي لحيوية الدور الذي تلعبه تاريخيا.

نجحت القوى الرئيسية في تقسيم المقاعد بصورة ودية، حيث قاد حزب مستقبل وطن، صاحب الأغلبية في مجلس النواب، عملية فك وتركيب الكثير من الهياكل الحزبية

في الوقت الذي لم تشعر فئة من المواطنين بأهمية دور مجلس النواب الحالي، أنجزت مجموعة كبيرة من القوانين خلال فترة وجيزة، مكنت النظام من فرض قبضته على كثير من مناحي الحياة، استنادا إلى طبيعة التحديات التي تواجهها الدولة في الداخل والخارج، وحاجتها إلى إجراءات تسد الكثير من الثغرات القانونية.

وكانت هذه المهمة ثقيلة ودقيقة في آن واحد، ولم يتوقع كثيرون إنجازها، لأن القوانين المطلوب تشريعها أو تعديلها تفوق قدرة الكثير من البرلمانات، حيث تلامس جوانب مهمة في مجالات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية مختلفة.

ترى دوائر رسمية أن انتخابات الشيوخ هي بمثابة “بروفة” لإدارة انتخابات مجلس النواب، وتصلح نتائج الأولى التعرف على ملامح الشكل الذي يمكن أن تخرج به الثانية بعد بضعة أشهر، في ظل محاولات جماعة الإخوان التسرب إلى البرلمان عبر شخصيات قريبة منها، لا تظهر ولاء علنيا لها.

وستبين حصيلة انتخابات الشيوخ حجم للتيار السلفي الذي حرص على ترشيح عدد من الأسماء المنتمية إليه، في إشارة إلى قدرته على التكيف مع الأوضاع الراهنة بالطريقة التي يرسم محدداتها النظام الحاكم، وقبوله بالحد الأدنى المسموح به.

Thumbnail
2