انتخابات مصرية محسومة مسبقا

ضعف الأحزاب وعدم قدرتها على التأثير دفعا الحكومة لهندسة التحالفات الانتخابية.
الأحد 2020/10/25
انتخابات لتجميل المشهد السياسي لا أكثر

المصريون لا ينتظرون برلمانا جديدا، كل ما في الأمر أن الحكومة تحاول أن تضفي نوعا من الحراك من خلال استقطاب أسماء جديدة وبناء منافسة بين الأشخاص وليس البرامج. الحكومة تقول إنها تسعى لبناء نخبة جديدة، وهي تستفيد من تدني شعبية الأحزاب وتراجع أدائها وعدم حماس الناس للانتخابات، من أجل هندسة المشهد الجديد.

القاهرة - سيطرت النظرة السلبية لمجلس النواب المنتهية ولايته على الانتخابات البرلمانية التي انطلقت داخل مصر، السبت، وسط توقعات من الناخبين بأن لا يختلف أداء النواب الجدد عن سابقيهم، في ظل اعتقاد سائد بأن المجلس ما هو إلا برواز لمشهد خامل منذ سنوات، الأمر الذي أفقد الانتخابات زخمها الشعبي الذي تتمتع به منذ زمن، ونزع عنها الصفة التي لازمتها بأنها مرادف للسياسة.

بدأت الانتخابات في المرحلة الأولى داخل 14 محافظة، يومي السبت والأحد، أما المرحلة الثانية فتجري يومي السابع والثامن من نوفمبر المقبل في القاهرة و12 محافظة أخرى، ويحق لـ63 مليون ناخب الإدلاء بأصواتهم.

تبدو نتائج الانتخابات محسومة بالنسبة لنصف مقاعد البرلمان، لأن “القائمة الوطنية من أجل مصر” وتتكون من 12 حزباً وأشرفت على تشكيلها جهات حكومية عليها الحصول على 50 في المئة زائد 1، لشغل 284 مقعداً من إجمالي 596، في ظل عدم وجود منافس قوي أمامها، فكل من قائمة “أبناء مصر” و”نداء مصر”، قد لا تسطيع إحداهما تجاوز النسبة المقررة للفوز.

واستقطب حزب مستقبل وطن، المقرب من الحكومة والذي جرى انتخاب رئيسه عبدالوهاب عبدالرازق رئيسا لمجلس الشيوخ مؤخرا، المرشحين أصحاب الشعبية في المراكز والقرى والنجوع ولديه حظوظ كبيرة في الحصول على أغلبية جديدة قد تفوق ما حققه خلال المجلس المنتهية ولايته، وينافس بـ285 مرشحاً في 143 دائرة فردية من بين أكثر من أربعة آلاف مرشح.

أزمة الكمّ والكيف

عصام شيحة: المعارضة المصرية في البرلمان المقبل ستكون مفتّتة
عصام شيحة: المعارضة المصرية في البرلمان المقبل ستكون مفتّتة

يطرح إجراء الانتخابات بهذه الطريقة مجموعة من التساؤلات حول الكم والكيف، وأسباب التزام الحكومة بعقد الانتخابات في توقيتاتها القانونية دون أن تكون هناك رؤية جيدة للمشهد السياسي تسمح بوجود سباق يحرك الركود الحالي.

بحسب عدد من السياسيين والباحثين ونواب سابقين في البرلمان، تواصلت “العرب” معهم، يبدو الهدف من الانتخابات صناعة نخبة تستطيع التأقلم مع الأوضاع الراهنة، بعيداً عن الأسماء التي أضحت بمثابة ورقة محروقة أمام المواطنين، إلى جانب العمل على تجميل المشهد السياسي، ما يخفف من أي انتقادات موجهة للقاهرة بشأن غلق المجال العام والتضييق على الحريات.

وتتعامل الحكومة المصرية مع الانتخابات على أنها كل المظهر السياسي، فهي تحرص على التئامها دون أن تحرص على توفير البيئة المناسبة لنمو وانتعاش الأحزاب، وفتح الطريق أمام القنوات اللازمة للشباب لممارسة العمل السياسي.

وقال البرلماني السابق عصام شيحة، إن الانتخابات الراهنة تشهد مشاركة واسعة من المرشحين الشباب والسيدات والأقباط، بعكس ما كان يحدث في السابق، حيث الارتكان إلى أسماء لديها خلفيات قديمة أو تأثيرات قبلية واسعة، وتتسم هذه الانتخابات أيضاً باستخدام المال السياسي بطرق فجة وظاهرة أمام الجميع من دون أن تكون هناك رقابة أو تدخل من الهيئة المشرفة على الانتخابات.

أحمد بهاءالدين شعبان: الحكومة تواجه مأزقا يتعلق باستنزاف مخزون الكفاءات
أحمد بهاءالدين شعبان: الحكومة تواجه مأزقا يتعلق باستنزاف مخزون الكفاءات

وأضاف شيحة، في تصريح لـ”العرب”، أن التحالفات الصغيرة التي جرت في السابق بين أحزاب المعارضة لضمان تمثيل قوي أمام حزب الحكومة لم تعد موجودة في الانتخابات الحالية، وهناك تحالف واحد يضم أحزاب الموالاة والمعارضة دون الاتفاق على برنامج واحد، كما تغلب عليها الرغبة في ترضية كل الأطراف ما يجعلها تحالفات مؤقتة، سوف تنفضّ بعد إعلان النتائج مباشرة.

ويرى شيحة أن المعارضة في البرلمان المقبل ستكون مفتّتة، لأن هناك أحزابا بحثت عن المشاركة في البرلمان عبر التحالف مع الحكومة، مثل المصري الديمقراطي الاجتماعي، والإصلاح والتنمية، وحزب العدل، وآخرين اختاروا المنافسة على المقاعد الفردية، مثل أعضاء ائتلاف (25 – 30) في البرلمان المنتهية ولايته، الأمر الذي يشي بخفوت أصوات المعارضة.

ويؤكد السياسي المصري أن البرلمان الجديد سيفرز نوابا حاصلين على مؤهلات علمية أفضل من ذي قبل، إلا أن ذلك قد لا ينعكس إيجاباً على الأداء، لأن التاريخ يشير إلى أن الكثير من النواب الذين حصلوا على قدر قليل من التعليم استطاعوا أن يكونوا مؤثرين، والعكس بالنسبة لنواب يمثلون قيمة علمية في مجالاتهم.

ويستهدف تصدير الوجوه الشابة والكوادر صاحبة الخبرات العلمية، تحسين الصورة الذهنية للبرلمان لدى المواطنين، والتأكيد على أن هناك سعيا جادا لمناقشة القضايا الملحة، لكن ذلك لن يكون كافياً طالما ظل البرلمان أداة لتمرير رؤية الحكومة تجاه تلك القضايا، وتجاهل الرأي العام الذي يعتقد الآن أن البرلمان هيئة تابعة للحكومة.

صعود وهبوط الكفاءات

محمد أنور السادات: هناك عزوف سياسي ورفض لكثير من الأسماء المرشحة
محمد أنور السادات: هناك عزوف سياسي ورفض لكثير من الأسماء المرشحة

أكد رئيس حزب الإصلاح والتنمية محمد أنور السادات، لـ”العرب” أن “هناك أجيالا من البرلمانيين الذين اختفوا تقريباً من الساحة، وحل مكانهم رجال أعمال وعدد من الشباب الذين تدعمهم الحكومة، وبعض الذين يبحثون عن وراثة مقاعد البرلمان عن آبائهم”.

وأضاف السادات، الذي يعد أبرز الوجوه المعارضة في برلمانات سابقة ولم يترشح حاليا، أن التفاعل مع الأسماء المرشحة محدود للغاية، ومن خلال مشاركته في جولات حزبه الذي يشارك ضمن تحالف “القائمة الوطنية”، تيقّن أن هناك عزوفا سياسيا ورفضا لكثير من الأسماء المرشحة، وقد غابت الحماسة التي كانت تظهر على وجوه المواطنين في مؤتمرات الدعاية الانتخابية.

ويعتقد أن الأجواء العامة تُصعب من مهمة وجود تمثيل نيابي حقيقي يشكل رقابة قوية على الحكومة، لأنه سيتشكل من أحزاب ضعيفة ولن تكون لديها القدرة على معارضة توجهات النظام الحاكم بالشكل الذي يضمن عدم تمريرها.

ويرى مراقبون أن الحكومة لن تكون لديها ممانعات لتقوية أحزاب المعارضة التي دخلت في تحالفات مع حزب مستقبل وطن، وهناك تفاهمات عديدة جرت معها بشأن الأدوار التي ستقوم بها لاحقا، بما يضمن عدم خروجها عن الإطار السياسي العام.

حسن سلامة: الحكومة أفسحت المجال للأحزاب لتمثيل برلماني أكبر
حسن سلامة: الحكومة أفسحت المجال للأحزاب لتمثيل برلماني أكبر

ويعتقد رئيس الحزب الاشتراكي المصري (معارض)، أحمد بهاءالدين شعبان، بأنه لا توجد انتخابات على أرض الواقع وفقاً لآليات الديمقراطية المعروفة في جميع دول العالم والتي تضمن منافسة متكافئة بين جميع المرشحين، وأن المواطن بعد مروره بتجارب معقدة يدرك أن ما يجري ليس إلا صورة شكلية لتجميل المشهد السياسي.

وأوضح لـ”العرب”، أن البرلمانات المصرية على مدار تاريخها الحديث تفتقر للتوجهات المعارضة للحكومة، واقتصر دورها على الموافقة فقط، غير أن الحكومة الحالية تواجه مأزقا يتعلق باستنزاف مخزون الكفاءات، ما جعلها تبحث عن وجوه جديدة من هنا وهناك تستطيع أن تقوم بذات الأدوار التي تؤدي لوجود واجهة ديمقراطية تصد أي انتقادات خارجية للدولة المصرية.

ولفت إلى أن الحكومة أغلقت الباب أمام كل شخص لديه رؤية سياسية للوصول إلى البرلمان، لأن توسيع الدوائر جغرافياً يُصعب من مهمة الوصول إلى المواطنين، كما أنها لم تتح وقتاً مناسباً للدعاية وبدت الانتخابات التشريعية كأنها حدث مفاجئ.

ويعتقد شعبان، وكان أحد أعضاء منظمة الشباب الاشتراكي، بأن الطريق الذي تسير فيه العملية الانتخابية يضر بالحكومة أكثر ما يضر بالمعارضة، لأن الأولى لن تجد ظهيراً سياسياً يستطيع مواجهة تنظيم الإخوان، الذي ما زال قادراً على اختراق مكونات اجتماعية مختلفة، وأن نجاح ثورة 30 يونيو 2013 جاء بسبب قدرة القوى السياسية على الحشد، وهو أمر لن يتحقق مستقبلاً في ظل فقدان الثقة في جميع الساسة.

وحمّل الباحث السياسي حسن سلامة، الأحزاب مسؤولية ظهور المشهد الانتخابي على هذا النحو، لأن عدم قدرتها على إحداث حالة من التنافس في الشارع وغياب كوادرها المؤثرين دفعا الحكومة للتدخل من أجل هندسة الحياة السياسية من خلال فكرة “تنسيقية شباب الأحزاب” و”الأكاديمية الوطنية للتغيير”، بحثاً عن شخصيات مؤهلة.

وأشار لـ”العرب” إلى أن الحكومة قدمت تسهيلات عديدة للأحزاب وأفسحت لها المجال لتمثيل برلماني أكبر، لكن يبقى الدور الرئيسي عليها بشأن إعادة النظر في علاقاتها بالشارع وصياغة تحركاتها التي تضمن بناء قواعد شعبية لها.

واعتبر سلامة أن عزوف المواطنين عن المشاركة قد يؤدي إلى خسائر فادحة على جميع المستويات، بدءاً من النظام السياسي ومروراً بالمرشحين ونهاية بالناخبين الذين قد يجدون أنفسهم أمام مجلس لا يعبر عن رغباتهم واحتياجاتهم.

اقرأ أيضاً: برلمان مصري بلا أسنان

4